تخيل نفسك في مطعم ما، وتحاول الاختيار ما بين نوعين من التحلية: كعكة الشوكولاتة أم طبق الفاكهة. وبينما تحاول الالتزام بتناول طعام صحي أكثر فائدة لجسدك، تبدو الكعكة لذيذة جداً، فماذا تفعل؟

سيتبين لنا أنّ قرارك سوف يتأثر غالباً بمدى إدراكك لذاتك، إذ أنك أصبحت شخصاً مشغولاً.

لقد سبق للباحثين دراسة الانشغال من خلال دراسة منظور ضغط الوقت. وقد وجدوا أنه عندما يشعر الناس بتعرضهم لضغط كبير في الوقت، فإنهم يميلون إلى اتخاذ قرارات مبنية على العواطف. على سبيل المثال، عندما يوضع المستهلكون في مواقف يحتاجون فيها إلى الوقت لإكمال مهمة ما، فإنهم يشعرون بالقلق ويصبحون أكثر عرضة للإذعان إلى نبضات قلوبهم. سيميلون أكثر لاختيار الكعكة، إذا جاز التعبير.

ومع ذلك، ليست تلك نهاية القصة، فهناك جانب آخر للانشغال. لقد أصبح الانشغال في السنوات الأخيرة وسام شرف لا تخطئه العين في العديد من المجتمعات الغربية. وأصبح من الشائع تماماً بالنسبة للأشخاص التفاخر بأنهم لا يملكون دقيقة لأنفسهم. إنّ الشعور بأنك مشغول (أي إدراك أنك شخص مشغول) يجعل الفرد يشعر بقيمته ويشعر بأنه عضو مهم في المجتمع.

من خلال بحث يصدر قريباً في مجلة بحوث المستهلكين، تناولنا موضوع الانشغال من خلال منظور مفهوم الذات الحديث. لقد وجدنا أنّ التصور الذاتي كشخص مشغول (امتلاك ما نسميه العقلية المزدحمة) يمكن أن يزيد في الواقع من قدرة الناس على ضبط النفس عن طريق تعزيز أهمية الذات. بعبارة أخرى، قد تجعلك العقلية المنشغلة أكثر ميلاً لاختيار طبق الفاكهة.

ومن خلال إجراء ثماني دراسات، قمنا بتنشيط العقلية المنشغلة عبر وسائل مختلفة. في بعض الدراسات، عرضنا للمشاركين الرسائل التي اقترحت بمهارة أنهم كانوا منشغلين. وفي تجارب أخرى، طلبنا منهم ببساطة كتابة أسباب انشغالهم في الآونة الأخيرة. وقد نجحت الطريقتين في تحفيز العقلية المنشغلة.

في حين ركزت نصف دراستنا على استهلاك الطعام، فقد درسنا أيضاً تأثير العقلية المنشغلة على أنواع أخرى من القرارات اليومية، مثل ممارسة التمارين الرياضية مقابل الاسترخاء، أو إنفاق المال مقابل توفيره للتقاعد. إنّ التأثير على الناس بحيث يرون أنفسهم مشغولين يزيد باستمرار من قدرتهم على ممارسة ضبط النفس، وبالتالي تقليل خيارات التساهل.

على سبيل المثال، في إحدى الدراسات، أخبرنا مجموعة من طلبة الجامعة، وفقاً لأحدث البيانات، أنهم كانوا أكثر انشغالاً من الطلاب في المدارس المجاورة. كما طلبنا منهم أن يدرجوا الأنشطة التي أبقتهم مشغولين. وأخيراً، أبلغناهم أنّ المحاضر يفكر في السماح لهم بالاختيار بين أخذ يوم عطلة وإكمال المزيد من الاستبيانات (للحصول على درجات أكاديمية إضافية). مقارنة بمجموعة التحكم، كان المشاركون الذين استسلموا للشعور بأنهم مشغولين أكثر اهتماماً باستكمال الاستبيانات الإضافية.

ولكي نختبر ما إذا كانت أهمية الذات هي السبب الرئيسي وراء تلك الاختيارات، أجرينا اختبارات إضافية. في إحدى الدراسات، وبعد التأكد من أنّ المشاركين يعتبرون أنفسهم من المشغولين، طلبنا منهم تحديد عدد الأشخاص الذين يعتبرونهم أشخاصاً مهمين في حياتهم. ولتهدئة الشعور بأهمية الذات لدى مجموعة فرعية من المشاركين، طلبنا منهم أن يشيروا إلى رقم يتراوح بين 10 و50، (وهو مقياس مقيد ينتج عنه رقم يهبط إلى عدد أقل من المتوسط). طُلب من المشاركين الآخرين ذكر رقم على مقياس عادي من 1 إلى 5. وكما كان متوقعاً، فقد أزال الإحساس الأقل بأهمية الذات تأثير التحكم الذاتي: لقد فضل المشاركون الذين شعروا بأنهم مشغولون ولكنهم غير مهمين الحصول على الكعكة بنسبة (58%) بدلاً من التفاح كمكافأة على المشاركة في الدراسة، تماماً مثل مجموعة التحكم. وعلى النقيض من ذلك، اختار 35% فقط من المشاركين في المجموعة المنشغلة الكعك عندما لم يتم تثبيط الشعور بأهمية الذات لديهم.

لدراسة تأثير العقلية المنشغلة في البيئة الطبيعية، أجرينا تجربة ميدانية في الكافتيريا التابعة لجامعة كبيرة على الساحل الغربي للولايات المتحدة. قمنا بنشر ملصقات في الأيام العشوائية على مدى ثلاثة أسابيع من الفصل الصيفي، وبالقرب من المطاعم، كتب فيها: "الأصلح لطلاب ’اسم المدرسة’ المشغولين!". في الأيام الأخرى، كتب على الملصقات: "الأصلح لطلاب فصل الصيف في ’اسم المدرسة’!". وفي الأيام الأخرى لم نستخدم أية لافتة على الإطلاق.

في الأيام التي ارتفعت فيها لافتات "المشغولين"، كان عدد السلع غير الصحية المباعة أقل بكثير من الأيام التي كانت فيها لافتات "فصل الصيف" مرتفعة، أو تلك الأيام التي لم يتم استخدام أية لافتة فيها. على وجه التحديد، تم بيع 107 مواد غير صحية في المتوسط​​، مقابل 149 و154 وجبة في حالتي فصل الصيف وعدم وجود لافتات على التوالي. كما قمنا بحساب السعرات الحرارية من الدهون في الأطعمة التي قدمتها الكافتيريا، ووجدنا أنّ تنشيط العقلية المنشغلة مع هذه اللافتات يقلل من الاستهلاك الكلي للسعرات الحرارية من الدهون.

لقد أظهر بحثنا آثاره المفيدة على المسوقين والمعلنين. في السنوات الأخيرة، حيث استخدمت عدد من العلامات التجارية الانشغال في حملاتها الدعائية. على سبيل المثال، أجرت إني تايم فيتنس (Anytime Fitness)، وهي سلسلة دولية لنوادي الصحة واللياقة البدنية، حملات تحمل شعار "نادي الأشخاص المشغولين". وهذا أمر منطقي، إذ أنّ هذا النوع من الأعمال هو الذي يتطلب من الناس التأكيد على التحكم بالنفس. من ناحية أخرى، ووفقاً لدراستنا، يمكن أن يؤدي نفس المفهوم إلى نتائج عكسية في حالة الشركات التي تبيع المنتجات التي ينظر إليها عادة على أنها متساهلة في الجودة أو غير صحية. لنأخذ على سبيل المثال: دانكن دونتس (Dunkin Donuts)، الذي يعلن عن منتجاته على أنها "طعام حقيقي لأنماط الحياة المشغولة". وبالنظر إلى أنّ طعام دانكن دونتس يعتبر من الأطعمة المتساهلة في الجودة، فإنّ مثل هذه النداءات للمنشغلين قد تأتي بنتائج عكسية. تقترح نتائجنا كذلك أنه في حال وجود بعض الغموض حول المنتج (على سبيل المثال، يمكن وضع كعك دقيق الشوفان في الإطار الصحي أو إطار التساهل في الجودة) عندها سيكون من الأسلم استخدام الإطار الصحي لمخاطبة المنشغلين.

لقد كان للنتائج التي توصلنا إليها آثاراً هامة على المستهلكين وصناع السياسات الذين يهتمون بسلوكيات ضبط النفس. وقد ركزت الكثير من البحوث على الأسباب التي تجعل المستهلكين يختارون الإشباع الفوري عن الفوائد ذات المدى البعيد، سواء في مجالات الإفراط في تناول الطعام أو بقاياه. وفي الآونة الأخيرة، نالت الطريقة الذهنية في تناول الطعام الكثير من الاهتمام، كونها وسيلة لتعزيز التحكم بالنفس. ومع ذلك، فإنها تتطلب التدريب والممارسة المستمرة. ويقترح بحثنا أنّ تحفيز العقلية المنشغلة قد يعطي دفعة أسهل وأكثر فاعلية لتسهيل التحكم بالنفس.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!