هناك سبب غريب لفشل التعاون في المشاريع الإبداعية في أغلب الحالات. تُظهر دراساتنا لمجموعات تنفذ مشاريع التصميم والكتابة والبحث والتطوير أنها نادراً ما تعاني نقصاً في الأفكار الوجيهة. ولكن تكمن المشكلة الأكثر شيوعاً في البناء على الأفكار المختلفة وصولاً إلى النتائج. وبالأخص، وجدنا أن أفراد الفريق الذين يعتبرون أنفسهم “فنانين” في مجالهم؛ أي من ينتجون نتائج إبداعية يحمل أسلوبهم المميز وينجحون وفق شروط تتجاوز النطاق التجاري البحت، حيث يميل المبدع المتعاون بدرجة أكبر إلى الأفكار المبدعة لدى الآخرين. أي أنه رائع في توليد الأفكار، ولكنه خلاف ذلك عند تلقيها من غيره.

وعندما نشرنا هذه النتيجة في مقال في هارفارد بزنس ريفيو، “التعاون مع نظراء مبدعين“، انصبَّ تركيزنا على الآثار المترتبة على غير الفنانين في فِرق عمل المشاريع. ومن خلال البدء بفهم أن تأييدهم للأفكار يبدو كأنه تحدي هوية بالنسبة لبعض من زملائهم الأكثر إبداعاً، يمكنهم التكيف عقلياً مع كيفية تقديم تلك الأفكار وتبديد احتمالات مقاومتها.

ولكن، ينبغي ألا يقع العبء بالطبع على تلك الأنماط الأشد واقعية وحدها لإنجاح التعاون. كما بيّن بحثنا الأساليب التي يمكن للمبدعين استخدامها بما يعزز انفتاحهم على الأفكار التي يقدمها المتعاونون معهم. وهي كما يلي:

اعتبر إسهام الآخرين “إلهاماً عاماً” يدفع إلى مزيد من التفكير لا أن تعتبره تحدياً لرؤيتك

وجدنا أن المبدعين في العموم أكثر انفتاحاً على الأفكار عندما يقدمها زملاؤهم ليس في صورة تصحيحات للعيوب أو هفوات في فكرهم الإبداعي، ولكنها دعوة للاستمرار في البناء على هذا التفكير في اتجاه بعينه. ومع هذا، بمقدور المبدعين أنفسهم اختيار التعامل مع أفكار الآخرين على أنها مصدر إلهام، سواء طرحت بهذا القصد أم لا. وتنفيذ هذا الأسلوب ببساطة طرح العديد من الأسئلة في المحاور العامة للموضوع وكذلك منطق الاقتراحات. وخلال بحثنا، رأينا مبدعين يفعلون ذلك، ثم يعودون للتفكير في تلك المحاور العامة بدلاً من الاهتمام بالاعتراض على أفكار توصل إليها زملاؤهم.

ومن بين الأمثلة أن مهمة فريق مشروع، تترأسه مصممة فنية تدعى جيني، كانت توسيع خط إنتاج. ولما أتى عضو بفريق جيني بفكرة منتج جديد، كان تجاوب جيني معها فورياً عميقاً. اعتبرتها مخالفة للرؤية الفنية لخط الإنتاج، ولسيطرتها على تلك الرؤية. ولكن جيني لديها من الوعي الذاتي ما يبعدها عن الوقوع في فخ رد الفعل غير المحسوب. ولاحقاً، قالت في وصف ما نزعت إليه:

“إذا أتيتني قائلاً: ‘علينا تصميم شيء معين، فقد لا أكون متحمسة جداً تجاه ذلك’. ولكنك إذا قلت: ‘علينا توسيع خط منتجاتنا [لإنجاز ذلك الشيء بعينه]. فكيف نفعل ذلك؟’ أي أنني أفضّل أسئلة عامة من هذا القبيل. وأعتبر تلك الأسئلة العامة أصل الاقتراح الذي تقدمه. وهكذا، وفي هذه الحالة، طلبت ذلك. قلت، ‘ما الدافع العام وراء فكرتك؟ ألا تحدثنا عن ذلك أولاً؟’ وبالتالي، غطينا هذا الأمر قبل الدخول في التفاصيل، فكان عدم اتخاذ موقف دفاعي أسهل كثيراً”.

تبنَّ مسلكاً غير عاطفي

يمكن للمبدع الاستعانة بأسلوب ثانٍ يعزز به انفتاحه على أفكار الآخرين، ألا وهو السلوك الهادئ غير العاطفي في أثناء التعاون. ويساعد تقييد رد الفعل تجاه تهديدات متصورة للهوية في الحفاظ على تناغم جو عام أقل معاداة للتعاون خلال الاجتماع. فعلى سبيل المثال، أخبرتنا كيلي، وهي عالمة في الأبحاث والتطوير، بأنها عودت نفسها على الاستماع مع عدم الإفصاح عن مشاعرها، حتى عندما تظن أن مقدم الفكرة على خطأ. وحكت أن أحد أفراد الفريق مرر لها ورقة دوّن فيها فكرة في أثناء عرض تقديمي لمنتج. وكان تجاوب كيلي العاطفي مع الفكرة هو: “محال. هذه فكرة جنونية!” ولأنها لم تتمكن من الرد فوراً، وجدت نفسها تفكر في الأمر. وقبل انتهاء الاجتماع، كتبت كيلي على ظهر الورقة كلمة واحدة: “موافقة”. ففي نظر كيلي، كان هذا درساً مباغتاً انطبع في عقلها لدرجة أنها أضحت تتعمد تطبيقه على جميع عملها التعاوني:

“أحاول حقاً ألا تسبقني صراحتي أو عاطفتي، لأنني لا أريد أن أندم على ما سينجم عن ذلك من مقاومة ونبرة كلام. وبينما أشرع في مزيد من التفكير في اقتراح، وأكرر هنا أنه حوار داخلي يدور في عقلي، أجد أن هناك بالفعل فرص متاحة. وعندئذ أقول صراحة: ‘حسناً، هذا مقترح وجيه. علينا أن نطرحه ونؤيده'”.

تأخير الرد على الأفكار المطروحة

تُوجهنا تعليقات كيلي إلى أسلوب ثالث ذي صلة لمستوى أفضل من تعاون المبدعين مع زملائهم. بمقدورهم تأخير اتخاذ قرارات بشأن الأفكار المطروحة خلال الجلسات الإبداعية، والتمهل إلى أن ينظروا فيها ملياً في وقت لاحق. وبطبيعة الحال، يمهل التأخير المبدع وقتاً لتناول المشكلة التي طرحها مقدم الفكرة والتفكير فيها بعقلية مبدع. ولكن حتى مجرد اختيار عدم المبادرة بحسم الرأي تجاه فكرة مقترحة داخل قاعة الاجتماعات يساعد كذلك في ترويض التجاوب العاطفي تجاه المقترحات والآراء التي قد تبدو لولا ذلك الأسلوب تعدياً على الهوية الإبداعية أو الأسلوب المتفرد. وذكر العديد من المبدعين الذين تحدثنا إليهم أنهم وصلوا إلى ذلك بفضل كتابة الكثير من الملاحظات في أثناء الاجتماعات، وليس بالانخراط في مناقشات اتخاذ قرار. بوسعهم النظر في الفكرة لاحقاً، حيث لا يكون تهديد الهوية حاضراً بتلك القوة. وأوضح أحد علماء الأبحاث والتطوير الذين ناقشناهم أنه توصل إلى هذه الاستراتيجية بعد تقديمه عدداً من المنتجات في اجتماع لمراجعة تصميمات. وتلقى الكثير من المقترحات لتنقيح تصاميمه. وصارحنا بأنه لو كان قد اعتمد على أول رد فعل راوده، لندم على رده:

“عمدت إلى تدوين الملاحظات حتى أجلس وأفكر جيداً في جميع الإيجابيات والسلبيات لاحقاً. لذلك، أفضّل فعل ذلك بحق. وأميل دائماً، كما تعلمون، إلى التمهل بما أني لست متيقناً ومن ثم التفكير في الأمر بعدها بدلاً من المبادرة بالرفض. هذا هو أسلوبي”.

تبنَّ عقلية التعلم

القصد هو أن الشخص المبدع يمكنه تقبّل الأفكار المقترحة بدرجة أفضل إن هو غير موقفه من صيغة التعاون واعتبر الأمر فرصة للتعلم المستمر، وليس مجرد تركيز جهود تعديل وتصحيح وتنقيح في مشاريع بعينها. ووجدنا عدداً من المبدعين وقد تبنوا هذا الأسلوب حتى يعتادوا أن يكونوا أكثر انفتاحاً على الأفكار المطروحة في مستهل تنفيذ مشروع. فهذا غريغ، وهو أحد علماء الأبحاث والتطوير الفنية، يصف بيئة تنافسية كان فيها فريقه مسؤولاً عن تقديم منتج جديد كلياً في غضون موعد نهائي حددته الإدارة ولا تقبل فيه نقاشاً. وكانت مبادرة غريغ بمقاومة معظم الأفكار المقترحة في البداية حجر عثرة أمام التزام الفريق بالموعد النهائي لتسليم المشروع. وما إن وضع غريغ هدف المشروع، في ذهنه بالطبع، في إطار التعلم وليس تطوير المنتجات، حتى تسنى له ولفريقه تقديم منتج عالي الجودة جربه المستهلكون وطُرح في السوق في نهاية المطاف:

“تطلع فريقي إلى تطوير منتج بعينه، بينما كان عليّ النظر في المهمة باعتبارها تجربة تعلم. وتبين لي أنني إن فكرت فيما بوسعي تعلمه من هذا المشروع، فعندئذ أصبح أقل تمسكاً بأفكاري. وهكذا، فإن مشاركة التعلم بدلاً من الانخراط في محاولة دائمة لنيل قصب السبق في المنافسة على طرح الأفكار وإيجاد الحلول، أهم بالنسبة لي”.

واختصاراً نقول إن المبدع المتعاون يتلقى الأفكار بدرجة أفضل إن هو تبنى عقلية وطبَّق أساليب تحد من دوافعه الناجمة عن إحساس بتهديد يحدق بهويته الإبداعية. وهذه أساليب لم يقرّها معظم أطر التعاون الإبداعي، وهي تمثل مساراً جديداً لتحسين مستوى الإبداع والابتكار في فِرق العمل.