في الثامن والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول، هزم جايير بولسونارو ابن الحزب الليبرالي الاجتماعي البرازيلي فرناندو حداد مرشح حزب العمال.

وقد حصد بولسونارو المرشح الوافد من أقصي يمين الطيف السياسي 55% من الأصوات الانتخابية. وتعود هذه النتيجة إلى حد كبير إلى ثلاثة عوامل وهي: الانتعاش الاقتصادي البطيء للبرازيل الذي يخلو بشكل كبير من فرص العمل وتداعي الوضع الأمني العام وموجة مكافحة الفساد القوية المستدامة التي أثارتها لأول مرة التحقيقات غير المسبوقة في قضية لافا جاتو.

وكان أهم تلك العوامل على الإطلاق انعدام الانتعاش الاقتصادي القوي إثر انتهاء حالة الكساد في البرازيل عام 2017 والتي كانت الأعمق أثراً في تاريخ الدولة. وخلال شهر سبتمبر/أيلول من العام نفسه، أظهر مؤشر النشاط الاقتصادي للبرازيل أنّ إجمالي الناتج الاقتصادي ظل أدنى مما كان عليه في الفترة نفسها عام 2014 بنسبة 6.5%. وفي الاثني عشر شهراً الماضية، تراجع معدل البطالة في البرازيل بشق الأنفس من 12.4% إلى 11.9% (ما يُعزى في معظمه إلى خروج العاملين من القوى العاملة، لا إلى عثورهم على وظائف)، بينما ارتفعت الاستثمارات، التي تراجعت بنسبة 14% عام 2015 و12% عام 2016 على أساس سنوي، لترتفع بنسبة ضئيلة قدرها 4.3% مقارنة بالفترة ذاتها العام الماضي.

وما ساعد على تفاقم هذه التوجهات الاقتصادية فيما بعد هو تدهور الوضع الأمني في شتى مدن البرازيل الكبرى بسبب معدل البطالة المرتفع نفسه، فضلاً عن عمليات الخفض في تمويل الأمن العام، وموجة مكافحة الفساد القوية. ولقد صب هذان العاملان كما هو واضح في مصلحة جايير بولسونارو الجنرال السابق في الجيش البرازيلي، الذي اعتُبر المرشح "الأطهر يداً" من بين منافسيه. (أُدين منافساه فرناندو حداد وجيرالدو ألكمين مرشح الحزب الديمقراطي الاشتراكي في قضايا فساد وغسيل أموال في الشهر السابق للانتخابات). وصوّر بولسونارو نفسه أيضاً بصورة الزعيم القوي الذي بوسعه إعادة النظام إلى البلاد عبر سياسات مختلفة، على سبيل المثال: إجازة استعمال المواطن العادي للأسلحة والتصريح للشرطة باستخدام القوة المميتة لمنع الجريمة على نطاق واسع.

ما الذي ينبغي أن يتوقعه رواد الأعمال من إدارة بولسونارو؟

لفهم الوجهة التي سيقصدها الاقتصاد البرازيلي بعد انتخاب جايير بولسونارو، من الأهمية بمكان أولاً استيعاب علة الخمول الشديد للانتعاش الاقتصادي حتى الآن. يمكن أن تُعزى هذه الظاهرة إلى حد كبير إلى فشل وحيد وجسيم للحكومة الحالية تحت مظلة الرئيس ميشال تامر: ألا وهو الافتقار إلى إصلاح شمولي للمعاشات التقاعدية.

يُقدّر البنك الدولي أنّ نسبة الدين إلى الناتج الإجمالي المحلي للبرازيل، بوضعه الراهن والذي بلغ حالياً 75% تقريباً، سوف يرتفع إلى ما يربو على 150% بحلول عام 2030 دون خفض مالي كبير في عجز الموازنة الأولية بسبب إصلاح استحقاقات المعاشات التقاعدية الحالية للدولة. وهذه التوقعات القاتمة والصورة الغامضة المستمرة التي تكتنف الإصلاح المحتمل هي الدافع الرئيس وراء السبب في أنّ المؤسسات المالية لم تزِد الإقراض بقوة، وأنّ شهية الشركات للاستثمارات الجديدة ما برحت مفقودة.

لقد كان جايير بولسونارو المرشح الرئاسي الوحيد في الجولة الثانية للانتخابات الذي دعم فكرة إصلاح نظام المعاشات، ولعل ذلك يفسر، على الرغم من خطابه الطنان خلال حملته الانتخابية، تراجع عائدات سندات الخزانة العشرية البرازيلية بما يربو على نقطتيْن مئويتين، وتراجع سعر الصرف التقديري من 4.1 (من الريال البرازيلي إلى الدولار الأميركي) إلى 3.62، خلال الفترة بين سبتمبر/أيلول وفي اليوم التالي لظهور النتائج النهائية للانتخابات. (ولكن، منذ ذلك الحين، تحرك المؤشران على نحو طفيف في الاتجاه المعاكس، ويُعزى ذلك إلى حد كبير إلى ظروف السوق العالمية). ويدلل ذلك على توقعات التضخم المتراجع والنظرة المستقبلية الأقوى للنمو، حيث تعتقد الأسواق أنه على الأرجح سيحقق ما أخفق فيه آخرون، ومن ثم سيعيد البرازيل إلى مسار التوسع الاقتصادي الأكثر ثباتاً واستقراراً.

ما زالت هناك مخاوف جوهرية بخصوص ما إذا كان بولسونارو سيعمد إلى تنفيذ بعض مقترحاته السياسية الأكثر زعزعة للاستقرار، بعد أن أدى اليمين في تاريخ 1 يناير/كانون الثاني، كحرية ملكية الأسلحة أو تقليص القيود على استغلال المناطق ذات الأهمية من غابة الأمازون المطيرة لتحقيق مكاسب اقتصادية. وعلى الرغم من أنّ شركتي فرونتير استراتيجي جروب تُقدَر أنّ النمو في البرازيل سيبلغ 3% عام 2019 بعد أن كان 1.6% عام 2018، نعتقد أنّ موقف بولسونارو المتطرف من بعض القضايا، وربما الأهم من ذلك افتقاره للخبرة في منصب سلطوي حقيقي، خطران يجثمان على قدرته على استدامة الدعم السياسي الضروري لاعتماد الإصلاحات التي تحتاج إليها البرازيل. وبالمثل، فقد ثبت أنّ سوء التقدير السياسي له عواقبه الوخيمة على القادة السابقين للبرازيل، حيث لم يستكمل سوى اثنين فقط من بين أربعة رؤساء منتخبين بطريق الاقتراع المباشر فترتهما السابقة (وأحدهما الآن معتقل على خلفية اتهامات بالفساد وغسيل الأموال).

توحي توقعاتنا بأنه على الرغم من اعتماد بولسونارو، على الأرجح، على إصلاح المعاشات التقاعدية عام 2019 (فيرفع سن التقاعد ويقلص استحقاقات المعاشات)، فإنه من المستبعد أن يحقق قفزات كبيرة في التعاطي مع المشكلات الأخرى التي تعيب السوق كمنظومة الضرائب المرهقة أو قانون العمل الذي ينطوي على تحديات أو بنية السوق الأساسية التي يعوزها التمويل. وعلى الرغم من بعض تصريحاته السابقة، فإننا لا ننظر أيضاً إلى بولسونارو باعتباره تهديداً مباشراً للمؤسسات الديمقراطية البرازيلية.

لم يفُز بولسونارو بدعم شعبي كبير كما يُخيل للمرء لأول وهلة؛ فقد حصل على 55% من الأصوات الصحيحة، غير أنه لم يحصل سوى على 43% من مجموع أصحاب الأصوات الانتخابية بعد إحصاء بطاقات الاقتراع البيضاء والممتنعين عن التصويت. ولم يحصد أيضاً الغالبية الساحقة من الأصوات في الكونغرس الضرورية لاعتماد التعديلات الدستورية دون عناء إقامة التحالفات المضني (الأمر الذي يقتضي 308 صوتاً في مجلس النواب و49 صوتاً في مجلس الشيوخ – أي بواقع صوتين تقريباً من كل منهما). على الرغم من أنّ حزب بولسونارو حصد 44 مقعداً إضافياً في مجلس النواب، فبات يهيمن على 52 مقعداً بالمجمل، ما زال هناك 30 حزباً في الكونغرس، ما يجعل إقامة التحالفات مسألة مساومات مستمرة.

وعلى الرغم من أوجه الاختلاف كلها بين بولسونارو وأسلافه، فسيواجه الأول الكثير من تحديات الحكم ذاتها التي تصدوا هم لها.

هل نتيجة الانتخابات البرازيلية دلالة على التوجه العالمي الأكثر شمولاً؟

على الرغم من أنّ هناك العديد من العوامل في شتى أرجاء العالم التي تدفع عجلة التقلبات والشكوك الاقتصادية – كخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وتوترات التجارة الأميركية-الصينية واضطرابات أسعار الصرف في أسواق كالأرجنتين وتركيا – ومن الممكن أن تؤدي إلى المزيد من الأحداث الشعبوية على مدار السنوات القليلة الماضية أو على الأقل تفضي إلى استيلاء القوى المناوئة للمؤسسات على السلطة، إلا أننا نستطيع أن نلمس بسهولة أيضاً مقاومة جديدة لتلك القوى.

ويعني ذلك أنّ القوى التي ساقت بولسونارو إلى السلطة في البرازيل لا يجوز اعتبارها مؤشراً لاتجاه عالمي متماسك. وحقيقة الأمر، كما رأينا من قبل، أنّ صعود نجم بولسونارو في البرازيل جاء نتيجة مزيج من العوامل الداخلية الفريدة إلى حد بعيد: ألا وهي الكساد الاقتصادي المدفوع بقدر كبير بعوامل محلية وحالة عدم الأمان المتفاقمة وموجة مكافحة الفساد المستدامة التي أشعل فتيلها تحقيق غير مسبوق استهدف أقوى رجالات الدولة على الإطلاق.

ومن هذا المنطلق، وفي حين لا ينبغي على الشركات أن يساورها القلق بشأن توافق اتجاه عالمي كامن مع انتخاب رؤساء دول غير متوقعين بالمرة، فإنّ حالة البرازيل تدل بوضوح على الحاجة إلى التطبيق المستمر للتخطيط القائم على سيناريوهات مختلفة عبر الأسواق عالية المخاطر لضمان القدرة على التكيف بسرعة مع مخاطر الهبوط، مع استغلال الظهور المفاجئ للفرص الجديدة في الوقت ذاته.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!