ملخص: يشكل الطب الدقيق جزءاً أساسياً من الرعاية الصحية في قطر؛ من خلال البنوك الحيوية الوطنية، ودراسات المجموعات، والصيدلة الجينية، والتدخلات الجينومية المبكرة، وقد ظهر تأثيره المباشر في الممارسات السريرية. وعلى الرغم من ذلك، فإن هناك عدة عوامل يجب مراعاتها لتحقيق كامل إمكاناته. تعرف في هذا المقال على هذه العوامل وإلى أين سيذهب الطب الدقيق مسقبلاً.

يمثل الطب الدقيق تحولاً جوهرياً في طريقة فهم الأمراض وتشخيصها وعلاجها. وعلى عكس الطب التقليدي، يستخدم الطب الدقيق بيانات واسعة النطاق، ويهدف إلى تكييف الرعاية الصحية الفردية. إذ يأخذ في الاعتبار النتائج المستخلصة من دراسة عدد كبير من الأشخاص لتكييف العلاج مع التركيب الجيني الفريد لكل فرد، وبيئته، ونمط حياته، وحتى الميكروبيوم الخاص به لتوجيه القرارات المتعلقة بالوقاية والتشخيص والعلاج.
من هذا المنطلق، عملت مؤسسة قطر على تطوير الرعاية الصحية، بهدف تخصيص العلاج لكل فرد وفقاً لاحتياجاته الجينية والبيئية ونمط حياته، ما يمكن الأطباء من الانتقال من العلاج التقليدي إلى استراتيجيات علاجية شخصية توفر فعالية أكبر ونتائج أفضل للمرضى. وفي هذا الصدد، قال رئيس معهد قطر للرعاية الصحية الدقيقة، عضو مؤسسة قطر، الدكتور إيمانويل ديرميتزاكيس، لمنصة هارفارد بزنس ريفيو: "نعتبر الطب الدقيق الأساس لرعاية صحية شخصية ومعتمدة على البيانات. ويشمل ذلك مجموعة واسعة من الممارسات المرتكزة على المريض مثل اتخاذ القرار المشترك، وأدوات الصحة الرقمية، وخطط الرعاية الفردية. لذا، فإن الطب الدقيق يوفر الأساس العلمي والتكنولوجي لجعل هذا النهج الثوري فعالاً. وفي منطقة متنوعة وسريعة التطور مثل الشرق الأوسط، يوفر الطب الدقيق فرصة فريدة لمعالجة تحديات صحية خاصة بالسكان. من خلال بناء قواعد بيانات جينومية تعكس التنوع الجيني لمجتمعاتنا، حيث يمكننا تطوير تشخيصات أدق، وتحديد عوامل الخطر مبكرين، وتصميم علاجات أكثر فعالية لسكاننا".
الطب الدقيق: من التطور إلى الثورة
لا يمثل الطب الدقيق مجرد تطور تقني، بل أصبح ثورة حقيقية في فهم الأطباء الدقيق للمرضى وتعاطيهم مع الأمراض. ففي حين اعتمد الطب التقليدي على نماذج عامة تغفل الفروقات الفردية والتعقيدات البيولوجية، ينهض الطب الدقيق بخطة متكاملة تجمع بين البيانات الجينومية والجزيئية والبيئية لكشف الآليات الفريدة التي تحدد مسار المرض لدى كل فرد. وبالتالي، أتاح هذا التحول إدارة الأمراض المزمنة، مثل السكري وأمراض القلب، بطريقة أدق من خلال تحليل ملفات المخاطر الفردية واستجابات المرضى للعلاج.
ويعزز الطب الدقيق فرص المساواة في الرعاية، ويسهم في تمكين الأفراد من الحفاظ على صحتهم بطرق لم تكن ممكنة من قبل. إذ أظهرت دراسة تابعة لمركز سدرة للطب أهمية استخدام علامات بروتينية في الدم واللعاب للكشف المبكر عن أمراض القلب، حيث جرى تحديد 8 علامات حيوية مرتبطة بزيادة الخطر قبل ظهور الأعراض. وتقدم هذه الطريقة غير الجراحية وسيلة دقيقة لتشخيص الأفراد المعرضين؛ ما يعزز تطبيق الطب الدقيق، ويوفر فرصاً لعلاج وقائي مخصص، وتقليل المضاعفات المرتبطة بأمراض القلب والأوعية الدموية.
وقد استثمر معهد قطر للصحة الدقيقة، من خلال مشاريعه الأساسية مثل قطر بيوبنك وبرنامج قطر جينوم، أكثر من عقد في تطوير بيانات وبنية تحتية عالمية المستوى. من هنا، أوضح ديرميتزاكيس أن الوقت قد حان لاستثمار هذه الموارد في الابتكار السريري، مع استمرار توليد البيانات واكتشاف المعرفة الطبية الجديدة. إذ سيؤدي الطب الدقيق في النهاية إلى تشخيصات مبكرة وتقليل الآثار الجانبية وزيادة فعالية التدخلات، خاصة في الفئات السكانية التي لم تكن ممثلة بالقدر الكافي في الأبحاث العالمية.
التحليلات الجينومية: بين التشخيص المبكر والعلاج
يشبه الجينوم البشري لغزاً معقداً؛ يمثل كل عرق قطعة فريدة تسهم في تشكيل الصورة الكاملة. وقد أصبحت التحليلات الجينومية مركزية في اتخاذ القرار السريري، إذ تسمح بالانتقال من بروتوكولات علاج عامة إلى تدخلات مستهدفة. ولكن يجب ترتيب الجينومات الخاصة بكل عرق وفهمها للاستفادة منها. يأتي ذلك في وقت يغيب فيه نحو 400 مليون عربي من قاعدة بيانات الجينوم العالمية.
من هنا، حرص قطر بيوبنك وبرنامج قطر جينوم اللذان يعملان تحت مظلة معهد قطر للرعاية الصحية الدقيقة، عضو مؤسسة قطر، على تعزيز شمولية بيانات الجينوم العالمية. إذ حددا تسلسل أكثر من 14,600 جينوم من سكان دولة قطر، إضافة إلى أكثر من 2,900 جينوم من 19 دولة عربية أخرى. كما دمج الأخير علم الجينوم في المناهج والمقررات العلمية وهيأ 180 طالباً ضمن برنامج علم الجينوم والطب الدقيق بالتعاون مع الجامعات المحلية.
وقد أسهم قطر بيوبنك أيضاً في التشخيص المبكر والتنبؤ بالأمراض الخطيرة محلياً وإقليمياً وعالمياً، ما خفض معدلات الإصابة من خلال جمع بيانات أكثر من 47 ألف مشارك، 80% منهم من المواطنين القطريين. كما استطاع اكتشاف المشاركين الحاملين لطفرات بروتين القابلية لسرطان الثدي من النمط الأول والثاني، والمرتبطة بارتفاع خطر الإصابة بالمرض، ومن ثم تنفيذ خطط وقائية وعلاجية بالتعاون مع مؤسسة حمد الطبية، ما أنقذ حياتهم قبل ظهور الأعراض. وحسب ديرميتزاكيس، فإن هذا الاكتشاف يوضح تأثير دمج الجينوميات في الرعاية الصحية الروتينية على اتخاذ قرارات إنقاذ حياة في الوقت المناسب، وكذلك تحقيق وفورات كبيرة في نظام الرعاية الصحية، في وقت تتزايد فيه التكاليف الصحية بسرعة. كما يبرز أهمية البحث المتخصص بالسكان؛ من خلال بناء مرجع جينومي لدولة قطر، بهدف كشف عوامل خطر محتملة.
كما يجري تطوير مشروع سجل التوائم القطري بالتعاون مع مركز سدرة للطب ومعهد قطر للرعاية الصحية الدقيقة، بهدف إنشاء أول سجل للتوائم في البلاد، من خلال جمع البيانات من التوائم المتطابقة وغير المتطابقة وتحليلها، لدراسة العوامل الوراثية والبيئية التي تؤثر في الصحة والسلوك والأمراض. وحول هذا السجل، قال ديرميتزاكيس: "نحن في المرحلة الأولية لجمع البيانات والعينات البيولوجية، مع دعوة التوائم الزائرة للمشاركة في قطر بيوبنك. وعلى الرغم من أن النتائج الأولية لم تعلن بعد، فإن الأهمية العلمية للسجل واضحة، إذ سيمكن الباحثين من دراسة حالات معقدة مثل السكري والتوحد وأمراض القلب عبر مقارنة التشابهات والاختلافات الجينية بين التوائم، بما يسهم في تحسين النماذج التنبؤية وتحديد العلامات البيولوجية المبكرة".
التوحد في قلب اضطرابات النمو العصبي
يعد التوحد مرضاً معقداً متعدد الأبعاد، يحتاج إلى تدخلات سريرية واجتماعية متكاملة لتحقيق أفضل النتائج للأطفال المصابين. وهناك بعض الإسهامات الجينية التي قد تسبب الإصابة بهذا المرض. إذ أظهرت دراسة بعنوان "تأثير العوامل الوراثية على اضطرابات طيف التوحد" أن التنوعات الجينية تؤدي دوراً في الإصابة بهذا المرض. وبالتالي، يساعد التحليل الجيني اليوم على التشخيص المبكر للمصابين بالتوحد، ما دعمهم بإجراءات أكثر دقة وفاعلية.
وحول تشخيص التوحد، قال ديرميتزاكيس: "إن العديد من تحديات الأطفال المصابين بالتوحد يتمحور حول الجانب الاجتماعي. لذا يجب أن تركز التدخلات على تغيير النظرة المجتمعية، وتمكين تطورهم وإتاحة الفرص لهم. بهذا النهج، يمكن تحويل ما ينظر إليه أحياناً باعتباره تحدياً إلى قوة ومصدر إبداع وإسهام فردي مميز".
بناء على ذلك، وضعت مؤسسة قطر استراتيجيتها لدعم المصابين بالتوحد، بما يضمن حصول الأطفال المصابين وعائلاتهم على أعلى مستويات الدعم. وتهدف الاستراتيجية إلى رسم أهداف مستقبلية واضحة على مدار العقد المقبل وهي:
- خفض متوسط العمر عند تشخيص التوحد بنسبة 25%، لضمان التدخل المبكر.
- زيادة نسبة التحاق المصابين بالتوحد بالتعليم العالي أو التدريب المهني أو سوق العمل بنسبة 50%.
- تحسين جودة حياة أسر المصابين بالتوحد بنسبة 50% من خلال الدعم المجتمعي والمبادرات التربوية.
- رفع عدد المنتجات والخدمات التكنولوجية والابتكارات التي تطورها المؤسسة لتحسين نمط حياة المصابين بالتوحد بنسبة 50%.
ولتحقيق أهداف هذه الاستراتيجية، اهتمت المؤسسة بالتعليم، والتوظيف، وتقديم الخدمات المجتمعية، والرعاية الصحية، ودعم البحث والابتكار؛ إذ تركز الاستراتيجية على توسيع سعة أكاديمية ريناد لاستقبال الطلبة من سن 3 إلى 21 عاماً، وتعزيز برامج الكشف والتدخل المبكر في مدارس المؤسسة، إضافة إلى إنشاء مركز مجتمعي يقدم حلولاً رقمية وخدمات دعم واستشارات متخصصة، وإطلاق مركز مهني متخصص لدعم التوظيف وإعداد المصابين بالتوحد للإسهام في المجتمع.
مستقبل الطب الدقيق: نحو رعاية صحية تستبق المرض
حالياً، يشكل الطب الدقيق جزءاً أساسياً من الرعاية الصحية في قطر؛ من خلال البنوك الحيوية الوطنية، ودراسات المجموعات، والصيدلة الجينية، والتدخلات الجينومية المبكرة، وقد ظهر تأثيره المباشر في الممارسات السريرية. وعلى الرغم من ذلك، فإن هناك عدة عوامل يجب مراعاتها لتحقيق كامل إمكاناته. لذا، أكد ديرميتزاكيس أنه يجب التركيز على التثقيف والتوعية، وتصحيح المعتقد الخاطئ الذي يقول إن الصحة الدقيقة مستقبلية أو متاحة فقط للنخبة؛ فهي تنقذ الأرواح الآن. لذا، فإن الرعاية الشخصية في الطب الدقيق لم تعد رفاهة، بل تمثل فعالية ووقاية وعدالة، وتمكن من اتخاذ قرارات مبكرة أفضل.
وأضاف: "يعد التشخيص التنبؤي من أبرز المجالات الواعدة في الطب الدقيق، إذ يتيح تحديد الأفراد المعرضين بنسبة مرتفعة لمخاطر الإصابة بالأمراض المعقدة قبل ظهور الأعراض بفترة طويلة من خلال تحليل البيانات الجينية والجزيئية والبيئية. في معهد قطر للصحة الدقيقة، نركز على دمج الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي لتعزيز قدرتنا على كشف الأنماط الدقيقة من خلال البيانات الجينومية والسجلات السريرية والصور الطبية والتقييمات السلوكية، وهو نهج واعد لحالات معقدة مثل السرطان والتوحد، إذ يمكن للتدخل المبكر تحسين النتائج. لذا، إلى جانب التفوق العلمي، من الضروري إشراك صناع القرار وقادة الرعاية الصحية، وجعل نتائج الطب الدقيق ملموسة وواقعية؛ لدعم اتخاذ قرارات مستنيرة وتسريع دمج الطب الدقيق في استراتيجيات الرعاية الصحية الوطنية. رؤيتنا هي أن يصبح التشخيص التنبؤي جزءاً روتينياً من الرعاية الصحية في قطر، ما يمنح الأطباء والمرضى القدرة على التوقع المبكر، وليس مجرد التعامل مع المرض بعد ظهوره".
ويبرز الطب الدقيق بوصفه خياراً استراتيجياً يسهم في خفض التكاليف الصحية. فعندما يمكن الكشف المبكر عن الأمراض والتدخل في مراحلها الأولى، يقل الاعتماد على العلاجات المكلفة والمعقدة، ما يخفف العبء المالي على النظام الصحي. وهذا يقدم "ضربة مزدوجة أو حتى ثلاثية"، وفقاً لرئيس معهد قطر للرعاية الصحية الدقيقة، تستند إلى صحة أفضل، وتكاليف أقل، واقتصاد أكثر ابتكاراً وإنتاجية.