العوائق الخفية لصعود النساء في المناصب القيادية

14 دقيقة
معيقات نجاح المرأة
shutterstock.com/Fona
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ينتاب اليأس كثير من الرؤساء التنفيذيين الذين يعطون أولوية لقضية التنوع بين الجنسين من خلال وضع أهداف طموحة لنسبة النساء اللائي يتولين أدواراً قيادية، والإصرار على قائمة متنوعة من المرشحين للمناصب العليا، وتصميم برامج توجيهية وتدريبية لهذا الغرض. يبذل هؤلاء الرؤساء وشركاتهم الوقت والمال والنوايا الحسنة على جهود تمهيد مسار أقوى للنساء الصاعدات، لكن للأسف لا يحدث تغيير كبير في موضوع تجاوز معيقات نجاح المرأة التي تدور حولها باستمرار.

ما يعيب أساليب هؤلاء القادة أنها لا تخاطب العملية الهشة في أغلب الأحيان حول رؤية المرأة لنفسها كقائدة ورؤية الآخرين لها كذلك. يستلزم أي دور قيادي ما هو أكثر من مجرد الجلوس على مقعد القيادة، واكتساب مهارات جديدة، وتكييف أسلوب المرء مع متطلبات ذلك الدور؛ فهو يستلزم تحولاً جوهرياً في الهوية. تقوّض المؤسسات هذه العملية دون قصد حين تنصح النساء بالسعي بشراسة إلى المناصب القيادية دون أن يصاحب ذلك أيضاً تركيز على السياسات والممارسات التي تعكس عدم التوافق بين صورة المرأة من ناحية وبين الصفات والخبرات التي اعتاد الناس ربطها بالقادة من ناحية أخرى.

اقرأ أيضاً: إذا أردنا منع النساء من الارتقاء فلنستمر بمعاملتهن كالرجال

يبين كم هائل من الأبحاث التي تحدثت عن معيقات نجاح المرأة (انظر “قراءات أخرى”) أن التمييز الضمني بين الجنسين الذي لا يزال متغلغلاً داخل المؤسسات والمجتمع يزعزع دورة التعلم بالنسبة للمرأة خلال تسلقها سلم القيادة. كما تشير هذه الأبحاث أيضاً إلى بعض الخطوات التي يمكن أن تتخذها الشركات لتصحيح هذا الوضع. لا يكفي تحديد المهارات والكفاءات “المناسبة” وغرسها كأنها في فراغ اجتماعي، بل يجب أن يدعم السياق بأكمله حافز المرأة للقيادة، وأن يزيد أيضاً من احتمالية اعتراف الآخرين بمجهوداتها وتشجيعهم لها، حتى عندما لا تبدو أو تتصرف مثل الجيل الحالي من كبار الرؤساء التنفيذيين.

أبرز معيقات نجاح المرأة

تختلف الحلول الممكنة لمشكلة المسار القيادي للنساء اختلافاً شديداً عما تطبقه الشركات حالياً. صحيح أن برامج التوجيه والتدريب القيادي التقليدية المميزة ضرورية، إلا أنها غير كافية. تكشف أبحاثنا ودراساتنا واستشاراتنا عن ثلاثة إجراءات إضافية يمكن أن تتخذها الشركات لتحسين فرص ثقة النساء بأنفسهن كقائدات، والاعتراف بهن على هذا النحو، ونجاحهن في نهاية المطاف. (تتوسع هذه المقالة اعتماداً على ورقتنا البحثية “النظر إلى النوع الاجتماعي بعين الاعتبار: النظرية والتصميم لبرامج تنمية المهارات القيادية للنساء”، أكاديمية التعليم والتدريب الإداري، سبتمبر/أيلول 2011).

قراءات إضافية

“من سيكون قائداً ومن سيكون تابعاً؟: عملية اجتماعية لبناء الهوية القيادية داخل المؤسسات” (Who Will Lead and Who Will Follow? A Social Process of Leadership Identity Construction in Organizations)، تأليف: سكوت درو وسوزان أشفورد، دورية أكاديمية الإدارة (Academy of Management Review)، أكتوبر/تشرين الأول 2010.

“النساء والعمل القيادي: رصد التحديات” (Women and Leadership: Defining the Challenges)، تأليف: روبن إلي وديبورا رود، كتيب القيادة بين النظرية والتطبيق (Handbook of Leadership Theory and Practice)، دار نشر هارفارد بزنس ريفيو، 2010.

“هويات مستحيلة: استراتيجيات الصورة العامة وتحدي الهوية في التحولات الوظيفية للنساء المتمرسات” (Impossible Selves: Image Strategies and Identity Threat in Professional Women’s Career Transitions)، تأليف: هيرمينيا إيبارا وجينيفر بيترغليري، ورقة عمل معهد “إنسياد” (INSEAD)، لعام 2007.

“التفاوض في ظلال المؤسسات: النوع الاجتماعي والتفاوض والتغيير” (Negotiating in the Shadows of Organizations: Gender, Negotiation, and Change)، تأليف: ديبورا كولب، دورية ولاية أوهايو عن حل النزاعات (Ohio State Journal on Dispute Resolution)،لعام 2013.

“النظر إلى النوع الاجتماعي بعين الاعتبار: النظرية والتصميم لبرامج تنمية المهارات القيادية للنساء” (Taking Gender into Account: Theory and Design for Women’s Leadership Development Programs)، تأليف: روبن إلي وهيرمينيا إيبارا وديبورا كولب، أكاديمية التعليم والتدريب الإداري (Academy of Management Learning & Education)، سبتمبر/أيلول 2011.

تسلم القيادة

يصبح المرء قائداً عن طريق ترسيخ الهوية القيادية داخله وتنمية إحساسه بالغاية. ترسيخ الإحساس بالذات كقائد هي عملية تكرارية. يفرض المرء شخصيته القيادية باتخاذ إجراء هادف، مثل عقد اجتماع لإحياء مشروع مؤجل. يؤيد الآخرون هذا الإجراء أو يقاومونه، وبالتالي يشجعون الإجراءات اللاحقة أو يحبطونها. تعكس هذه التفاعلات إحساس المرء بذاته كقائد، كما تعكس نظرة الآخرين إلى مدى ملاءمته وصلاحيته لهذا الدور.

مع تطور مهارات المرء القيادية وتزايد فرص إظهارها، تتضاعف احتمالات توليه المهمات الصعبة والمميزة وغيرها من الترشيحات المؤسسية. يمد هذا الدعم المرء بالشجاعة كي يخرج من دائرة الراحة ويجرب سلوكيات غير معتادة وطرقاً جديدة لممارسة القيادة. ومع ذلك فإن غياب الدعم يهدم الثقة بالنفس ويحبط المرء عن السعي وراء فرص النمو أو التجريب، وسرعان ما تضمحل هويته القيادية – التي تبدأ كجانب ثانوي مؤقت من الذات – بالإضافة إلى تراجع فرص النمو من خلال مهمات جديدة وإنجازات حقيقية. وبمرور الوقت، يكتسب القائد الطََموح سمعة بأنه يمتلك – أو لا يمتلك – إمكانات عالية.

تعتبر قصة إحدى المصرفيات التي تعمل في مجال الاستثمار والتي سنسميها هنا “يمنى” مثالاً توضيحياً. توقفت مسيرة يمنى المهنية وهي في عقدها الرابع، وقد قيل لها إن مشكلتها هي افتقارها لسمة “الحضور” مع العملاء (الذين كان أغلبهم رجالاً يكبرونها سناً) وأنها لم تكن صريحة بما يكفي في الاجتماعات. بدت آفاق مستقبلها الوظيفي قاتمة. إلا أن سمعتها وثقتها بنفسها قد تحسنتا حين كُلفت بالعمل مع عميلين تصادف أن كان على رأس الإدارة المالية لشركتهما قيادة نسائية. قدّرت هاتان المرأتان ذكاء يمنى وتعاملها ببراعة مع احتياجاتهما واهتماماتهما، وبدأت كل منهما بطريقتها الخاصة أخذ زمام المبادرة لتحسين صورة يمنى، فاشترطت إحداهما حضور يمنى في جميع الاجتماعات الرئيسة، بينما رفضت الأخرى أن تتواصل مع أي أحد بخلاف يمنى عند اتصالها بالشركة؛ وهي كلها أمور عززت مصداقية يمنى داخل شركتها. تشرح يمنى ذلك قائلة: “في مجال عملنا، يعتبر توطيد علاقتنا بالعملاء الكبار أمراً بالغ الأهمية”. بدأ زملاؤها ومشرفوها ينظرون إليها ليس باعتبارها مديرة مشروعات كفؤة فحسب، وإنما كمستشارة عملاء أمينة؛ وهو شرط مهم للترقي. عززت هذه العلاقات، الداخلية والخارجية على حد سواء، ثقة يمنى بنفسها، التي كانت تحتاجها لابتكار أفكار والتعبير عنها بصراحة، سواء لزملائها أو لعملائها. استنتج مشرفو يمنى بكل سعادة أنها قد خلعت عنها أخيراً شخصيتها القديمة “الخجولة والوديعة” وارتدت “ثوب القيادة”.

ينمّي القادة الأكفاء إحساسهم بالغاية عن طريق السعي وراء أهداف تتوافق مع قيمهم الشخصية وتحقق الصالح العام، ما يتيح لهم النظر إلى ما هو أبعد من الوضع الراهن للوصول إلى ما هو ممكن، كما يمنحهم سبباً مقنعاً للمبادرة بالفعل على الرغم من مخاوفهم الشخصية وثقتهم المزعزعة. يُنظر إلى هؤلاء القادة باعتبارهم صادقين مع أنفسهم وجديرين بالثقة لأنهم على استعداد لخوض المخاطر لتحقيق الأهداف المشتركة. وعن طريق ربط الآخرين بغاية أكبر، فإنهم يلهمونهم بالالتزام ويعززون من قوة إصرارهم ويساعدون زملاءهم على إيجاد معنى أعمق في عملهم.

اقرأ أيضاً: بالأرقام: استمرار غياب المرأة عن المناصب الإدارية العليا في كثير من الشركات العالمية

يمثل دمج المهارة القيادية في هوية المرء الأساسية تحدياً خاصاً بالنسبة للنساء اللائي يجب أن يثبتن مصداقيتهن في ظل ثقافة شديدة التناقض حول ما إذا كان يجب أن يمارسن السلطة ومتى وكيف. تشير الممارسات التي تساوي بين المهارة القيادية والسلوكيات الأكثر شيوعاً لدى الرجال إلى أن النساء لم يُخلقن ببساطة للأدوار القيادية. علاوة على ذلك، فإن ميل الإنسان للانجذاب نحو من يشبهونه يدفع الرجال أصحاب النفوذ إلى رعاية غيرهم من الرجال وتأييدهم حين تلوح في الأفق فرص للقيادة. حسبما توضح قصة يمنى، فإن إمكانات المرأة القيادية تظهر أحياناً بطرق غير تقليدية – مثلاً بتلبية احتياجات العملاء، بدلاً من التصريح بجرأة عن وجهة نظر ما – وأحياناً يستلزم الأمر نساء صاحبات نفوذ للاعتراف بتلك الإمكانات. بيد أن النساء صاحبات النفوذ لسن إلا قلة نادرة.

ما المقصود بالتحيز الجنسي من الجيل الثاني؟

ابتعدت الأبحاث عن التركيز على الإقصاء المتعمد للنساء، وبدأت التركيز على دراسة أشكال “الجيل الثاني” من التحيز الجنسي غير المتعمد باعتبارها السبب الأساسي وراء نقص تمثيل المرأة المستمر في المراكز القيادية. يضع هذا التحيز أمام النساء عوائق قوية لكنها ضمنية وغالباً ما تكون خفية، وتنشأ من الافتراضات الثقافية بالإضافة إلى الهياكل والممارسات وأنماط التفاعل المؤسسية التي تفيد الرجال دون قصد بينما تضعف موقف النساء. من بين هذه العوائق:

ندرة القدوة أمام النساء

يحتاج القادة الطموحون إلى قدوة يستطيعون تجربة أساليبها وسلوكياتها وتقييمها وفقاً لمعاييرهم الخاصة وردود أفعال الآخرين. قلة النساء القياديات تعني قلة النماذج التي يمكن الاقتداء بها، وهذا قد يوحي للقيادات النسائية الشابة الواعدة أن مجرد كونهن نساء يعتبر نقطة ضعف، ما يحول دون رؤيتهن النساء الأكثر خبرة باعتبارهن مصدراً أميناً لطلب المشورة والدعم.

الأعمال والمسارات الوظيفية المتحيزة للرجل واحدة من معيقات نجاح المرأة

صُمم العديد من الهياكل المؤسسية وممارسات العمل الراسخة لتلائم حياة الرجال وظروفهم في وقت لم تكن النساء تشكل فيه إلا نسبة صغيرة للغاية من القوة العاملة. على سبيل المثال: لطالما كان التنقل الرسمي بين الوظائف في أقسام المبيعات أو العمليات التشغيلية خطوة أساسية على طريق الوصول إلى المناصب القيادية العليا، وكانت فرص الرجال أكبر من النساء في الحصول على هذه المناصب. بيد أن مثل هذه المتطلبات ربما تكون قد عفا عليها الزمن إذا نظرنا بعين الاعتبار إلى نوعية الخبرات التي تؤهل الشخص بشكل أفضل للقيادة. مثال آخر: غالباً ما تفترض المناصب الدولية المُعزِّزة لمسار المرء الوظيفي وجود “شريك حياة” لا يعمل ويمكنه الانتقال بسهولة، وهو موقف عائلي شائع بين الرجال أكثر من النساء. وبالمثل، فإن الكيفية التي يتم بها تقدير العمل قد تعطي الرجال أفضلية، حيث تشير الأبحاث إلى أن المؤسسات تميل إلى تجاهل أو عدم تقدير الأعمال التي تتم وراء الكواليس (مثل: بناء الفريق، وتجنب المخاطر)، وهو ما تفعله النساء في العادة، بينما تكافئ الأعمال البطولية، التي يمارسها الرجال في الأغلب الأعم. لم تتعمد هذه الممارسات التمييز بين النساء والرجال، لكن تأثيرها التراكمي يضر المرأة. وبالتالي تصبح هناك دائرة مفرغة، يبدو الرجال فيها أكثر ملاءمة للأدوار القيادية، وهذا الاعتقاد يدفع المزيد منهم إلى السعي وراء هذه المناصب والحصول عليها، مما يعزز فكرة أنهم ببساطة قادة أفضل.

عدم تمتع النساء بشبكات اجتماعية وجهات راعية

تعتبر شبكة العلاقات غير الرسمية مورداً ثميناً للقادة الواعدين ولكنها للأسف من معيقات نجاح المرأة في العمل، ومع ذلك فالاختلاف بين الرجال والنساء في الأدوار المؤسسية والطموحات الوظيفية، إلى جانب ميلهم للتفاعل مع الآخرين من نفس الجنس، كل هذا يضعف الشبكات الاجتماعية للنساء. وهن يُشِرن إلى أن أحد العوائق الرئيسة لتقدمهن في العمل هو عدم تمكنهن من الاختلاط بزملائهن المؤثرين. علاوة على ذلك، تتسم الروابط التي تتمتع بها النساء فعلياً بأنها أقل تأثيراً، فشبكة علاقات الرجال توفر عوناً أكبر غير رسمي مقارنةً بشبكة علاقات النساء، كما أن الرجال غالباً ما يحظون بمرشدين يساعدونهم على الترقي. وفي الوقت نفسه، يميل الرجال في المناصب الكبرى إلى توجيه فرص التطوير للرجال في المناصب الصغرى، حيث يرونهم أكثر قدرة من النساء على النجاح.

اقرأ أيضاً: النساء أقدر على التجاوب مع ضغوط المنافسة

وقوع النساء بين نارين أحد أبرز معيقات نجاح المرأة

في معظم الثقافات، ترتبط الذكورة بالعمل القيادي ارتباطاً وثيقاً، فالقائد المثالي – مثله كمثل الرجل المثالي – يكون حاسماً وصارماً ومستقلاً. على النقيض من ذلك، يُتوقع من النساء أن يكن لطيفات ومراعيات ومحبات للغير. عدم التوافق بين الصفات الأنثوية التقليدية والصفات التي يُعتقد أنها ضرورية في العمل القيادي يضع القيادات النسائية بين نارين. فقد أظهرت دراسات عديدة أن النساء اللائي يتفوقن في المجالات الذكورية التقليدية يُنظر إليهن باعتبارهن قديرات لكنهن أقل شعبية من نظرائهن الرجال. فالسلوكيات التي توحي بالثقة في النفس أو الصرامة لدى الرجال غالباً ما تبدو غروراً أو وقاحة في النساء. في الوقت نفسه، فإن النساء اللائي يشغلن مناصب سلطة ويستخدمن أسلوباً أنثوياً تقليدياً قد يحظين بالشعبية ولكن ليس بالاحترام، فهن يُعتبَرن عاطفيات أكثر من اللازم بما يمنعهن عن اتخاذ القرارات الصعبة، وأرق من أن يصبحن قادة أقوياء.

على الرغم من عدم وجود نية مقصودة للتمييز بين الجنسين، فإن الأشكال الضمنية “للجيل الثاني” من التحيز ضد المرأة في مكان العمل يمكن أن تعوق نمو الهوية القيادية لدى جميع نساء الشركة. (انظر المربع الجانبي “ما المقصود بالتحيز الجنسي من الجيل الثاني؟”) يعزز نقص تمثيل المرأة في المناصب العليا المعتقدات الراسخة، ويدعم فرص الرجال في نيل الأدوار القيادية، وبالتالي يحافظ على ثبات الوضع الراهن.

ما المقصود بالتحيز الجنسي من الجيل الثاني؟

تتمثل الإجراءات الثلاثة التي نقترحها لدعم وصول النساء إلى المناصب القيادية في: (1) تثقيف النساء والرجال بشأن التحيز الجنسي من الجيل الثاني، (2) توفير بيئات عمل آمنة لنمو الهوية القيادية من أجل دعم الترقي إلى أدوار أكبر، (3) ترسيخ جهود نمو إحساس المرأة بالغاية القيادية بدلاً من صورتها. ستمنح هذه الإجراءات النساء رؤى ثاقبة حول أنفسهن وحول مؤسساتهن، ما يمكنهن من رسم مسار للقيادة بشكل أكثر فاعلية.

تثقيف الجميع بشأن التحيز الجنسي من الجيل الثاني

بالنسبة للنساء.

منذ أكثر من 25 عاماً، صادفت عالمة النفس الاجتماعية “فاي كروسبي” ظاهرة مثيرة للدهشة: فمعظم النساء غير مدركات لوقوعهن شخصياً ضحايا للتمييز بين الجنسين، بل وينكرنه حتى عندما يكون صحيحاً بصورة موضوعية ويرين أن النساء بصفة عامة يتعرضن له.

لقد عمل كثير من النساء بكل جهد لإخراج النوع الاجتماعي من المعادلة والاعتراف بهن ببساطة على أساس مهاراتهن ومواهبهن. علاوة على ذلك، قد يوحي وجود تمييز بين الجنسين في السياسات والممارسات المؤسسية بعجزهن عن تحقيق نجاحهن بأنفسهن. عند سؤال النساء عما قد يعوقهن في مؤسساتهن، كانت إجاباتهن كالتالي:

“ليس شيئاً جلياً، أشعر فقط بعدم وجود رابطة – سواء إيجابية أو سلبية – بيني وبين الرجال الذين أعمل معهم. لذا أواجه أحياناً صعوبة في الحصول على تأييد لأفكاري”.

“أنظر حولي فأجد أن زملائي الذكور يتولون مناصب عليا كإدارة الأرباح والخسائر، بينما يقوم معظمنا بأدوار الموظفين. نصحني أحدهم بالانتقال إلى صفوف الموظفين بعد ولادة طفلي الثاني، وقال لي إن العمل سيكون أسهل، لكنني اكتشفت الآن أنه لا مجال للعودة إلى المسار القيادي”.

“تتمتع شركتي بنوايا حسنة حين يتعلق الأمر بالنساء. لكن يبدو أنه كلما أصبح أحد المواقع القيادية شاغراً، لا تكون النساء ضمن قائمة المرشحين لهذا المنصب بدعوى أن الشركة لا تستطيع إيجاد نساء يتمتعن بالمهارات والخبرات المناسبة”.

تناقِض هذه التصريحات فكرة غياب التحيز الجنسي عن الحياة العملية لأولئك النسوة. لا يتطلب التحيز الجنسي من الجيل الثاني وجود نية مقصودة لاستبعاد المرأة وإقصائها، كما لا ينتج عنه بالضرورة أذى فوري ومباشر لأي أحد. بدلاً من ذلك، فإنه يخلق سياقاً – أشبه بالعدوى غير المبررة – تعجز فيه النساء عن الازدهار أو استثمار جميع إمكاناتهن. شعور المرأة بضعف الرابطة بينها وبين زملائها الذكور، وقبولها النصيحة بالانضمام إلى صفوف الموظفين لمراعاة مسؤولياتها الأسرية، وإيجاد نفسها مستبعدة من قائمة المرشحين للمناصب المهمة، كل هذه المواقف تعكس هياكل وممارسات مؤسسية تعرقل نجاح المرأة في العمل.
دون فهم تحيز الجيل الثاني غير المتعمد، لا يبقى أمام الناس سوى قوالب نمطية لتفسير فشل النساء ككل في تحقيق المساواة مع الرجال: فإذا كن عاجزات عن بلوغ القمة، فهذا لأنهن “لا يطلبن ذلك” أو أنهن “أطيب من اللازم” أو ببساطة لأنهن “يقررن الانسحاب”. توحي هذه الرسائل للنساء اللائي استطعن تحقيق النجاح أنهن مجرد استثناء للقاعدة، كما توحي للنساء اللائي صادفن عقبات أن عجزهن عن استخدام الشراسة أو الالتزام نحو العمل بما يكفي هو ذنبهن وحدهن.

لقد اكتشفنا أنه عندما تعترف النساء بالآثار الضمنية المتغلغلة للتحيز الجنسي من الجيل الثاني، فإنهن يشعرن بالقوة لا بالضعف، لأنهن يستطعن اتخاذ إجراء للتصدي لتلك الآثار. يمكنهن ترشيح أنفسهن للأدوار القيادية حين يكنّ مؤهلات لها ولكنهن يتعرضن للتجاهل. يمكنهن البحث عن رعاة ومشجعين لمساندتهن وتنميتهن في تلك الأدوار. يمكنهن التفاوض حول ترتيبات عمل تناسب حياتهن الشخصية ومتطلبات الأداء في مؤسساتهن في نفس الوقت. يسهّل هذا الفهم على النساء قبول التحديات وانتهاز الفرص دون تردد أو توان.

بالنسبة للنساء والرجال.

التحيز الجنسي من الجيل الثاني مترسخ في القوالب النمطية والممارسات المؤسسية بدرجة يصعب معها اكتشافه، لكن حين يدركه الناس فإنهم يرون فرصاً للتغيير. خلال عملنا مع برامج تنمية المهارات القيادية، نركز على نهج “المكاسب الصغيرة” للتغيير. في إحدى شركات التصنيع، علم فريق العمل أن القادة يميلون إلى توظيف وترقية الموظفين – الرجال بصفة أساسية – الذين يشبهونهم في خلفياتهم المهنية ومسارهم الوظيفي. وكان لديهم أسباب مقنعة لهذا السلوك: فإيجاد مهندسين متمرسين أمر صعب، كما أن القيود الزمنية تضغط على القادة لملء هذه المناصب الشاغرة في أسرع وقت. لكن بعد أن أدركت الشركة بعض العواقب الخفية لهذه الممارسة – كارتفاع معدل استبدال العمالة، وصعوبة جذب النساء للعمل في الشركة، وغياب التنوع بشكل يضاهي تنوع العملاء – بدأت التجريب مع المكاسب الصغيرة. على سبيل المثال: تعهد بعض الرؤساء التنفيذيين بمراجعة المتطلبات الوظيفية للمناصب القيادية. وقد قال أحد القادة الذكور: “نكتب التوصيفات الوظيفية – أي قائمة الإمكانات المطلوبة – للمرشح المثالي. نعلم أن الرجال سيرشحون أنفسهم حتى إذا لم تكن تنطبق عليهم جميع الشروط، بينما ستمتنع النساء عن المشاركة. أما الآن فنبحث عن الإمكانات اللازمة للمنصب، وليس عن شخص مثالي غير واقعي، وقد وظفنا مزيداً من النساء في هذه المناصب، ولم تتأثر جودتنا على الإطلاق”.

في حالة أخرى، لاحظ المشاركون في برنامج لتنمية المهارات القيادية حصول الرجال على أدوار استراتيجية أكثر، بينما كُلفت النساء بأدوار تشغيلية، مما يشير إلى امتلاكهن إمكانات أقل. اقترح المشاركون أن تقدم الشركة معايير واضحة للمهمات التطويرية، وأن تتوخى الشفافية حيال كيفية تقييم الإمكانات العالية، وأن تعطي توجيهات بشأن الخبرات التي تزيد من إمكانات الموظف بشكل أفضل. وقد نجحت تلك الخطوات في تولي مزيد من النساء أدواراً قيادية.

توفير بيئات عمل آمنة لنمو الهوية القيادية

يندر وجود النساء على نحو متزايد في المناصب العليا بالمؤسسات، ما يزيد من ملاحظة القريبات من القمة وتدقيقهن، اللائي قد يخشين المخاطرة ويركزن تركيزاً مبالغاً فيه على التفاصيل ويفقدن إحساسهن بالغاية. (بصفة عامة، يكون البشر أقل استعداداً لتجربة سلوكيات أو أدوار غير مألوفة إذا شعروا بالتهديد). لذا يعتبر توفير بيئة آمنة للتعلم والتجريب وبناء العلاقات أمراً مهماً في برامج تنمية المهارات القيادية للنساء.

خذ تقارير تقييم الأداء مثالاً، حيث تعتبر ضرورية للنمو والتقدم، لكنها تمثل حائلاً مانعاً أمام النساء. في كثير من المؤسسات، يعد تقرير تقييم الأداء بطريقة 360 درجة أداة أساسية لتعميق المعرفة بالذات وزيادة الوعي بتأثير المرء على من حوله، وهما مهارتان أساسيتان لتنمية الكفاءة القيادية. بيد أن القوالب النمطية للنوع الاجتماعي قد تشوه انطباعات المقيّمين، ما يوقع النساء بين نارين ويعرضهن للمعايير المزدوجة. أوضحت الأبحاث بإسهاب أن النساء الناجحات صاحبات الإمكانات العالية اللائي يُقيَّمن على أساس كفاءتهن كمديرات يفشلن غالباً في اختبار الشعبية، في حين أن الكفاءة والشعبية يسيران جنباً إلى جنب بالنسبة للرجال الناجحين بالمثل. نلاحظ هذه الظاهرة خلال أبحاثنا وممارساتنا الخاصة أيضاً. فالمشرفون دائماً ما يعطون النساء صاحبات الأداء العالي رسالة من قبيل: “يجب عليك تقليل أسلوبك الحاد في العمل”. وبالمثل، نجد أن المشارِكات في برامج تنمية المهارات القيادية للنساء غالباً ما يتلقين تقييمات مرتفعة في جوانب متعلقة بالمهمات مثل: “تتخطى الأهداف الموضوعة”، و”تتصرف بحسم في مواجهة المجهول”، و”لا تخشى اتخاذ القرارات التي لا تحظى بشعبية”، بينما يتلقين تقييمات منخفضة في الجوانب التي تتعلق ببناء العلاقات مثل: “تأخذ وجهات نظر الآخرين بعين الاعتبار”، و”تستعين بتقارير تقييم الأداء لتتعلم من أخطائها”. كما أننا كثيراً ما نصادف نساء تبدو تقارير تقييم أدائهن متناقضة: فبعضهن يُقال لهن إنهن بحاجة إلى “بعض الصرامة ومحاسبة الآخرين” لكن في الوقت نفسه “ألا يرفعن سقف توقعاتهن”، أن “يواجهن الآخرين بالرفض أكثر” لكن أن يصبحن أيضاً “أكثر ظهوراً”، أن يكن “أكثر حسماً” ولكن أيضاً “أكثر تعاوناً”.

يعتبر تخطي معيقات نجاح المرأة وتوفير بيئة آمنة – من خلال علاقة تدريب، أو برنامج لتنمية المهارات القيادية للنساء، أو جماعة دعم من الزملاء – تستطيع فيها النساء تفسير هذه الرسائل، أمراً حيوياً لتنمية هويتهن القيادية. ينبغي للشركات تشجيعهن على إنشاء رابطات تستطيع من خلالها النساء صاحبات المناصب المتشابهة مناقشة تقارير تقييم أدائهن، ومقارنة ملاحظاتهن، وتقديم الدعم المعنوي لتعليم إحداهن الأخرى. يزيد تحديد التجارب المشتركة من استعداد النساء للتحدث بصراحة، وتحمل المخاطر، ومواجهة التحديات دون خوف من أن يسيء الآخرون فهمهن أو ينتقدونهن. هذه الروابط مهمة بصفة خاصة حين تناقش النساء موضوعات حساسة مثل التحيز ضد المرأة أو التفكير في تحدياتهن الشخصية في العمل القيادي التي يمكن أن تهدد هويتهن بسهولة وتدفعهن إلى مقاومة أي تقييم نقدي قد يتلقينه. عندما تعتمد النساء على تقييمات صادقة للعوامل الثقافية والمؤسسية والفردية التي تشكلهن، يمكن أن ينسجن حكايات مترابطة يصفن من خلالها أنفسهن وماذا يردن أن يصبحن.

أهمية الغاية القيادية

في مقابلة أُجريت مؤخراً مع أعضاء من الفريق الصحفي لـ “هيلاري كلينتون”، علق أحد الصحفيين المتمرسين قائلاً: “لا يكمن الخبر أبداً فيما تقوله، على الرغم من محاولاتنا. بل يكمن دوماً في الصورة التي تظهر بها حين تقوله”. تقول “كلينتون” إنها لم تعد تقاوم الأمر، بل تركز فقط على إنجاز مهمتها.

لطالما كانت صورة المرأة – طريقة ملبسها، وكلامها، وحضورها القيادي، وقدرتها على جذب الانتباه، وأسلوبها القيادي – محور العديد من الجهود المبذولة لإيصال المزيد من النساء إلى القمة. وقد وجد مدربو الصوت ومستشارو تحسين الصورة المهنية ومعلمو الخطابة وخبراء العلامة التجارية الشخصية أن الطلب على خدماتهم في تزايد. يتمثل الافتراض في أن النساء لم يُجبَلن اجتماعياً على التنافس بنجاح في عالم يحكمه الرجال، لذا يجب أن يتعلمن المهارات والأساليب التي يكتسبها نظراؤهن الذكور بشكل طبيعي.

لإدارة المفاضلة بين الكفاءة والشعبية – ذلك الاختيار الظاهري بين نيل الاحترام ونيل الشعبية – تتعلم النساء إما تقليل أنوثتهن، أو تخفيف أسلوبهن الحاد، أو محاولة تحقيق التوازن المثالي بين الاثنين. لكن الوقت والمجهود المبذولين في إدارة هذه الانطباعات يمكن أن يذهبا عبثاً في نهاية المطاف. فالمبالغة في تحسين صورة المرء تقلل الموارد المعنوية والتحفيزية المتاحة لأهداف أكبر. الأشخاص الذين يهتمون بنظرة الآخرين إليهم يكونون أقل وضوحاً بشأن أهدافهم، وأقل انفتاحاً نحو التعلم من الفشل، وأقل قدرة على التنظيم الذاتي.

إن تجاوز معيقات نجاح المرأة وترسيخ الغاية يمكّن النساء من إعادة توجيه انتباههن نحو الأهداف المشتركة والتفكير فيما يردن أن يصبحن وماذا يردن أن يتعلمن لتحقيق تلك الأهداف. بدلاً من تعريف أنفسهن اعتماداً على القوالب النمطية للنوع الاجتماعي – سواء برفض الأساليب الذكورية النمطية لأنها تبدو خاطئة، أو رفض الأساليب الأنثوية النمطية خشية أن توحي بعدم الكفاءة – يمكن أن تركز القيادات النسائية على التصرف بأساليب تعزز الغايات التي يدافعن عنها.

التركيز على الغاية يمكن أن  يساعد في حل مشكلة معيقات نجاح المرأة ويدفع النساء أيضاً إلى ممارسة أنشطة ضرورية لنجاحهن، مثل بناء العلاقات. فنادراً ما يجدن المعارف بشكل طبيعي، لذا يجب عليهن أن يتصرفن بشكل استباقي لبناء الروابط. لكننا نجد أيضاً أن العديد من النساء يتجنبن بناء العلاقات لأنهن يعتبرنه أمراً غير صادق – باعتبار أن الهدف الوحيد منه هو تبادل المصالح وأنه مجرد وسيلة لتحقيق غاية – أو لأنه يستدعي إلى أذهانهن أنشطة (مثل رياضة الغولف المشهورة) لا يشعرن نحوها بأي اهتمام أو لا يملكن لها وقتاً، بسبب مسؤولياتهن الأسرية بعد العمل. لكن حين ينظرن إلى بناء العلاقات باعتباره وسيلة لبلوغ غاية أكبر، مثل تطوير مشروع جديد لتعزيز رؤيتهن للشركة، يشعرن بارتياح أكبر للمشاركة فيه. إن اكتساب مهارة القيادة الفعالة يشبه اكتساب أي مهارة معقدة: فهي نادراً ما تكون فطرية، وفي العادة تستلزم الكثير من الممارسة. يستلزم الترقي بنجاح إلى مناصب إدارية عليا التخلص من الهويات المهنية التي كانت فعالة سابقاً، وبناء هويات جديدة أكثر ملاءمة. ومع ذلك غالباً ما يشعر الناس بالتردد حيال ترك راحة المناصب التي تميزوا فيها، لأن ذلك يعني التحرك نحو نتيجة غير مؤكدة.

يمكن أن يجعل التحيز الجنسي من الجيل الثاني هذه التحولات أكثر صعوبة بالنسبة للنساء، والتركيز حصرياً على اكتساب مهارات جديدة غير كافٍ، إذ لا بد أن يكون التعليم مصحوباً بإحساس متنامٍ بالهوية القيادية. لذا فإن تجاوز معيقات نجاح المرأة وتحسين فهمنا لتحيز الجيل الثاني، وتوفير بيئة آمنة لنمو الهوية القيادية، وتشجيع النساء على ترسيخ غايتهن القيادية سوف يحقق نتائج أفضل مقارنةً بالأساليب التي تتبعها معظم المؤسسات حالياً في سبيل تخطي معيقات نجاح المرأة لديها.

اقرأ أيضاً: الانسحاب من مشروع ناجح.. الرجال والنساء كلٌ له أسبابه

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .