يمكن أن يكون العمل من المنزل ميزة يطمح إليها الكثيرون، إذ ينجيك من الازدحام المروري في أوقات الذروة ويساعدك على الهروب من الحياة المكتبية بتفاصيلها المملة. لكنه قد يحرمك كذلك من التفاعلات التلقائية التي تلهمك رؤى وتفتح لك آفاقاً جديدة (وهذا من الأسباب التي دفعت ماريسا ماير إلى إلغاء سياسة العمل عن بعد في شركة ياهو). وفي بعض الأحيان، قد تؤدي الوحدة إلى إحساسك بالعزلة أو الشعور بأنك تُركت وحدك في العمل.

إذاً، كيف يمكنك التغلب على الشعور بالوحدة وبناء علاقات إيجابية مع زملائك عندما تعمل من المنزل بدوام كامل؟ منذ عام 2006، وأنا أعمل من المنزل، أي منذ تأسيسي لعملي الخاص في مجال الاستشارات ومهارات التحدث. وإليكم ثلاثة مبادئ أثبتت فعاليتها بالنسبة لي في تجنب العزلة والحفاظ على مستوى الإنتاجية والاندماج ضمن مجموعة مشجعة من الزملاء.

أولاً، بما أنك لا تتعامل فعلياً مع زملاء العمل، فمن الضروري أن تبحث عن منتدى إلكتروني يجمعك بالعاملين في المجال نفسه من ذوي التوجهات الفكرية المشابهة. تتغير التكنولوجيا مع مرور الوقت، فعندما بدأت عملي الخاص، كنت أشارك بانتظام في أحد المنتديات الإلكترونية المخصصة للاستشاريين المستقلين، أما اليوم، فأحاول الحفاظ على تفاعلي الدائم على مجتمع الفيسبوك مع المشاركين في دورة "الخبير المعتمد" التي أقدمها على الإنترنت. يتيح لك هذا النوع من مجموعات المناقشة مشاركة نجاحاتك والتحديات التي تواجهها وطرح الأسئلة الحساسة التي يمكن الإجابة عنها بصدق وبعيداً عن مشاعر الغيرة والمنافسة، بسبب بعد المسافات واختلاف الأماكن الجغرافية للمشاركين.

ثانياً، تعد الاستفادة من تقنيات الفيديو مفيدة بشكل خاص لمن يعملون من المنزل، فبدلاً من استخدام المكالمات الهاتفية، غالباً ما أقوم بحجز اجتماعات فيديو على برنامج سكايب أو زوم ليتسنى لي رؤية الطرف الآخر. يساعدني ذلك على قراءة لغة الجسد والتأكد من تمييزه لشكلي وتذكري (إذا لم نكن نعرف بعضنا البعض بالفعل)، كما يساعدني على وضع صورة لشكل التواصل الشخصي المباشر فيما بيننا. أعترف أنني انطوائية بعض الشي، وفي نهاية يوم مليء بمكالمات الفيديو، أشعر أنني منهكة اجتماعياً وبحاجة لوقت من الراحة، تماماً كما يحدث بعد سلسلة من الاجتماعات التي ألتقي فيها شخصياً بالآخرين.  أعتقد أنها مكالمات الفيديو حقاً تؤدي الغرض.

ووفقاً لاختيارك المفضل، يمكنك تحديد مواعيد لعدد أقل من مكالمات الفيديو اليومية مع العملاء والزملاء (بأقل عدد مؤثر) أو جمعهم معاً في يوم واحد. وسيتيح لك تحديد مواعيد الاجتماعات في يوم واحد التفرغ لتخصيص المزيد من الوقت للإبداع في الأيام التي ليس عليك فيها إجراء أي اجتماعات (كما وضحت في مقالتي حول تحديد مواعيد الاجتماعات عندما تعمل لحسابك الخاص).

وأخيراً، حاول بذل المزيد من الجهد للتعرف أكثر على الحياة الشخصية لزملائك. عندما تعمل من المنزل، تصبح لديك نزعة طبيعية لتجنب "إهدار الوقت" في الأحاديث الجانبية، والتي قد تبدو كمحاولة للتركيز تماماً على المحادثات المتعلقة بالعمل. لكن، قد يكون ذلك التصرف خاطئاً.

وكما أخبرني عالم النفس البارز، روبرت سيالديني، قد تجري حديثاً صغيراً يبدو تافهاً، لكنه يكون بمثابة الأساس المتين الذي تقوم عليه العلاقة. وأخبرني: "تكمن إحدى مواطن الضعف لدى الأميركيين في أننا لا نميل إلى القيام بما يقوم به الناس في الثقافات الأخرى؛ وهو قضاء بعض الوقت في التفاعل الاجتماعي مع الآخرين لإيجاد جوانب مشتركة يشعر بها كلا الطرفين ليصبح التفاعل بينهما أكثر سهولة وسلاسة". كما استشهد، في الواقع، ببحث طُلب فيه من مجموعتين من طلبة ماجستير إدارة الأعمال لا يعرفون بعضهم البعض إجراء تفاوض عن طريق البريد الإلكتروني، إذ نجح 55% ممن طُلب منهم "الدخول مباشرة في موضوع العمل" في إتمام الصفقة، بينما تمكن 99% ممن تم تشجيعهم على التطرق لأمور شخصية والبحث عن جوانب مشتركة مع الطرف الآخر قبل التحدث في العمل على إتمام الصفقة، وكانت صفقاتهم أكثر فائدة للطرفين بنسبة 18%. ويرجع السبب في ذلك، وفقاً للبحث الذي أجراه سيالديني، إلى زيادة القدرة الإقناعية للشخص عندما يكتسب محبة الطرف الآخر، وسير الأمور بسرعة أكبر عندما يعرف المزيد عنه وعن مجالات التشابه بينهما.

إذاً، قبل أن يبدأ الاجتماع، اسأل زميلك عن عطلته الأخيرة أو المباريات الرياضية التي شاركت فيها ابنته أو موعد حفل زفافه. يمكن لهذه التفاصيل الصغيرة أن تخلق رابطة قوية بينكما تسمح لك بالارتقاء بهذه العلاقة لتحقق لك الرضا والسعادة من الناحية الشخصية والفائدة من الناحية المهنية.

ويبدو أنّ القليل من الشعور بالوحدة أمر حتمي في مفاضلة العمل من المنزل عندما تختار العمل بعيداً عن ضجيج المكاتب وصخبها. (ومع ذلك، عليك أن تعلم أنّ التفاعلات الاجتماعية ليس بالضرورة أن تكون مع البشر. إذ أظهرت دراسة مشتركة بين الراديو الوطني العام (NPR) ومؤسسة روبرت وود جونسون (Robert Wood Johnson Foundation) وكلية تي إتش تشان للصحة العامة (Harvard T.H. Chan School of Public Health) أنّ 87% ممن عانوا من الشعور بـ "الضغط الشديد" من شهر مضى استطاعوا تخفيف حدة ذلك الشعور من خلال قضاء بعض الوقت مع حيوانات أليفة، وهو ما يسهل القيام به عند العمل من المنزل).

يمكنك من خلال اتباع هذه الاستراتيجيات ضمان إقامة علاقات هادفة مع زملاء يشاركونك القواسم الفكرية نفسها، حتى وإن لم تراهم وتتفاعل معهم وجهاً لوجه يومياً.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!