إنّه أحد أيام الأسبوع، وجيف، مدير التقنية في شركة إيكونوميكال إنشورانس (Economical Insurance)، يقبّل ابنته ويودّعها لدى دخولها إلى مدرستها. وبعد ذلك يشغّل السيارة ليعود إلى المنزل كي يعمل عن بعد أو يكمل عمله في المكتب، حيث ساعات العمل مرنة – فكل ما يحتاجه هو إبقاء رئيسه على اطلاع.

لم يكن رئيس جيف ليتخيل هذا السيناريو في عام 1871 عندما تأسست الشركة، ولكن في عصرنا هذا تُعتبر سياسات الموارد البشرية المماثلة من الممارسات المعتادة أكثر من كونها وسيلة لتوفير النفقات وتحصيل دخل إضافي تصاعدي للشركة. في الواقع، كشفت دراسة أُجريت خلالها مقابلات مع 18,000 موظف من 96 شركة عالمية أنّ 70% من الموظفين يعملون عن بعد مرة في الأسبوع، وأنّ 53% منهم يمضون نصف الأسبوع خارج المكتب.

تزداد شعبية سياسات العمل عن بعد والعمل المرن بين الموظفين، وقد أكّدت دراسة تركّز على المرونة وتأثيرها على أداء الآباء والأمهات العاملين على أنّ المرونة في العمل تزيد من الامتنان بشكل كبير، وأنّها تزيد من الرضا الوظيفي وتخفض من مستوى الإجهاد، خصوصاً للأمهات والآباء الذين لديهم أطفال في المنزل.

يقدّر الموظفون العمل عن بُعد وساعات العمل المرنة لأنّها تعود عليهم بفوائد ملموسة، ليس فقط من حيث توفير وقت التنقل من وإلى العمل، بل أيضاً لكونها تنطوي على إيجابيات مالية. وقد كشفت دراسة بحثت في بيانات مأخوذة من مجالس التوظيف و"مكتب العمل" في الولايات المتحدة الأميركية أنّ الموظف الذي يعمل عن بعد وفّر إنفاق ما معدّله 444 دولاراً على المحروقات، وأنفق أقل بـ 50% تقريباً على وجبات الغداء. كما أنّ معظم الآباء يستطيعون أيضاً توفير تكاليف رعاية الأطفال إذا تمكّنوا من ترتيب جداول أعمالهم ليكونوا في المنزل عندما لا يكون أطفالهم في المدرسة.

مع تزايد أعداد الموظفين الذين يريدون الاستفادة من خيارات العمل عن بعد والعمل المرن، باتت المؤسسات تقبل أكثر فأكثر طريقة العمل التي يريدها أصحاب المواهب اليوم. يشير تقرير "القوى العاملة في المستقبل" (Future Workforce) لعام 2018 إلى أنّ 63% من أصحاب العمل الأميركيين يقدمون بعض خيارات العمل المرنة للموظفين. على سبيل المثال، توصلت شركة برايس ووترهاوس كوبرز (PwC) إلى مفهوم يقوم على جعل كل الوظائف مرنة (All Roles Flex) وذلك في محاولة منها للحدّ من الوصمة التي تلاحق أولئك الذين يستخدمون الخيارات المرنة. وفي مقابلة أجريتها مؤخراً  مع دوروثي هيسجروف، الشريكة ورئيس شؤون الموظفين في شركة برايس ووترهاوس كوبرز في أستراليا، أخبرتني أنّ 82% من موظفي الشركة يستخدمون شكلاً من أشكال المرونة، وغالباً ما يكونون أكثر نجاحاً عندما يحصلون على المرونة اليومية التي يحتاجونها لتلبية متطلبات حياتهم المهنية وتنفيذ الأمور التي يحدّدونها كأولويات بعيداً عن مهنتهم".

مع زيادة عدد العاملين الذين يعملون بمرونة أو يعملون عن بعد ستحتاج الشركات إلى تغيير طريقة عملها. وتقول هيسجروف إنّ "هذا يفرض إجراء تغيير في الهيكل الإداري ونظام العمل لاستيعاب الأساليب المختلفة لأداء الموظف لعمله   ومنها جاهزيته وإنتاجيته". كما ينشأ عن العمل عن بعد والعمل المرن أيضاً تحدّيات جديدة أمام المدراء، ومنها على وجه الخصوص تحديان ألفت عنايتكم إليهما وهما: الإرهاق والوحدة.

الإرهاق

أحد المخاطر غير المتوقعة ربما هي الإرهاق. فغالباً ما يشعر الأشخاص الذين يستخدمون سياسات العمل المرن أو العمل عن بُعد بالامتنان لأصحاب العمل، ولكن يمكن لهذا الشعور بالمديونية لصاحب العمل أن يدفع بعض الموظفين العاملين عن بعد إلى الكدح في العمل وصولاً إلى الإجهاد. درست ورقة بحثية بعنوان "فعل المزيد بمجهود أقل؟ ممارسات العمل المرن وتكثيف العمل" (Doing More with Less? Flexible Working Practices and the Intensification of Work) النتيجة غير المتوقعة لاعتماد ممارسات العمل المرنة. ورأى الباحثون الذين استخدموا نظرية التبادل الاجتماعي أنّ "الموظفين يستجيبون للقدرة على العمل بمرونة من خلال بذل جهد إضافي من أجل ردّ الجميل لصاحب العمل". بعض التكثيف في العمل يحدث على مستوى الموظف (الاختيارات التي يقدمون عليها "من أجل ردّ الجميل")، ولكن في الكثير من الأحيان فإنّ صاحب العمل هو من يكثّف أعباء العمل مع طلبات لا يمكن إنجازها ضمن أطر زمنية محددة.

تحقق مما سبق لضمان شعور الموظفين بالامتنان بدلاً من المديونية لصاحب العمل وتجاوز التحديثات المرتبطة بالمشاريع والمحادثات المتعلقة بالعمل. وعلى القادة أن يعرفوا ماذا يجري مع موظفيهم خارج نطاق عملهم. على سبيل المثال، كن لطيفاً مع الموظفين الذين يسافرون كثيراً، وبدلاً من إغراقهم بعشرات الاجتماعات عند عودتهم امنحهم بعض الوقت لإعادة التواصل مع العائلة والاستراحة.

حاول إعادة التفكير في الخصال التي تُعتبر "تخطّياً للحدود".  فالخصال مثل العمل لساعات أطول، والرد على رسائل البريد الإلكتروني في وقت متأخر من الليل، والعمل في عطلة نهاية الأسبوع، والعمل في حالات المرض، وتكدّس أيام الإجازات التي لم يستنفذها الموظف، وقلّة النوم – تُعتبر في الكثير من الأحيان خصال تدلّ على "الأداء العالي"، ولكنّ كل ما تفعله هذه الخصال هو زيادة السلوك المؤدي إلى الإرهاق ومكافأته. بدلاً من ذلك، يمكنك على سبيل المثال قيادة موظفيك العاملين عن بعد إلى إبطاء وتيرة العمل وتشجيعهم على ذلك (حتى عندما لا يرغبون) عن طريق دعم فترات الراحة النفسية، وأخذ العطلات، وقضاء الوقت مع العائلة.

تذكّر أنّ الموظفين العاملين عن بعد يصعب تشخيص إصابتهم بالإرهاق، لأنّك لا تستطيع رؤية التغييرات التي تطرأ على شخصياتهم على أساس يومي. وبالتالي تأكّد من توفير عملية للتحقق من هذه العلامات والتنبّه لها.

الوحدة

تعتبر الوحدة من أكبر الصعوبات التي تواجه الموظف الذي يعمل عن بعد، وفقاً لتقرير "حالة العمل عن بعد" (State of Remote Work) لعام 2018. وعلى الرغم من أنّ وجود الشخص وحده لا يُعتبر السبب الوحيد في شعوره بالوحدة، إلّا أنّه يمكن أن يكون مساهماً كبيراً في ذلك، كما أنّه وباء خطير ومتنامي يأخذه العلماء على محمل الجد.

في المؤتمر السنوي الـ 125 لـ "جمعية علم النفس الأميركية" (American Psychological Association)، قدمت الدكتورة جوليان هولت لونستاد من "جامعة بريغهام يونغ" (Brigham Young University) نتائج 148 دراسة تضم ما مجموعه 308,849 مشاركاً. أظهرت الدراسة وجود علاقة بين الوحدة والوفيات المبكرة، وبحسب هولت لونستاد، فإنّ "ثمة أدلّة قوية على أنّ العزلة الاجتماعية والوحدة يزيدان كثيراً من خطر حدوث وفيات مبكرة، وأنّ مقدار الخطر يتجاوز ذلك الذي ورد في الكثير من المؤشرات الصحية الرائدة".

ما الذي يمكن للمدراء فعله؟ يمكنهم توفير خيار "يوم في المكتب" وتشجيع العاملين عن بُعد على المجيء إلى المكتب. ووفقاً لاستطلاع للرأي أجرته مؤسسة غالوب مع 9,917 شخصاً أميركياً بالغاً، فإنّ العاملين عن بعد الذين يأتون إلى العمل مرة واحدة على الأقل في الأسبوع هم الأكثر سعادة. فقد أبلغ هؤلاء العاملون عن بعد "عموماً" عن نسبة تفاعل أعلى بقليل، ولكنّ الأهم من ذلك أنّهم كانوا ميالين أكثر من العاملين عن بعد بالكامل أو العاملين المكتبيين بالكامل للقول بأنّ لديهم صديق مفضّل في العمل وأنّ وظائفهم شملت فرصاً للتعلم والنمو.

وبالنسبة إلى أعضاء الفريق العاملين عن بعد الذين لا يستطيعون الحضور أسبوعياً، استثمر في إحضارهم إلى المكتب شهرياً أو فصلياً. لقد أخبرني جو جراناتو، مدير سلسلة التوريد في شركة ماونتن إكويبمنت كو أوب (Mountain Equipment Co-op) أنّه يعتقد بإلزامية توفير ميزانية للالتقاء بالموظف وجهاً لوجه. وقال إنّ "اللقاء وجهاً لوجه يسهم في بناء علاقات جيدة، وبالتالي تمتين الثقة وزيادة سرعة الاتصال. يُعتبر وجود فرص للالتقاء (في المكان نفسه وليس افتراضياً) استثماراً عالي الجودة". كما يدعو  جراناتو أيضاً إلى وضع "قواعد للعمل عن بعد" من أجل المساعدة في تحديد مستوى التوقعات وإشعار الجميع بأنّهم مشاركون في الاستراتيجية.

باتت ترتيبات العمل المرن والعمل عن بعد في هذه الأيام أكثر سلاسة من سياسات "الخطة المرنة" الجامدة التي كانت تُعتمد في السنوات الماضية. وبغض النظر عما قد تفرضه سياسات الموارد البشرية، فإنّ المدراء، في سوق عمل ضيقة، سيفعلون ما يحافظ على موظفيهم. وهذا يتضمّن في الوقت الحالي على الأرجح خيارات عمل أكثر مرونة، مقرونة بأسلوب إداري يساعد على ازدهار الموظفين العاملين عن بعد.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!