تابعنا على لينكد إن

عندما كنت في أواخر العشرينيات، تم تشخيص إصابتي بسرطان المعدة.

خضعت لعمل جراحي وبذل الأطباء أفضل ما عندهم، وطلبوا مني في نهاية الأمر أن أبقى متفائلاً. عدت إلى اليابان لاحقاً حيث كنت أعمل، وحاولت أن أتناسى الموضوع. عاد الورم من جديد بعد عام، وكانت هذه المرة في الكبد. بعد بحث طويل، وجد الجراحون إجراء جراحياً جديداً لاستئصاله، ولكن كنت أدرك تماماً أنّ هذا العلاج علاج مؤقت وأنّ الأورام قد تعاود الظهور من جديد في أي وقت. خلال الأشهر الستة التالية عشت حالة من الضغط. لقد كان الجزء الأصعب في مرضي هذا هو قلقي المستمر من حصول انتكاسة وعودة الورم.

ثم قابلت شخصاً غير رؤيتي لحياتي. إنه الدكتور ديريك روجر والذي أجرى بحوثاً لمدة 30 عاماً حول “لماذا يُغلب بعض الأشخاص على أمرهم في الظروف الصعبة ويتحولون إلى أشخاص مسحوقين، بينما يستطيع البعض الآخر المحافظة على رباطة جأشهم”. قام الدكتور روجر بتعليمي كل ما يعرفه، وحالما بدأت بتنفيذه (على الرغم من أنّ حالتي الصحية لم تتغير) بدأ قلقي يتبدد. بل إنّ مرض السرطان عاودني مجدداً بعد 5 سنوات وبقي مستقراً نسبياً في كبدي. ولكني لم أعد أقلق بشأنه بعد الآن. اتخذت من ديريك موجهاً لي، وخلال العشرة أعوام الأخيرة، قمنا معاً بتدريب آلاف القادة حول كيفية التغلب على إجهادهم.

تبدأ العملية بفهم مسببات الإجهاد (stress)، وبإدراك أنّ سبب الإجهاد ليس الأشخاص أو الحوادث الخارجية، ولكنه ناجم عن ردود فعلك الخاصة تجاههم. في العمل، يعتقد الكثير من الأشخاص أنّ إجهادهم المرتفع ناجم عن مديرهم، المواعيد النهائية، الالتزامات المتعارضة التي تضغط جداولهم الزمنية. ولكن بعض أقرانهم يواجهون هذه التحديات ذاتها من دون إجهاد. كثيراً ما نلتقي أنا وديريك بمدراء تنفيذيين يعيشون تحت مستويات عالية من الضغط (pressure) ومستويات منخفضة من الإجهاد، والعكس صحيح.

إذن يختلف الضغط عن الإجهاد. ولكن يتحول الأول إلى الثاني عندما تقوم بإضافة مكون واحد: الاجترار، بكلمات أخرى أن تميل للتفكير مراراً وتكراراً في أحداث الماضي أو المستقبل، رابطين مشاعرنا السلبية بهذه الأفكار. بالتأكيد يجب على القادة ممارسة هذا النوع من التفكير (أعني التخطيط للمستقبل أو مراجعة الدروس المستفادة من الماضي) ولكن هذه العملية يجب أن تظل في إطارها التحليلي، قصير الأجل، مع تداعيات إيجابية. في حين يكون الاجترار مستمراً ومدمراً، ويؤدي لتراجعك صحياً، وتناقص إنتاجيتك، وتدني سعادتك. وترتبط حالات القلق المزمن بظهور مشاكل قلبية وإشكالات في الشرايين الإكليلية وبتثبيط وظائف جهاز المناعة. إنّ احتجازنا في الماضي أو المستقبل، يأخذنا بعيداً عن الحاضر ما يجعلنا غير قادرين على إنجاز الأعمال المطلوبة منا في الوقت الحالي. لو سألت الأشخاص الذين يمارسون اجترار الأفكار هذا كيف يشعرون، لن يجيبك أي منهم بأنه “سعيد”. معظمهم يشعرون بالتعاسة.

حتى تستطيع تجاوز هذه العادة التي ستوصلك إلى الإجهاد لاحقاً، نقترح أنا وديريك أربع خطوات:

استيقظ!

يقضي الأشخاص معظم أوقات يومهم في حالة تدعى “الاستيقاظ النائم” (waking sleep). وهي الحالة التي تشعرها عندما تلاحظ أنك وصلت إلى كراج العمل بسيارتك، ولكنك لا تذكر كيف قدت سيارتك إلى هناك. أو عندما يسألك أحدهم في اجتماع ما حول رأيك ولكنك فقدت تركيزك خلال البضع دقائق الأخيرة من المحادثة، وحيث أن حالة الاجترار بكاملها تحصل في “الاستيقاظ النائم”، فإنّ الخطوة الأولى هي الخروج من هذه الحالة. ويمكنك عمل ذلك جسدياً من خلال: الوقوف أو الجلوس، التصفيق وتحريك جسدك. أو يمكنك فعل ذلك عقلياً: اتصل بحواسك من خلال ملاحظة ما ترى، تسمع، تشم، تتذوق وتشعر. تكمن الفكرة في إعادة الاتصال مع العالم الخارجي من حولك.

تحكم باهتماماتك

عندما تجتر أفكارك، يعلق انتباهك ووعيك في حلقة مفرغة، مثل فأر الهامستر في العجلة. يتوجب عليك إعادة توجيه نفسك إلى الأماكن التي يمكنك فيها اتخاذ قرارات مفيدة. إليك أحد التمارين التي نشجع التنفيذيين على أدائها:

ارسم دائرة في وسط صفحة: اكتب داخل هذه الدائرة كافة الأشياء التي تستطيع التأثير عليها أو التحكم بها، بينما قم بكتابة كافة الأشياء التي لا تستطيع التحكم بها خارج هذه الدائرة. ذكّر نفسك بأنه يمكنك الاعتناء بالأشياء الخارجة عنك مثل العمل،فريقك وعائلتك من دون أن تقلق لأجلهم.

انظر إلى الأمور ضمن مشهد كامل

يميل المجترون إلى تصور الوضع بشكل كارثي، في حين يضع القادة المرنون الأمور ضمن سياقها لهم ولفرقهم. نطلب من المتدربين أن يقوموا بتجربة ثلاث تقنيات:

المقارنة: بمقارنة إجهاد سابق بالإجهاد الحالي (مرض خطير، خسارة صفقة مبيعات كبيرة).

المساءلة: بأن يسألوا أنفسهم “ما هي أهمية هذا الموضوع بعد 3 سنوات من الآن؟” و”ما هو أسوأ ما يمكن أن يحدث؟” و”كيف يمكنني أن أنجو؟”.

وإعادة التأطير: بأن تنظر إلى التحدي من منظور آخر: “ما هي الفرصة في هذا الموقف، والتي لم ألحظها بعد؟” أو حتى بأن تسأل “ما هو المضحك في هذا الموضوع؟”.

دع الأمر

الخطوة الأخيرة هي الأصعب غالباً. لأنه لو كان من السهل أن ندع الأمر جانباً لكنا فعلنا ذلك منذ البداية. وقد حددنا 3 تقنيات تساعد في هذا الشأن. الأولى هي القبول: الاعتراف بأنك سواء أحببت هذا الوضع أم لا فإنه موجود على ما هو عليه. التقنية الثانية: تعلم الدرس من هذا الوضع، حيث سيقوم عقلك بمراجعة الأحداث حتى يصل إلى شعور أنك قد استفدت شيئاً منها، اسأل نفسك “ماذا تعلمت من هذه التجربة؟”. أما التقنية الثالثة فهي التصرف. ففي بعض الأحيان قد يكون الحل الحقيقي بعمل شيء ما حيال هذا الوضع وليس الراحة والانتظار فقط. اسأل نفسك: “ما هو العمل المطلوب في هذا الموقف؟”.

في صراعي مع مرض السرطان، استغرقني تدريب نفسي على اتباع هذه الخطوات الأربع حوالي سنتين. ولكنها نجحت بشكل كبير في نهاية المطاف. انخفضت معدلات الإجهاد لدي، تحسنت صحياً، وانطلقت حياتي المهنية. وكان ما شجعني أكثر اكتشافي أنّ كل ما علمني إياه ديريك يمكن تعليمه للآخرين، وتحقيق نتائج مماثلة.

 

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz