facebook
twitter
whatsapp
email
linkedin
messenger
www.shutterstock.com/miagolio

حتى مطلع العام الحالي، كان العالم هادئاً، ويسير بوتيرته الطبيعية المعتادة، إذ يذهب الطالب إلى مدرسته والعامل إلى مصنعه والموظف إلى مكتبه. ثم ظهر وباء "كوفيد-19" بشكل مفاجئ ليقلب العالم رأساً على عقب. تبدل نمط الحياة وتغيرت ثقافة الناس وانتشرت عادات جديدة، وأصبح المستغرب مألوفاً والمألوف مستغرباً؛ تغييرٌ كان حدوثه سيحتاج إلى سنوات في ظل الظروف الطبيعية، ولاسيما في عالم الأعمال.

احصل مجاناً على دراسة حالة من خبراء كلية هارفارد للأعمال بعنوان "هل من الصحيح إعادة توظيف من ترك العمل لديك؟"، حملها الآن.

لم تسلم المؤسسات الصغيرة أو الكبيرة على مستوى العالم من هذا التغيير الذي تجسدت مظاهره في أشكال عدة كان أهمها انتشار مفهوم العمل عن بعد. فكيف تهيأت الظروف لهذا المفهوم لكي ينمو ويثبت جذوره بقوة في وقت قياسي؟ وكيف تقبّلته المؤسسات والشركات؟ وما هي مزاياه وفرص استمراره في المستقبل؟

ثقافة العمل عن بعد من الظل إلى النور

خيار العمل عن بعد ليس جديداً، فقد ظهر قبل وباء "كوفيد-19" بسنوات طويلة، وتحديداً مع بداية ثورة المعلومات وانتشار التكنولوجيا التي تعتبر سهلة الاستخدام، حيث أتاحت التكنولوجيا للعاملين في العدد من المجالات فرصة العمل من المنزل دون أدنى تأثير على الكفاءة أو الجودة المطلوبة، فضلاً عن أن التكنولوجيا نفسها أوجدت مهناً يمكن إنجازها بسهولة من المنزل كالتصميم الغرافيكي والبرمجة وغيرها.ومع هذا، ظلت ثقافة العمل المكتبي سائدة، ولم يلق مفهوم العمل عن بعد اهتماماً أو تقديراً أو ترحيباً كبيراً. صحيح أنه كان ينمو تدريجياً على مدار العقدين الماضيين، ولكن نموه كان بطيئاً، ولا يتناسب مع الظروف، ولا البنية التكنولوجية الداعمة له التي بلغت درجة النضج في الألفية الجديدة.

ولعل أحد أهم الأسباب التي أدت إلى الصعود البطيء لثقافة العمل عن بعد خلال العقدين الماضيين هو عدم ترحيب المؤسسات والشركات بهذا المفهوم الجديد، ربما بسبب التخوف من ضعف كفاءة أو جودة العمل المترتب على أداء الموظف للمهام الموكلة إليه في مكان بعيد لا يخضع فيه إلا للرقابة الذاتية.

كانت نسبة الشركات التي تسمح لموظفيها بالعمل عن بعد قبل وباء "كوفيد-19" محدودة. فوفقاً لموقع "ستاتيستا" (Statista) العالمي المتخصص في الإحصائيات العالمية، بلغت نسبة العاملين من المنزل في الولايات المتحدة لمدة 5 أيام فأكثر في الأسبوع 17%، وقفزت هذه النسبة بعد انتشار وباء "كوفيد-19" لتصل إلى 44%.

ويعزى الصعود الكبير لثقافة العمل عن بعد خلال الأشهر الماضية إلى أخذ المؤسسات العالمية العملاقة، مثل "تويتر" و"فيسبوك" و"جوجل" و"أمازون"، زمام المبادرة بحثّ موظفيها على العمل من المنزل متى سمحت طبيعة عملهم بذلك، وسارعت هذه المؤسسات إلى اتخاذ قرارات عديدة لدعم المرونة في العمل، وتطور الأمر إلى التفكير الجاد في ممارسة بعض الوظائف بشكل دائم من المنزل حتى بعد القضاء على وباء "كوفيد-19″، وكانت شركة "كريم" أول من تبنى هذا النموذج بإعلان نموذج العمل عن بعد بشكل دائم.

ثقافة العمل عن بعد في الشركات العربية

والآن، ماذا عن عالمنا العربي؟ هل الشركات العربية مستعدة لتطبيق نموذج العمل عن بعد وتقبل هذه الثقافة الجديدة نسبياً؟

في اعتقادي أننا لا ينقصنا إمكانيات أو تجهيزات لتبني هذا المفهوم. فالبنية التحتية للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، التي تمثل عماد العمل عن بعد، قوية في معظم بلدان العالم العربي، ولاسيما في دول الخليج، كما أن تشجيع العمل عن بعد سيحل جزءاً كبيراً من مشكلة البطالة وتحسين الاقتصاد في الدول العربية، لأنه سيعزز العمل الحر، وهو مفهوم وثيق الصلة بالعمل عن بعد.

يجدر الإشارة هنا إلى أن بعض الحكومات العربية قد فطنت بالفعل إلى هذا الأمر، حيث قامت برعاية مبادرات قوية لتعليم شبابها المهارات المختلفة في مجالات التسويق الرقمي وتحليل البيانات والتصميم الغرافيكي والبرمجة لتمكنهم من "العمل الحر عن بعد"، ومن هذه المبادرات مبادرة صندوق تنمية الموارد البشرية "هدف" في المملكة العربية السعودية التي تضم برامج ومبادرات لتمكين القوى الوطنية للعمل عن بعد، ومبادرة "مليون مبرمج عربي" التي تدعمها "مؤسسة دبي للمستقبل" ومبادرة "مستقبلنا رقمي" التي تدعمها "وزارة الاتصالات" المصرية، وغيرها من مبادرات تشجيع "العمل الحر عن بعد".

إن وباء "كوفيد-19" شجَّع وأجبر كثيراً من الشركات حول العالم على قبول ثقافة العمل عن بعد، لجعله خياراً مطروحاً بقوة أمام صانعي السياسات في المؤسسات والحكومات. و في عالمنا العربي، علينا أيضاً أن نتحلى بمزيد من الجرأة والشجاعة لقبول هذا المفهوم. وأقول هنا قبوله وليس تعميمه بالطبع، فلا يمكن الجزم بأن العمل عن بعد هو حل مثالي لجميع المؤسسات، بل لكل مؤسسة طبيعتها الخاصة، وهي التي ستقرر بعد الدراسة والتقييم ما إذا كان العمل عن بعد مناسباً لها على مستوى الكفاءة والتكلفة ورضا الموظف الشخصي والمهني أم لا.

الدروس المستفادة من تطبيق العمل عن بعد في شركة "كريم"

بصفتنا من الشركات الرائدة في العالم العربي التي شجعت موظفيها على العمل عن بعد عقب جائحة فيروس كورونا، لقد خلصنا إلى بعض الدروس المستفادة من هذه التجربة التي تجاوز عمرها الآن نصف عام، ويمكن تلخيص هذه الدروس في اكتشاف عدد من مزايا العمل عن بعد، إلى جانب بعض الاعتبارات التي يجب مراعاتها في الحسبان أيضاً، وهي كالآتي:

زيادة إنتاجية الموظفين

أدى تطبيق شركة "كريم" لنموذج العمل عن بعد إلى زيادة إنتاجية موظفينا وتعزيز التعاون بينهم وبين زملائهم في الدول المختلفة وإحداث انتعاشة ملفتة في أعمالنا خلال الفترة الماضية. فقد أفاد معظم موظفينا أن العمل عن بعد وفر عليهم الوقت الذي يستغرقونه في الذهاب إلى العمل إلى جانب الجهد والمشقة المصاحبة لذلك، وعبر 10% عن رغبتهم بالعودة إلى المكتب بناء على استطلاع داخلي اجرته الشركة. أما بقية الموظفين أوضحوا أن ظروف العمل من المكتب عادة ما تكون أكثر تشتيتاً، وهو ما يضر بالإنتاجية، وبهذا فإننا نتوقع أن يسهم استمرار العمل عن بعد في زيادة الإنتاجية وتقليل التكاليف وتعزيز الميزات المقدمة لموظفينا. تعزيز الرضا الوظيفي

أسهم نموذج العمل عن بعد في تحسين قدرة موظفينا على الموازنة بين واجبات العمل والمنزل وقضاء وقت أكبر مع أسرهم، ما أسهم في زيادة الرضا الشخصي والمهني لديهم، حيث كشف استطلاع رأي داخلي أجريناه في "كريم" عن ارتياح موظفي الشركة وتقديرهم للمرونة التي يتميز بها نموذج العمل عن بعد، لما يوفره من حرية في التوفيق بين مهامهم الوظيفية والحياتية ووصل مؤشر صافي نقاط الترويج منذ بدء العمل عن بعد في الشركة شهر مارس/آذار قبل أن يتم اعتماده على أساس دائم في سبتمبر/أيلول الماضي.

استقطاب العقول الماهرة

أتاح لنا نموذج العمل عن بعد إمكانية استقطاب أصحاب المهارات الذين يرغبون في البقاء في بلادهم وعدم الانتقال إلى بلد آخر، وهو ما لم يكن متاحاً بشكل مرن سابقاً.

إعادة تصميم المساحات المكتبية

أتاح لنا اعتماد مفهوم العمل عن بعد فرصة لإعادة تصميم مكاتبنا، حيث نعتزم تحويلها إلى مساحات مبتكرة تسهّل التعاون بين فرق العمل من جهة وتوفر بيئة مرنة للزملاء الراغبين بالعمل ضمن أجواء مكتبية من جهة أخرى.

الاعتبارات التي يجب مراعاتها لتعزيز العمل عن بعد

إلى جانب هذه المزايا السابقة، توجد أيضاً بعض الاعتبارات التي يجب مراعاتها لتعزيز العمل عن بعد، وهي:

الإتاحة والمتابعة

من مزايا العمل المكتبي سهولة الوصول إلى الموظف متى احتاجه قائده أو العكس، ولهذا يتعين على العاملين عن بُعد أن يراعوا هذه النقطة، وأن يواظبوا على اطلاع زملائهم بخطة عملهم بشكل يومي أو أسبوعي حسب طبيعة العمل. كما يتعين على الموظف أن يكون متاحاً وقت العمل وأن يكون متابعاً جيداً، لئلّلا يحدث خلل أو انقطاع في سير العمل.

وضع بروتوكول للعمل عن بعد

على أي شركة تعتمد نمط العمل عن بعد أن تضع بروتوكولاً سهل الالتزام، على سبيل المثال تحديد مواعيد الاجتماعات أو توفير بيئة عمل تضمن تفاعل الموظفين، كأن يتم تحديد يوم للعمل من المكتب أو عقد اجتماعات افتراضية غير متعلقة بالعمل لضمان تواصل الموظفين مع بعضهم وخاصة الموظفين الجدد الذين لم تتاح له فرصة التواصل مع أقرانهم، ويجب أن تصاغ هذه الأمور في بروتوكول موحد يلتزم به الجميع.

وأخيراً، فإنني على ثقة بأن موضوع العمل عن بعد لا يزال مطروحاً على طاولة العديد من الشركات بقوة للبحث في مدى جدوى تعميمه ودراسة تبعاته وتأثيراته، خاصة في ظل تنوع القطاعات واختلاف مهام العمل من مجال إلى آخر. إن الأمر لم يعد محصوراً في قبول مفهوم العمل عن بعد أم لا، فقد فرض هذا المفهوم نفسه بقوة، والمناقشة الآن تدور إلى أي درجة يمكن تطبيقه وما هي أنسب الآليات لدعمه.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!