تابعنا على لينكد إن

خلال العقدين الماضيين، تصدى أصحاب الشركات الناجحين في الغرب للمخاطر الناجمة عن التغيرات الدراماتيكية التي طرأت على الاقتصاد العالمي، لاسيما تلك المتعلقة بمجال التكنولوجيا والخصائص الديموغرافية للمجتمعات.

وعوضاً عن التأثر بدخول منافسين جدد بتكلفة أقل في ظل التطور السريع للاقتصادات النامية -كما هو الحال في كل من الصين والهند- دخلت الشركات مرحلة جديدة وهي عولمة سلاسل الإمداد وإداراتها لضمان تدفق بضائعها وخدماتها، أو بمعنى أصح، نقلت عملياتها الإنتاجية إلى خارج أراضيها. كما اعتمدت تلك الشركات على التطورات الحاصلة في مجال تكنولوجيا المعلومات، والتي كانت من الممكن أن تساهم في دعم أعمالها الهشة، من خلال تعزيز قوة العرض وخفض تكاليف الإنتاج. فضلاً عن ذلك، اتخذت الشركات إجراءات تحويلية في بيئة العمل والظروف الوظيفية لتصبح أكثر شمولاً وملاءمة لكل من القوى العاملة من الإناث وجيل الشباب. وعبر الانتقال من مفهوم المنافع إلى مفهوم خطط معاشات التقاعد، تجنبت الشركات المخاطر الناجمة عن زيادة نسبة المتقاعدين أصحاب الأعمار المديدة مع استمرار انخفاض أسعار الفائدة.

بعبارة أخرى، يتعامل رجال الأعمال مع المخاطر القائمة على تقلبات السوق والمتمثلة في التوجهات الاقتصادية والتكنولوجية والديموغرافية. لكن هذه التوجهات، وآليات استجابة الشركات لها قد تنطوي على مخاطر ثانوية غير متعلقة بالسوق، ما قد يؤدي إلى عواقب وخيمة.

ومع اجتياح العولمة والتغييرات السريعة التي تطرأ على القطاع التكنولوجي، يمكن أن تستفيد الشركات من رد الفعل الاجتماعي والسياسي الناجم عن تلك التغيرات. ويتمحور دور إدارة رجال الأعمال الفعّالة للحد من المخاطر، لاستيعاب التهديدات الثانوية ووضع استراتيجيات غير مرتبطة بالسوق. إذ عندما ينظر الجمهور العام والسياسيون إلى الشركات باعتبارهم ضد السياسات الاجتماعية، تقف الشركات مكتوفة الأيدي أمام تجنّب الانخراط في السياسة.

أكبر الرابحين والخاسرين من العولمة

تلعب التجارة الدولية والتطور التكنولوجي دوراً هاماً في تحسين الإنتاجية الكليّة عبر آليات تم استيعابها وفهمها عندما طرح آدم سميث وديفيد ريكاردو أبحاثهم ونظرياتهم، أي منذ مائتي عام تقريباً. وعلى مدى 40 عاماً، حققت هذه القوى مكاسب غير مسبوقة برهن عليها الازدهار العالمي. وانخفضت النسبة المئوية لسكان العالم الذين يعيشون في فقر مدقع من 40% في عام 1980 إلى 10% اليوم؛ وظهرت طبقات وسطى كبيرة في الدول التي كانت حتى وقت قريب تصنف على أنها أقليات محدودة ضمن طبقة الفقراء.

واستفاد بعض الأشخاص في الاقتصادات المتقدمة من هذه التوجهات، حيث توسّعت شريحة الأشخاص الذين يتبوؤون مواقع تتيح لهم الاستفادة من الأسواق التي توسعت إثر العولمة، وازدادت معدلات إنتاجيتهم بفضل التكنولوجيا، أو من كان لديه القدرة على توجيه رأس المال بسهولة إلى الاستثمارات الأكثر إنتاجية. وعلى مدار السنوات الثلاثين الماضية، استفادت أكبر الشركات متعددة الجنسيات من الانفتاح لنشر ابتكاراتها وخفض تكاليف الإنتاج والأعباء الضريبية. كما ازدادت قيمة الشركات متعددة الجنسيات بنسبة تخطت ثلاثة أضعاف الشركات الأقل انفتاحاً ومواكبةً للعولمة، وفق بحث أجرته شركة أوليفر وايمان للاستشارات الإدارية.

لكن لا يمثل أولئك المستفيدين سوى شريحة صغيرة من السكان والشركات؛ في حين أن الأرباح بالنسبة للآخرين كانت أكثر ضبابية. إذ أن السلع الاستهلاكية أرخص بطبيعة الحال، ولكن المنافسة مع العمالة الأجنبية منخفضة التكلفة، حجّمت من نمو أجور العمال ذوي المهارة المنخفضة. كما عرّض الإنترنت العاملين المهرة في الغرب، مثل المحاسبين، إلى المنافسة مع العمالة الأجنبية الأقل سعراً. وبدأت التوقعات بأن يكبر الأطفال ليصبحوا أكثر ثراء من ذويهم بالتلاشي في الغرب، وهي فكرة اعتُبرت من المسلّمات طوال القرن العشرين.

وأدى هذا التحول إلى مناقضة وصايا “إجماع واشنطن” التي طالما قادت عملية صنع السياسات منذ تسعينيات القرن العشرين. ولم تقتصر الآراء المناهضة للعولمة على مجموعة من المعارضين في مؤتمرات قمة مجموعة الدول الثمانية، بل شكلت تياراً سياسياً، حيث فاز دونالد ترامب في السباق الرئاسي الأمريكي بناءً على وعوده بحماية الأمريكيين من ويلات التجارة الدولية والهجرة والتهديد باتخاذ إجراءات عقابية ضد الشركات التي تقوم بعمليات إنتاجية خارج الولايات المتحدة الأمريكية. كما عادت القومية الاقتصادية للانتعاش في أوروبا.

وتواجه كلاً من الشركات الأمريكية والأوروبية احتمال تخليها عن مهارات المهاجرين وكفاءاتهم، إثر ارتفاع تكاليفهم وفق الأنظمة الضريبية، ما دفعهم لاختيار العمال والمورّدين المحليين ذوي التكلفة المرتفعة. ومنذ اعتباره الرئيس الأمريكي المنتخب، ضغط دونالد ترامب على العديد من الشركات للتخلي عن خططها بنقل أعمالها خارج الولايات المتحدة الأمريكية.

وكنا هذا أمراً متوقعاً من قبل بعض علماء الاجتماع والنقاد والسياسيون، لكن المخاطر التي فرضتها هذه التطورات على الشركات لم تكن بالأهمية الكافية التي تجعلها تتصدر جداول أعمال مجلس الإدارة، حتى فاز دونالد ترامب رسمياً بترشيح الحزب الجمهوري لخوض انتخابات الرئاسة الأمريكية، واختار الناخبون البريطانيون الخروج من الاتحاد الأوروبي.

الاستجابة السياسية للذكاء الاصطناعي والروبوتات

قد تكون نهاية العولمة سيئة بما فيه الكفاية بالنسبة للشركات التي اعتمدتها ولحالة الازدهار العالمي على حد سواء. ولكن المستقبل يحمل نتائج اجتماعية وسياسية أكثر سوءاً. وقد تنتهي عراقيل التوظيف الناجمة عن العولمة بنظرة تفاؤلية بالمقارنة مع الخلل الناجم عن التكنولوجيا الناشئة. ففي عام 2013، خمّنت إحدى الدراسات التي أجراها “برنامج مارتن أكسفورد” حول تأثيرات تكنولوجيا المستقبل، أنّ تطورات الذكاء الاصطناعي وعلم الروبوتات سيقضي على الوظائف التي تمثل الآن نحو 45% من العمالة، إذ ستحل الشاحنات ذاتية القيادة محل المركبات العادية، والبرامج المختصة للبحث في الوثائق والمستندات محل الأمناء القانونيين، وبرامج تحليل البيانات الكبيرة محل محللي الائتمان، والروبوتات محل عمال المستودعات، وكثير غيرها.

التطورات التكنولوجية التي تقضي على قطاع الوظائف بالأمر الجديد، لكن التجارب السابقة والنظرية الاقتصادية، يشيران إلى أن التطورات تلك لا تتسبب ببطالة منهجية على المدى الطويل؛ إذ لم تفعل ذلك الآلات الميكانيكية في أواخر القرن الثامن عشر، كما لم تفعل ذلك أجهزة الكمبيوتر المكتبية في التسعينيات.

كما يمكن أن يتم إعادة توظيف العمالة في مكان آخر، وغالباً لإنتاج ما كان عبارة عن كماليات لا يمكن تحمل تكاليفها قبل أن تساهم التكنولوجيا الحديثة في زيادة حجم الإنتاج الكلّي، أو توفير السلع والخدمات التي أصبحت ممكنة بمساعدة التكنولوجيا الجديدة. حيث لم يعمل أي شخص في محطات الوقود حتى حلّت السيارات مكان الخيول في أوائل القرن العشرين!

ومع ذلك، قد تختلف الأمور هذه المرة عن سابقاتها؛ ليس من حيث التأثيرات بعيدة المدى للتطورات التكنولوجية على معدلات العمالة، وإنما فيما يخص الاستجابة السياسية لتقلبات سوق العمل على المدى القريب. وعندما يعتقد الناخبون والسياسيون بضرورة توجّه الحكومات لمنع الشركات من الانخراط في التجارة الخارجية التي تلغي الوظائف المحلية، فلم لا يعمدون أيضاً إلى منع الشركات من استخدام التكنولوجيا التي تلغي الوظائف المحلية؟. حتى بيل غيتس، الذي ألغت منتجاته من مايكروسوفت وظائف عشرات الملايين من العمال، دعا مؤخراً لفرض ضرائب على الاستعانة بالروبوتات.

ومن المرجح أن تكون الاستجابات العامة والسياسية لعمليات التسريح الجماعية معادية لاستراتيجيات الشركات التقليدية. وبالمثل، قد تجد الشركات التي انتقلت من مفهوم المنافع إلى مفهوم خطط معاشات التقاعد الممولة، أنها لم تنجح فعلياً في تجنّب تكاليف المتقاعدين أصحاب الأعمار الطويلة. ويمتلك العديد من الأشخاص الغربيين في  مرحلة منتصف العمر مدخرات غير كافية لتقاعدهم، كما تتسم العديد من خطط التقاعد الحكومية بالعسر. وعلى الصعيد السياسي؛ يبدو أن نقل أعباء توفير الدخل التقاعدي إلى الشركات خياراً جيداً.

الحاجة الملحّة للاستراتيجيات غير المتعلقة بالسوق

باختصار، لا يمكن أن يتجنب رواد الأعمال إعداد الخطط بشأن سلاسل التوريد، وتكنولوجيا الإنتاج، وظروف العمل دون التفكير بالاستجابات السياسية المحتملة. وينطوي القيام بذلك على تجاهل ما قد يصبح أكبر المخاطر التي تواجه الأعمال. إن استراتيجيات السوق غير كافية؛ كما يحتاج رجال الأعمال للاستراتيجيات غير المتعلقة  بالسوق. وهم بحاجة للعمل مع الضرورات الاجتماعية والسياسية بدلاً من الدعوة للمقاومة، حيث ينبغي عليهم المشاركة في وضع الحلول الملائمة!

ما الذي يترتب على ذلك؟ إن الدعم الواضح الذي تعلنه شركات الطاقة للبيئة أفضل مثال على ذلك. ففي تسعينيات القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين، تزايدت مخاوف السكان الغربيين إزاء ظاهرة الاحتباس الحراري. فكانت خصومة شركات النفط رد فعل حتمي، ما أدى إلى احتمال فرض ضرائب عقابية  وقيود تنظيمية. وقد استجابت شركات النفط في محاولة لتحسين صورتها. ولم يقتصر ذلك على مسألة التسويق وحسب، إذ تستثمر معظم شركات الطاقة الكبرى الآن في مصادر الطاقة المتجددة مثل الرياح والطاقة الشمسية والوقود الحيوي. ولا تكفي هذه الاستراتيجية بطبيعة الحال لتحصينهم بشكل كامل ضد الانتقادات. ومع ذلك، فإنها تمثل استراتيجية غير متعلقة بالسوق ملائمة لمواجهة المخاطر السياسية والاجتماعية.

إن القلق العام والسياسي الجديد بشأن الأمن الاقتصادي لا يقتصر على قطاع واحد تؤثر فيه الشواغل البيئية. ويمكن للعملاء أو السياسيين فرض العقوبات على أي شركة بسبب استبدال كادر موظفيها بالآلات أو بعمالة أجنبية أقل تكلفة. ويمكن محاسبة أي شركة على المعاشات غير المناسبة التي يحظى بها موظفوها عند التقاعد.

وقد تحتاج الشركات انتهاج استراتيجية بسيط حيال موظفيها، لتجنب الإضرار بسمعتها وفرض ضرائب جديدة، أو تحمل أعباء تنظيمية جديدة. كما ينبغي على الشركات القادرة على أن تأخذ بعين الاعتبار احتمالية استبدال العديد من موظفيها بالآلات، أو نقل الإنتاج إلى المكسيك، التفكير بإعادة تدريب الموظفين على مهام خاصة متعلقة بأداء الشركة، وربما تنسيق هذه المبادرات مع البرامج الحكومية. وفي سنغافورة، التي لطالما استخدمت مؤسساتها التجارية كوسيلة لتطبيق السياسات الاجتماعية، تعمل إحدى الوكالات الحكومية “ورك فورس سنغافورة” (Workforce Singapore)، مع الشركات لإعادة تدريب موظفيها وتزويدهم بالمهارات التي يتوقع ازدياد الطلب عليها.

وبالمثل، يمكن للشركات التي تقتصر على تقديم نُظم معاشات تقاعدية مموّلة ومحددة، أن تـتحمّل مسؤولية ضمان تقديم مساهمات كبيرة بما فيه الكفاية ليحصل موظفوها على دخل تقاعدي لائق. وينبغي ألّا يقتصر ذلك على التعليم وحسب، وإنما على الحوافز أيضاً، مثل مساهمات أصحاب الشركات التي تتخطى ما يقتضيه القانون. كما يتوجب تقدير هذه الجهود بشكل مُعلن!

ومن السابق لأوانه تحديد ما ستؤول إليه السياسية الاقتصادية في ظل رئاسة ترامب أو في المرحلة اللاحقة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وتبدو توجهات السياسة الأوروبية المقبلة غامضة المعالم. فمثلاً، تعرّض القوميون الوسطيون للهزيمة في الانتخابات الهولندية في شهر مارس. ومع ذلك، هناك مؤشرات واضحة عن حدوث تحول كبير في السياسات الاقتصادية للحكومات الغربية. ويخاطر رواد الأعمال، ممن لا يعيرون انتباهاً لذلك ويخفقون في تطوير سياساتهم الاجتماعية والسياسية، بأن يجدوا أنفسهم على الجانب الخاطئ من التاريخ.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن استراتيجية

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz