يعمل إيهاب مثلي، كاتباً ومتحدثاً ورئيساً لشركة استشارية. وبقدر ما أعرف عنه، فهو شخص عمليّ ومحترم وكفؤ وأمين ويحظى بشعبية كبيرة. وفي إحدى المرات، طلبت منَّا سيدة نعرفها كلانا أن نتعاون في مشروع ما، وكانت بالتأكيد هناك منفعة مشتركة لعملنا سوياً.

كل شيء يبدو رائعاً، ما عدا أنني لا أحب إيهاب. فيه شيء يثير أعصابي. إنه يبدو أنانياً أو محباً لذاته أو مغروراً. لا أعلم تحديداً ما هو هذا الشيء، لكني أعلم أنني لا أحبه. وأخبرت تلك السيدة التي أرادت منَّا العمل سوياً بذلك، وأخبرتني بأنه لابد لي أن أتخطى الأمر، وقالت: “ليس عليك أن تحبه، لكن عليك أن تتحلى بالذكاء لكي تعمل معه”.

إذاً، فكيف يمكنك أن تعمل مع شخص لا تحبه؟

أنا لا أتحدث ببساطة عن شخص يسبب لك الإحباط لأنه لا يجيد التواصل مع الآخرين أو لأنه غير قادر على إدارة الاجتماعات. بالطبع، لأمر مزعج أن تتعامل مع من يضيّع وقتك، خاصة إذا كنت تعلم أنه يمكنك تحقيق نتائج أفضل. ولكن، يختلف هذا الأمر عن العمل مع شخص لا تحبه. فقط فكّر في اختلاف استجابتك في الحالتين، أن تعمل مع شخص تحبه ولكن لا يمكنه إدارة اجتماع (وتريد أن تساعده) وأن تعمل مع شخص لا تحبه (وتريد أن تتوقف عن العمل معه، أو تقتله إن طال الاجتماع كثيراً).

وتتمثل النصيحة التي ستسمعها عادة حول العمل مع أشخاص لا تحبهم ببساطة: بعدم التعامل مع الأمر من منظور شخصي. فقط تعامل معهم في حدود العمل المطلوب ثم اتركهم. وبمعنى آخر، تحمّل واصبر فما باليد حيلة.

ولكني اكتشفت أنَّه من شبه المستحيل فعل ذلك. إذ يدفعنا التعامل مع من لا نحبهم للجنون ويجعلنا نضيع الكثير من الوقت في الشكوى منهم أو الشعور بالتوتر حيال حوار نريد إجراءه معهم.

وليس هذا هو الأمر الأسوأ، فالمشكلة الأكبر هي أنك عندما لا تحب شخصاً ما، على الأغلب هو يعلم ذلك، ما يدفعه إلى مبادلتك الشعور ذاته. وإذا كنت تعتقد أنّ العمل مع شخص لا تحبه أمر صعب، فجرّب العمل مع شخص لا يحبك. الأمر بسيط حقاً. فالشخص الذي تنسجم معه، سيجد طريقة ما لمساعدتك، أمّا من لا تنسجم معه، فسيجد طريقة لعرقلتك.

يجب عليك أن تكون محبوباً لتتمتع بالعديد من المزايا المضمونة. فوفقاً لأحد الأبحاث، كلما كنت محبوباً أكثر، تمتعت بحياة أسهل وإنتاجية أكبر وحققت أرباحاً أكثر. ما يعني أنّ تعاملك مع شخص لا تتقبله، سيشكل خطراً عليك، حتى وإن تحملت وصبرت.

وبالتالي، إذا كان التحمّل والصبر أسلوب غير ناجح، فما البديل؟

فكّر لبرهة، لماذا لا تحب هذا الشخص. ربما تظنه جشعاً أو أنانياً أو متسلطاً أو شديد اللؤم. أي أنّ لديه بعض العيوب في شخصيته أو بعض الصفات السيئة التي تزعجك، مثل وجهة نظري في إيهاب، الذي أراه أنانياً ومحباً لذاته ومغروراً.

الآن، وهذا هو الأمر الأصعب، فكّر في الجزء المظلم في نفسك، سوف تجد جزءاً صغيراً من هذه الصفات بداخلك. هل يمكن أن تكون جشعاً أو أنانياً أو متسلطاً أو لئيماً؟ هل تكره هذا الجانب في نفسك حقاً؟ هل تتمنى لو يمكنك الابتعاد عنه؟ تماماً كما تتمنى الابتعاد عن ذلك الشخص الذي لا تحبه. وبعبارة أُخرى، لا يمكنك على الأغلب تحمّل هذا الشخص في الأساس لأنه يذكّرك بصفة لا يمكنك تحملها في نفسك.

وفجأة، يصبح العمل مع أشخاص لا تحبهم أكثر متعة مما تتصور. فمحاولة فهمهم بشكل أفضل وتقبّلك للجوانب التي لا تحبها فيهم، هي في الحقيقة محاولة لفهم نفسك أكثر وتقبّل الجوانب التي لا تحبها فيها.

إذاً، فما عليك فعله لتتجاوز عدم محبتك لشخص ما، هو أن تتجاوز عدم محبتك لنفسك. وعندها، يمكنك تحقيق منفعة من هذا الشخص، حيث يمكنك الاستفادة منه لفهم نفسك أكثر.

فكّر في السبب الذي يجعلك تواجه مشكلة في التعامل معه. ما الذي يفعله ويضايقك إلى هذا الحد؟ تجاهل عدم قدرته على إدارة الاجتماعات أو كتابة رسالة بريد إلكتروني جيدة، وفكّر فيما يزعجك حقاً. ما هي الصفة الشخصية أو السلوك الذي يشعل غضبك أو يثير اشمئزازك فيه؟ ما الذي تكرهه فيه؟ وبعدها، فكّر كيف يمكن أن تكون هذه الإجابات انعكاساً لما يوجد بداخلك. إنَّها لعبة، وأنت تربحها عندما تجد هذا السلوك المكروه داخل نفسك.

بالنسبة لي، كان إيهاب انعكاساً لتلك الصفات التي أكرهها في نفسي، فهو يمثل الطريقة التي أتصرف بها بأنانية وغرور.

كم مرة أحسست فيها بجشع أو أنانية أو تسلط أو لؤم بداخلك؟ هل يمكنك رؤيته؟ هل ترى شعورك بالانجذاب والاشمئزاز في الوقت نفسه؟ هل يمكنك الاعتراف أنّ هذه الصفات ليست سوداء أو بيضاء؟ بل سوداء وبيضاء معاً. هل يمكنك تقبّل الطبيعة البشرية المعقدة بداخلك؟ هذا هو سر تعاطفك مع نفسك. وتعاطفك مع نفسك هو سر تعاطفك مع الآخرين. ودون أن تشعر، ستجد أنك بدأت في تقبّل أشخاص لم تحبهم قبل قط. بل وربما تجد نفسك تساعدهم على إدارة تلك الاجتماعات بشكل أفضل.

الآن، أصبح سهلاً بالنسبة لي أن أرى نفسي في إيهاب، فيمكن أن أكون كذلك أنانياً ومحباً لنفسي ومغروراً. وفي الحقيقة، لازال من الصعب عليّ الاعتراف بذلك، خاصة في كتاباتي، إلا أنّ هذه الصفات جزء مني، ولكن بالدرجة المطلوبة، وفي الواقع هي تخدمني بشكل جيد.

وإليكم الميزة الإضافية لهذا الاعتراف، أنا الآن أحب إيهاب.

تم تغيير الأسماء.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

2
اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
2 Comment threads
0 Thread replies
1 المتابعين
 
Most reacted comment
Hottest comment thread
2 Comment authors
hossamzeinReem.Saad Recent comment authors
  شارك  
الأحدث الأقدم الأكثر تصويتاً
التنبيه لـ
Reem.Saad
عضو
Reem.Saad

يالله الموضوع واقعي جداً وحقيقي فعلاً لاحظت ان بكره ناس لصفاتهم الي في العمق اجدها فيني
شكراً

hossamzein
عضو
hossamzein

شكرا، موضوع هام

error: المحتوى محمي !!