تابعنا على لينكد إن

أشار أحد الأصدقاء مؤخراً إلى أنّ أسوأ رئيس له على الإطلاق هو رئيس العمل الذي تألفت تعليقاته التي يقولها للموظف من كلمات: “أنت تقوم بعمل رائع”. لكن كلاهما يعرف أنّ هذا ليس صحيحاً، إذ كانت المؤسسة في حالة من الفوضى، وكان العمل كثير التقلّب، والزبائن ليسوا سعداء. كان صديقي يقوم بأفضل ما لديه أثناء عمله في تلك المؤسسة، ولكنه يحتاج إلى المزيد من الدعم، وتعليقات أفضل من التي كان يتلقاها. كان يريد رئيساً يجده عندما يحتاجه، ويقدّم له نصيحة واقعية وليس عبارات مبتذلة. وقال صديقي ليعبّر عن مدى إحباطه “أفضّل العمل لدى مدير يصرخ في وجهي أو يطلب مني طلبات غير منطقية على العمل لدى المدير الذي يقدّم لي إطراء فارغاً”.

درس الباحثون موضوع الانحراف الإداري أو الجانب المظلم من القيادة لسنوات عديدة. إنّ خصائص الانحراف الرئيسية للمدراء السيئين موثقة جيداً وتنقسم إلى ثلاث فئات سلوكية واسعة: أولاً، “سلوكيات الابتعاد”، التي تخلق مسافة بينك وبين الآخرين من خلال العاطفة المفرطة، والتواصل المعدوم، والشك الذي يضعف الثقة. ثانياً، “سلوكيات التحرك ضد”، التي توحي للفرد بامتلاكه قدرة فائقة وتتلاعب به وتجعله يتباهى بنفسه. ثالثاً، “سلوكيات التحرك نحو”، والتي تشمل الاندماج والتوافق المطلق وعدم التردد في استغلال الفرص أو النهوض من أجل الفريق. إنّ وسائل الإعلام الشائعة مليئة بالأمثلة عن الرؤساء السيئين الذين يعملون في المؤسسات الحكومية والأكاديمية والتجارية، والذين يمتلكون الخصائص المذكورة سابقاً. إلاّ أنّ صديقي كان يصف حالة أسوأ من حالة الرئيس غير الكفؤ. لم يكن مديره يسيء التصرف بشكل علني، كما أنه لم يكن شخصاً متبجّحاً نرجسياً عديم الضمير. بل كان مديره قائداً بالاسم فقط، وكانت مهمته القيادة، ولكنه لم يكن يؤدي هذه المهمة. كان صديقي يعاني من غياب القيادة في مكان عمله، وللأسف، ليس هو وحده الذي يعاني من هذا الأمر. نادراً ما نلاحظ غياب القيادة في أدبيات القيادة أو الأعمال الحالية، ولكن العلماء يوضحون أنّ هذا هو الشكل الأكثر شيوعاً للقيادة غير الكفؤة.

القادة الغائبون هم أشخاص لديهم أدوار قيادية يغيّبون عنها نفسياً. تمت ترقيتهم إلى منصبهم في الإدارة، ويقومون بالتمتع بامتيازات ومكافآت لمهمتهم القيادية، ولكنهم يتجنبون المشاركة البنّاءة في العمل مع فرقهم. تتشابه القيادة الغائبة مع مفهوم اقتصاد الريع، حيث تستفيد من مؤسسة العمل ولا تفيدها. وبالتالي، هم يمثلون حالة خاصة من القيادة التي تتميّز بحرية العمل والتصرف، ولكنها تتسّم بالدمار الذي تُخلًّفه.

ربما يبدو لك أنّ العمل لدى مدير يسمح لك أن تفعل ما تشاء هو أمر مثالي، وخاصة إذا كنت تتعرض للترهيب والمضايقة من قبل رئيسك الحالي. ولكن أظهرت دراسة استقصائية أجريت في العام 2015 على 1,000 عامل بالغ أنّ 8 من أهم 9 شكاوى بشأن سلوكيات القادة كانت تتعلق بالسلوكيات التابعة لغياب القيادة، وكان أكثر ما يقلق الموظفون هو ما لم يفعله رؤساؤهم. من الواضح، من وجهة نظر الموظف، أنّ القيادة الغائبة هي مشكلة جدية، ومتعبة أكثر من غيرها، وهي أكثر الأشكال وضوحاً للقيادة السيئة.

تشير الأبحاث إلى أنّ تجاهل مديرك لك هو أكثر إزعاجاً من معاملته لك بشكل سيء. إنّ تأثير القيادة الغائبة على الرضا الوظيفي يدوم أكثر من تأثير القيادة البنّاءة والقيادة المدمرة. وتحسّن القيادة البنّاءة فوراً من الرضا الوظيفي، ولكن الآثار تتضاءل بسرعة. أما القيادة المدمرة فتؤدي إلى تراجع الرضا الوظيفي على الفور، ولكن الآثار تتبدد بعد حوالي 6 أشهر. في المقابل، يستغرق ظهور تأثير القيادة الغائبة وقتاً أطول، ولكنه يقلل من الرضا الوظيفي لدى المرؤوسين لمدة عامين على الأقل. كما أنه يرتبط بعدد من النتائج السلبية الأخرى للموظفين، مثل الالتباس في مهام كل منصب، والشكاوى بشأن صحتهم، وزيادة استبداد أعضاء الفريق. وتؤدي القيادة الغائبة إلى توتّر الموظفين، ما يؤدي إلى نتائج صحية سيئة وإلى استنزاف مواهب الموظفين، ويؤثر بالتالي على المحصلة النهائية للمؤسسة.

إذا كانت القيادة الغائبة مدمرة لدرجة كبيرة، فلماذا لا نقرأ المزيد عنها في أدبيات العمل؟ يمكنك الأخذ بعين الاعتبار قصة سمعتها مؤخراً عن عميد كلية حقوق معروفة: قام اثنين من الأعضاء المعتبرين لهيئة تدريس الكلية بالاتصال برئيس مجلسهم من أجل تقديم شكوى بشأن عميدهم الذي، كما قالوا، لا يفعل أي شيء. فردّ عليهم رئيس مجلسهم بالقول أنه كان يعمل لديه عميد سكّير، وعميد متّهم بالتحرش الجنسي، وعميد متهم بسوء استخدامه للموارد المالية، لكن عميد كلية الحقوق هذا لم يسبب له أي مشاكل. لذا، قال رئيس المجلس أنّه على أعضاء هيئة التدريس التعامل مع عميدهم.

على غرار رئيس المجلس في هذا المثال، فإنّ العديد من المؤسسات لا تقوم بمواجهة القادة الغائبين لأن لديهم مدراء آخرون يتبّعون سلوكاً أكثر تدميراً بشكل علني. ولأن القادة الغائبون لا يثيرون المشاكل بشكل علني، يصعب اكتشاف تأثيرهم السلبي على المؤسسات، وحين يتم اكتشاف هذا التأثير، فإنه غالباً ما يعتبر مشكلة ذات أولوية متدنية. وبالتالي، فإنّ القادة الغائبون يعتبرون في كثير من الأحيان كقاتلين صامتين للمؤسسة. وإذا تركناهم من دون رقابة، فإنهم سيعيقون عمل المؤسسة المتسلسل، ما يمنع الأشخاص الأكثر فاعلية من الانتقال إلى الأدوار المهمة مع إضافة القليل للإنتاجية. ونادراً ما ينخرط القادة الغائبون في أفعال ذات سلوك سيء، ونادراً ما يخضعون للتحقيقات الأخلاقية الناجمة عن المكالمات الهاتفية للموظفين. نتيجة لذلك، يتراكم تأثيرهم السلبي على المؤسسات مع مرور الوقت دون أي رقابة.

ربما تتمكن المؤسسة التي تعمل فيها من تحديد القادة الفعّالين والمدمرين، وذلك إذا كانت واحدة من القلة القليلة نسبياً التي تتوفر فيها أساليب اختيار وترقية فعالة. حتى إذا كانت مؤسستك ليست جيدة كثيراً في تحديد المواهب، فإنه يسهل اكتشاف كلا النوعين من القادة بمجرد تعيينهم في الوظيفة. كما أنهم يحدثون نتائجاً تنظيمية يمكن التنبؤ بها: تخلق القيادة البنّاءة مشاركة عالية وإنتاجية عالية، في حين أنّ القيادة المدمرة تقتل المشاركة والإنتاجية. وعلى الرغم من ذلك، فإنّ فرص أن تكون المؤسسة التي تعمل فيها غافلة عن القادة الغائبين هي فرص كبيرة، لأن هؤلاء القادة متخصصين في التخفي عن عمليات الكشف عنهم من خلال عدم القيام بأي شيء يجذب الانتباه. ومع ذلك، تكون آثارهم السلبية تنعكس على المؤسسة بشكل بطيء.

إنّ الحرب على المواهب القيادية حقيقية، والمؤسسات التي تمتلك أفضل قادة هي التي ستفوز. يمكن أن يؤدي تفقّد المناصب الإدارية للقادة الغائبين في مؤسستك، والقيام بشيء ما بشأنهم، إلى تحسين موهبتك الإدارية. ومن المحتمل أنّ منافسيك يتجاهلون هذه المشكلة أو يختارون عدم فعل أي شيء حيالها، مثل رئيس مجلس الجامعة. من السهل عدم القيام بأي شيء بشأن القادة الغائبين. فقط قم بسؤال أي قائد غائب.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن قيادة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz