على اعتباري رئيس شركة تدريب على القيادة وتطويرها وتقييمها، قضيت وقتاً كبيراً مع مدراء تنفيذيين ناجحين نتحدث عن حياتهم في العمل. وعلى مدى الأعوام القليلة الماضية تمحور الكثير من هذه المحادثات حول الخطوة التالية المتصورة والتي تنتشر صورة مثالية عنها بين المدراء على نحو متزايد، ألا وهي ما يسمى "العمل متعدد المجالات" أو (portfolio career). دعك من الإرهاق والفوضى والمخاوف اليومية لحياة العمل بدوام كامل في الشركة، وعليك بخليط منسق ومثير للاهتمام من وظائف الدوام الجزئي. مجموعة تتألف من مقاعد الهيئات التنفيذية والتدريس المشترك والوظائف الاستشارية وبعض المحاضرات والقليل من التأليف وربما التعاقد على كتاب، ومع كل ذلك ستحظى بمسار مهني يعود عليك بربح مادي وستكون أكثر سعادة وتشعر بنضج فكري أكبر وستتمتع بمرونة أكبر بكثير. هذا ما يعتقده الجميع.

تقدم شركتنا التدريب والاستشارات لكبار التنفيذيين الذين انتقلوا، أو يسعون للانتقال إلى العمل متعدد المجالات، أو المتعدد. وقد رأينا باستمرار أن عملية الانتقال أصعب بكثير مما يتصوره أغلبنا، وأن واقع العمل يختلف بصورة كبيرة عن صورته الخيالية. لا تسئ فهمي، ربما كان العمل المتعدد مجزياً، ولكن هناك عدة أمور يجب على كل مدير تنفيذي ذكي معرفتها وفعلها كي يتمكن من الانتقال بفعالية. وهي:

اخرج عن المألوف. هناك موضوع استثمار لكل عمل متعدد المجالات، فما هو موضوع استثمار عملك؟ وكيف يتميز على نحو مقنع عن مواضيع المجموعات العديدة الأخرى؟ كلما كانت مجموعة مهاراتك وخبراتك محددة وفريدة أكثر، ازدادت قيمة مجموعة مجالات عملك، حيث سيجد خبير في النظم المصرفية أو توليد الطاقة الشمسية، أو في أي اختصاص أو مجال صعب آخر فرصاً جيدة لتطبيق مهاراته. ولكن إذا حاولت الانتقال إلى العمل المتعدد عن طريق تسويق نفسك ببساطة على أنك مدير تنفيذي ذو خبرة وإمكانات، سيكون العمل بكفاءة أمراً أصعب بكثير.

ليكن سببك واضحاً. يجب أن تمتلك رؤية واضحة مفصلة عن سبب انتقالك إلى العمل المتعدد وما ترغب بتحقيقه. هل هي المرونة والتقليل من السفر؟ أم الفرصة لرد المعروف؟ أم الفرصة لتركز على النشاط الذي تحب القيام به فعلاً، كالتدريب أو تقديم الاستشارات أو التأليف؟ من دون رؤية واضحة، سرعان ما ستجد نفسك مع عمل متعدد لا تستمتع به، أو لا ترغب به حقاً. قام أحد عملائي مؤخراً بتغيير نمط حياته إلى "نمط أفضل" (حسب قوله) مع العمل متعدد المجالات، ليجد أن الأعمال الاستشارية التي عرضت عليه تتطلب سفراً يعادل ضعف ما كانت تتطلبه وظيفته في الشركة، وإلى وجهات لا رغبه له بالذهاب إليها من العالم. يجب عليك التفكير مسبقاً بكل مجال ممكن وترتيب أمورك حول ما يلي: كن واضحاً بشأن النتائج المحددة التي تهدف لتحقيقها، وابحث بجد عن أهداف أخرى تتناسب مع هذا الإطار. ومن ثم كن مستعداً للمقايضة.

نفذ قبل التنفيذ. إن كنت ترغب بربط عملك المتعدد بأعمال الهيئة التنفيذية، فادخل من الآن في عدة هيئات. وإن كنت ترغب بالتأليف، احرص على نشر شيء باسمك قبل أن تقوم بالقفزة الكبيرة. فمن دون سجل نجاح في عمل أو مجال ما سيصعب عليك إيجاد الفرص الجيدة وتنفيذها. في حين أن عملاءنا الذين يخططون لقفزتهم قبل 3 أو 4 أعوام على الأقل ويقومون بأعمال إضافية، كإلقاء الخطابات في الجامعات ونشر مقالات رأي وما إلى ذلك، يجدون أنفسهم في موقع مناسب للانتقال إلى العمل المتعدد الذي يتمثل بالقيام بتلك الأعمال ذاتها.

لا تعقد آمالك على الهيئات التنفيذية. على الرغم من أن العمل في الهيئات التنفيذية قد يبدو مناسباً تماماً لحياة العمل المتعدد، إلا أن المدراء التنفيذيين الذين نعمل معهم يجدون صعوبة في الحصول على أدوار مهمة فيها بمجرد خروجهم من وظائفهم القديمة. كما يمكن لعمل الهيئات التنفيذية بحسب المؤسسة أن يستهلك وقتاً كبيراً وأن يكون منهكاً وسياسياً وأن يحمل مجازفة. وأقتبس كلمات أحد عملائي حين قال: "إن مقعد الهيئة التنفيذية هو وظيفة كغيرها من الوظائف".

فكر بالاستمرارية لا بالصعود. يتيح لك العمل المتعدد الاستمرار بمستوى مهني معين، ولكنه نادراً ما يسمح لك بالصعود على السلم الوظيفي من ناحية الأجور أو الصلاحيات أو المكانة. أي أنك لن تتمكن من مقايضة عمل في الهيئات التنفيذية لشركات صغيرة خاصة بمقعد في الهيئة التنفيذية لشركة كبرى مثل جنرال إلكتريك مثلاً. وينتقل عملاؤنا من المدراء التنفيذيين الأذكياء إلى العمل المتعدد عندما يشعرون بالرضا التام عن حياتهم المهنية. أي عندما يشعرون بالرضا عن النجاح والعلو الذي تم تحقيقه ويودون الاستمرار بطريقة مختلفة.

استعد للسير على إيقاع أبطأ. بعد سنوات، أو عقود من كثافة العمل المستمرة والرد على المكالمات الهاتفية سريعاً والاستجابة للمطالب الفورية واتخاذ القرارات العاجلة في حياة العمل المؤسساتي، يتفاجأ الكثير من المدراء التنفيذيين بالإيقاع البطيء في العمل المتعدد. فالمشاريع الاستشارية تتمتع بأقواس مبيعات طويلة الأمد، ويبدو أنّ الجامعة التي انضممت لفريق مدرسيها تعمل دون عجلة، وعقد الكتاب الذي حصلت عليه أخيراً يحدد موعد التسليم بعد 18 شهراً. ستجد أن الحياة تتحرك على نحو مختلف، وما أن تخطو خطوتك نحو العمل المتعدد تجد أن نجاحك ورضاك يعتمدان كثيراً على التأقلم مع هذا الواقع الجديد، أي تعلم كيفية إدارة توقعاتك وعملك ووقتك لتتوافق مع البيئة الجديدة.

رتب أصولك جميعها. يتطلب العمل في المؤسسات تركيزاً شبه تام ومقايضات كبيرة فيما يتعلق بالحياة خارج المكتب. قاوم رغبتك بتكرار هذه المشكلة في حياة العمل المتعدد ولا تخنق جدولك وحياتك بمشاريع استشارية ومواعيد نهائية ورحلات كثيرة لدرجة تؤدي بك إلى الإهمال المستمر للأصول الأخرى، كعلاقاتك الخاصة وهواياتك وصحتك. وتذكر أن قيمة عمل المجالات المتعددة تعتمد على قيمة كل واحدة من أصوله، مجتمعة.

قد يكون وقت الانتقال إلى عمل المجالات المتعددة وكيفيته مرهقين، وبالأخص بالنسبة للمهنيين الناجحين الذين يشعرون أنهم سيتركون الكثير وراءهم بانتقالهم إليه. ولكن عن طريق اتباع خطة عملية وإدراك ما أنت مقبل عليه والتخطيط له كما تخطط لأي هدف مهني آخر، ستتمكن من الانتقال بفعالية، وستكون سعيداً به وفق شروطك أنت.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

آخر المقالات

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!