تابعنا على لينكد إن

هل سبق لك العمل مع قائد بارع في التأثير على الآخرين؟، هل صادفت أحداً من فريق عملك مستغرقاً تماماً في ذاته لدرجة أنه يتجاهل آراء الآخرين ولا يعترف بإسهاماتهم في العمل؟، تساعد مثل هذه الخصائص المنفّرة أصحابها على الترقي في مسارهم المهني، لكنها تجعلهم في رحلة تظللها الوحدة المطبقة، إلا إذا كان زملاؤهم في العمل يشاركونهم هذه الخصائص الشخصية.

في البحث الذي أجريناه، تكررت النتائج التي أظهرت أنّ القادة الذين تتسم شخصياتهم بسمات سلبية يراهم أتباعهم أنهم يفتقرون لسلوك القيادة. ومع ذلك، خرجنا من هذا البحث بنتيجة تدلل على وجود احتمالات أعلى لتناغم العلاقة بين القائد وأتباعه إذا اشتركوا مع ذلك المدير المنفّر في نفس هذه السمات.

من هنا بدأنا رحلة بحثنا، لنتقصى متى ولماذا تؤدي هذه السمات الشخصية السلبية إلى تكوين تصور سلبي لدى الآخرين عن أدائهم القيادي، هذا على الرغم من علمنا خلال أبحاث أُخرى أنّ تلك السمات بعينها هي التي تساعد القادة على التقدم. ونذكر على وجه التحديد ما خلصت إليه دراسة أُجريت في ألمانيا إلى أنّ “النرجسية مرتبطة بالراتب ارتباطاً إيجابياً، والمكيافيلية مرتبطة بالمنصب القيادي والرضا الوظيفي ارتباطاً إيجابياً، وأنّ الشخصية السايكوباتية مرتبطة بكل النتائج التي جرى تحليلها ارتباطاً سلبياً”. ويأتي السؤال التالي: إذا نفر الناس من هذه السمات، التي يطلق عليها الباحثون في كثير من الأحيان “الثالوث المظلم”، فما السبب في وجود هذ العلاقة المتلازمة بينها وبين النتائج الإيجابية في المجال المهني؟

لاستقصاء هذا السؤال، أولينا الاهتمام تحديداً بنوعية العلاقة بين القائد وأتباعه، وكيف تؤثر أوجه الشبه أو الاختلاف في شخصياتهم على هذه العلاقة وعلى الأداء القيادي. وأجرينا تقييماً لهذه الجوانب المهمة لكل سمة من سمات “الثالوث المظلم”.

السمات النرجسية

يتصف أصحابها بالزهو المفرط والشعور بالفوقية والعجرفة، وكذلك بالحاجة الشديدة لأن يحظوا على إعجاب الآخرين، كما يشعرون بأحقيتهم في المعاملة المميزة. على سبيل المثال، فكّر في نوعية الشخص الذي يود أن يعترف الآخرون بإنجازات لم يُسهم فيها من الأصل.

السمات المكيافيلية

يتصف أصحابها باستخدامهم حيل بارعة للوصول إلى أهدافهم دون الاكتراث للمعيار الأخلاقي في طريقة تحقيق ذلك. وغالباً ما يوصفون بأنّهم غير أخلاقيين، لا يؤمنون في الخير في الآخر، ويعدّون المكائد بدهائهم الشديد، وهم ذلك النوع من الناس الذي يؤمن بأنّ الغاية تبرر الوسيلة.

السمات السايكوباتية

يتصف أصحابها بصورة أساسية بتلقائيتهم المفرطة، وافتقارهم للتعاطف الوجداني أو ببرودة المشاعر في علاقاتهم الشخصية، إضافة إلى سلوكهم المستغل والعدائي للمجتمع. ومن المرجح أن يكون هذا النوع من الناس ملتهب العواطف ولا يمكن توقع تصرفاته أو ردود أفعاله.

تجتمع هذه السمات الثلاث في نقطة جوهرية مشتركة، وهي أنّ أصحابها المتطرفين في أي من هذه السمات يتعاملون بطرق منفرّة اجتماعياً، وهذا يتضمن سلوكهم في العمل. فلا يدهشنا أن نجد غالبية الأبحاث السابقة تصف ما للخصائص الشخصية المظلمة من أثر سلبي على الآخرين في العمل. فقد ذكر زملاء القادة ذوي الشخصيات “المظلمة” مشاكل تتعلق بسلوكهم القيادي المدمر، وعدم ثقتهم بالآخرين، وشعور أقل بالرضا عن عملهم، وافتقارهم للصحة النفسية، وتكرار تغيير عملهم، وإهمالهم.

اشتملت دراستنا على 349 مشارك (51% من النساء) ممن تقلدوا مناصب قيادية في الإدارة المتوسطة (83% منهم مديرو أقسام). ولما كانوا يتبعون قيادات من الإدارة العليا، فقد كانوا أيضا في وضع التبعية الوظيفية بجانب منصبهم القيادي. وصنّف المشاركون ترتيب سماتهم الشخصية من سمات الثالوث المظلم، ونوعية علاقتهم مع رئيسهم المباشر، وكذلك سمات الثالوث المظلم في شخصية رئيسهم وأداءه القيادي. وجُمعت البيانات باستخدام استبيان إلكتروني يتضمن درجات قياس مستمدة من طرق القياس النفسي المعتمدة، وذلك لقياس الشخصية، ونوعية العلاقات، والأداء القيادي.

ومن الحصيلة الكلية وجدنا أنّ أصحاب السمات المظلمة النرجسية والمكيافيلية يتركون أثراً سلبياً على نوعية العلاقة التي يقيمونها مع أتباعهم، ونوعية هذه العلاقة تنعكس بدورها سلباً على الأداء القيادي الذي يُقاس وفق ثلاثة معايير:

  • مدى الانحراف عن مسار تنفيذ المهام المطلوبة.
  • الأداء السياقي.
  • علاقات العمل.

على سبيل المثال، كان القادة الذين سجلوا مستويات عالية من النرجسية أو الميكافيلية يقيمون علاقات مع أتباعهم أسوأ في نوعيتها مقارنة بغيرهم، ما أدى بدوره إلى تصنيفهم في مستويات أدنى من غيرهم فيما يتعلق بالجانب القيادي. وهذا يدلّ على أنّه من الناحية العملية، إذا أقام القادة علاقات ذات نوعية جيدة مع أتباعهم، فإنّ الأثر السلبي من خصائص شخصيتهم “المظلمة” يمكن التخفيف من حدته. ومن هنا يُطرح السؤال: ما الذي يساعد القادة على إقامة علاقات ذات نوعية جيدة بالرغم من سمات “الثالوث المظلم” في شخصيتهم؟

خلصت أبحاثنا إلى أنّ خصائص شخصية القادة لا تؤثر وحدها على نوعية العلاقة، بل تلعب شخصية أتباعهم دوراً كبيراً في تحديد نوعية العلاقة. فقد وجدنا أنّ التشابه، وليس الاختلاف، في الخصائص المظلمة لشخصية القادة والأتباع هو الذي يؤدي إلى علاقات ذات نوعية أفضل. وانطبقت هذه النتيجة على سمتين من السمات الثلاث المظلمة: النرجسية والمكيافيلية. وإذا سجل أحد القادة ترتيباً مرتفعاً في إحدى هاتين السمتين، فغالباً ما نجدهم يقيمون علاقات أقوى مع أتباعهم الذين جاء ترتيبهم مرتفعاً أيضاً في السمة نفسها.

لم نحصل على نفس النتيجة فيما يتعلق بالسمة السايكوباتية، ونظن أنّ هذا يعزو إلى أنها مرتبطة بافتقار أصحابها للتعاطف الوجداني واتصافهم بالسلوك المعادي للمجتمع. وهذا باختصار يعني أنه من غير المرجح أن يقيم الأشخاص المتطرفون في السمات السايكوباتية علاقات مع أحد، حتى مع أشخاص آخرين على نفس المستوى من السايكوباتية.

فما السبب في احتمال أن يساعد التطابق بين شخصيتي القائد وتابعه في الحد من الأثر السلبي الذي تُحدثه سمات القائد المظلمة على نوعية علاقة عمله؟، لعل الإجابة هي أنّ التابعين الذين تتشابه سماتهم الشخصية مع قائدهم ربما يتعاطفون مع سلوكه ويفهمونه أفضل من غيرهم. إذ أنّ التصور السلبي الذي يتركه القائد النرجسي لدى الآخرين، بسبب عجرفته واستغراقه في ذاته وحبه لها، يفهم أشباهه النرجسيون من الأتباع ويقبلونه بدرجة أعلى، ما يقلل من الأثر السلبي على نوعية العلاقة ويعزز تصورهم لمدى فعالية قيادته. وبالمثل، يقدّر أتباع القائد أصحاب الشخصية المكيافيلية طرق خداعه وبراعته في التأثير على الغير للوصول إلى مبتغاه. فقد يؤدي ذلك إلى التعاون في الجهود التي تؤهلهم للنجاح في تحقيق أهدافهم المشتركة.

من النادر بالقياس أن نرى هذه المستويات المتطرفة من النرجسية والميكافيلية في عموم الناس، ولكن لدى كل شخص منا درجة من الدرجات المظلمة في شخصيته. فماذا يستخلص القادة من هذه النتائج؟، والإجابة القصيرة عن هذا السؤال تنعكس مما نعرفه عن العلاقات الشخصية. وهو أنّ الشخصيات المتشابهة حتى في السمات السلبية تنجذب بعضها إلى بعض، ويمكن أن تسهّل فعالية علاقات العمل. لذلك، ندعو القادة بأن يدركوا ما يتصفون به من هذه السمات وأن يقبلوها.  تعرَّفوا عليها. كيف تبدو لكم؟، حيث يجب أن تدركوا أنّ ليس بوسع كل الأتباع التفاعل الشخصي معكم بسهولة. واسألوا أنفسكم، كيف يرى الموظفون الآخرون هذه الجوانب في شخصيتكم، وكيف يتعاملون معها؟، وما الذي يدفعكم للجوء إلى هذه الطرق في التصرف؟، فمعرفة أنماط سلوكياتكم الاعتيادية تكون إحدى الطرق التي تساعدكم في التحكم بهذه السمات، وتحسين أدائكم القيادي.

بالطبع ليس كل الأتباع لديهم التركيبة النفسية التي تمكّنهم من التعامل مع التفاعلات الشخصية في علاقتهم مع قائد من أصحاب السمات الميكافيلية أو النرجسية. وربما لا تدعو نتائجنا إلى التفاؤل، لاسيما للموظفين الذين يرأسهم قائد تبدو سمات “الثالوث المظلم” في شخصيته مصنفة عند مستويات مرتفعة. ولكننا نأمل أن تساعد نتائجنا هؤلاء الموظفين على إدراك أنّ سلوك مديرهم ربما ليس له علاقة بهم على الإطلاق، فالأمر يتعلق بشخصية المدير.

يبرز البحث الذي قمنا به الجانب المظلم في الشخصية الذي تُغفل في غالبية الأحيان. كما يعزز الأدلة التجريبية ويُعطي نظرة متعمقة حول السبب وراء تأثير سمات الثالوث المظلم لأي قائد تأثيراً سلبياً على أدائه القيادي. وما يدلّ عليه بحثنا هو أنّ أية علاقة مسؤول عنها الطرفين. بعبارة أُخرى، من شأن القادة وأتباعهم من الشخصيات المكيافيلية أو النرجسية أن يشكلوا علاقات عمل فيما بينهم أقوى. لذلك يجب على البحوث المستقبلية مراعاة التبعات الأطول أجلاً للصورة التي سيصبح عليها عالم الأعمال في حال وجود أعداد كبيرة من القادة النرجسيين والمكيافيليين.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2017.

هذه المقالة عن تواصل

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz