تابعنا على لينكد إن

في أول يوم عمل للموظفين الجدد، يتم إعلامهم بإجراءات العمل ضمن الشركة، ويتم تدريبهم بالشكل المطلوب لإنجاز المهام وفق سياسات وإجراءات العمل المعتمدة فيها.

إلى جانب ذلك، سوف يتعلم الموظف خلال هذه الفترة المهام والواجبات المناطة به، وسوف يتعرّف على السياسات التي يجب الالتزام بها، وما المتوقع منه في الدور الذي تم التعاقد معه من أجله. وسيتم شرح رسالة وأهداف وقيم الشركة على الموظف والامتيازات الأخرى. ومع مرور الوقت سوف يدرك الموظف الثقافة السائدة في الشركة والتي أصبح معظم الموظفين ينساقون وفقها، كما يتم وضع سياسيات مختلفة من القواعد التي تتعلق (بسلوك الموظفين والحضور واللباس والخصوصية وغيرها من المجالات ذات الصلة بشروط وإجراءات العمل)، وذلك وفقاً لمتطلبات العمل في الشركة.

ويمكن لسياسة الشركة أن تغطي مساحة واسعة جداً في العمل، ويمكن فهمها واستخدامها في مختلف المجالات. إذ تُعتبر السياسات الإدارية عبارة عن المبادئ التوجيهية التي توجز الأهداف المهمة، وتُشير بشكل عام إلى كيف يمكن أن يُنجز النشاط في الشركة.

بشكل عام تسمح السياسة بالسلطة التقديرية للموظف والتكيف الطفيف مع ظروف العمل دون الحصول على موافقة مباشرة من مدير أعلى. بذلك تُصبح السياسات المكتوبة والمعلنة جزءاً من ثقافة الشركة الآمنة والمستقرة.

إذا نظرنا إلى العوامل التي تؤثر وترسم سياسة الشركة سنرى أن هناك عاملين رئيسين كما أشارت إليها الدراسة التي قام بها ثلاثة من الباحثين، وذلك في مقال لهم بعنوان “سياسة الشركة: محدداتها وأهميتها في الوقت الحاضر”، حيث تطرقوا إلى أن هناك عوامل داخلية وعوامل خارجية. أولاً، العوامل الداخلية وتشمل: رؤية الشركة ورسالتها وأهدافها وقيمها ومواردها. وثانياً، العوامل الخارجية: وتشمل هيكل الصناعة الحالية والبيئة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتكنولوجية. وبناءً على هذه العوامل يتم رسم الإطار العام الداخلي للشركة من خلال سياسات محددة. من ناحية أخرى نرى أن هناك اهتمام عالمي بالسياسات بشكل عام، فمثلاً في منظمة التعاون والتنمية ضمن الميدان الاقتصادي ومقرها باريس، يقوم الأعضاء فيها بالبحث دائماً عن الحلول المشتركة، ومشاركة الخبرات، وتحديد أفضل الممارسات لتعزيز سياسات أفضل من أجل حياة أفضل. لذلك يقومون بشكل دائم بدعم صانعي السياسات في تحديد التحديات التي تواجههم من خلال صنع السياسات المناسبة. علاوة على ذلك، أصدرت ذات المنظمة تقريراً سابقاً عن النهج الإستراتيجي لسياسات التعليم والمهارات في دولة الإمارات العربية المتحدة. ووجدت أنّ هناك شفافية تامة في السياسات الحكومية المعتمدة والمعلنة والمتعلقة بالتعليم والمهارات الواجب توافرها للمواطن. كما قُدمت بعض المقترحات حول كيفية تحسين نوعية وكمية المهارات ذات الصلة، من خلال تطوير سياسات معينة، وذلك لدعم عجلة التطوير والتنمية الاقتصادية في المستقبل.

على الرغم من ذلك، نرى كثير من الموظفين يعتقدون بأن السياسات الموجودة في الشركة، هي نهج للسيطرة على سلوك الموظف. ويبدو ذلك صحيحاً، لكن السياسات توفر للموظفين أيضاً درجة من الحرية ضمن مستويات محددة. ومع توافر سياسات جيدة، يستطيع الموظفون تنفيذ واجباتهم بحرية في العمل، وذلك ضمن الحدود التي تحددها السياسة المعنية دون إشراف إداري مستمر من قبل المسؤول المباشر. بهذه الطريقة، تمكّن السياسات الموظفين من القيام بالشيء الصحيح وفقاً لتوجه الشركة. ومنه، وجود مثل هذه السياسات يساعد في تحقق المنافع التالية:

1- أنها تساعد على تجنب التناقضات التي تحدث مع قوانين وأهداف الشركة.

2- توفر الغطاء القانوني لحماية الشركة من التبعات القانونية المحتملة أو الغش الوظيفي.

3- أخير يمكنها أن تكون أداة للتدريب داخل الشركة في كثير من الأوقات.

لكن يحدث في كثير من الأحيان وجود سياسات خفية أو غير مكتوبة في نفس الشركة، وهذه السياسات لا تكون محسوسة بداية الأمر، إلا أنها بعد مضي فترة من الزمن تبدأ بالظهور على السطح. إذ يتولد نوع من الشعور غير المريح لدى العاملين بأن هناك تضارب مع قيم وأهداف الشركة. هذه الفئة الأُخرى من قواعد العمل لم يتم كتابتها في أي مكان آخر، ولا تحكم الطريقة التي يتم بها إجراءات العمل فحسب، بل إنها تحدد ثقافة الشركة كذلك. ومثل هذه السياسات غير المكتوبة في أماكن العمل تُعتبر ممارسة شائعة بين شركات الأعمال في سنغافورة على سبيل المثال، وذلك كما توصل إليه مجموعة من الباحثين في دراستهم حول “العواقب غير المقصودة: في السياق الاجتماعي للناجين من السرطان والعمل”. إضافة الى ذلك أظهرت دراسة حديثة أُخرى قام بها كل من الباحثين فيانايكا ورامزوامي على قطاع تكنولوجيا المعلومات، أنّ 33% من إجمالي الشركات الإيرلندية التي شملها الاستبيان خلال الفترة ما بين 1992 إلى 1995 ليس لديهم سياسات مكتوبة.

على الرغم من أنّ هذه السياسات ربما تُصاحبها إجراءات عمل خفية، إلا أنها مع مرور الوقت تكون ملزمة دون أن يعلم الآخرون كيف حدث هذا الأمر في الأساس، حيث تعرّف معظم الموظفين على هذه السياسات من خلال سؤال أعضاء الفريق الذين كانوا معهم على سبيل المثال، أو عبر الاستفسار عمّا يحصل في الشركة، أو ببساطة عن طريق مراقبة ما يعمل أو ما لا يعمل في الشركة. وهذا ما أكده جون بيسون ضمن مقاله الذي نُشر في مجلة هارفارد بزنس ريفيو بعنوان “لماذا لم تحصل على هذه الترقية”. أكد جون أنّ العديد من القواعد غير المكتوبة من الصعب تتبعها، لأنها لا تتعلق بالقدرة التقنية، والخبرة في مجال الصناعة، أو المعرفة التجارية، بل تتعلق بالمهارات “اللينة” كما يُطلق عليها وهي التي تمكّن شخصاً ما من التفاعل بشكل فعال وانسجام مع الآخرين. وتجمع بين إعطاء صانعي القرار شعوراً بديهياً بما إذا كان المرشح سينجح في الرتب العليا أم لا. إضافة الى ما سبق، أفادت دراسة قام بها كافيتا كافالي في كلية التجارة وإدارة الأعمال بجامعة ظفار بسلطنة عُمان، بأنّ العالم العربي له العديد من الممارسات والقواعد غير المكتوبة والتي تقيّد المشاركة الاقتصادية والاجتماعية للمرأة لتصبح جزءاً من النشاط الريادي المدر للدخل والقوة العاملة. لذلك فإذا كانت هذه السياسات موجودة بالفعل في الشركات ما هي سلبياتها وكيف يمكن التعامل معها؟

هذا النوع من السياسات غير المكتوبة يؤثر على جميع أنشطة الشركة، وله تأثير سلبي كذلك على الروح المعنوية والإنتاجية وأكثر من ذلك بكثير. فقد يكون التأثير السلبي على العاملين وعلى الشركة ككل، إذ يمكن أن:

  • تقيد وتمنع الشركة من تطوير أدائها وتحقيق أهدافها.
  • تسبب نوع من التضارب مع المصالح العامة للشركة.
  • تتعارض مع قوانين العمل المعتمدة.
  • تُسبب نوع من حالة الإرباك لدى الموظفين العاملين في المؤسسة.
  • تُؤثر على القيم المعتمدة والمتعارف عليها في الشركة بشكل سلبي.

لذلك، يُصبح التعامل مع السياسات غير المكتوبة أمراً صعباً للغاية، وفهمها يُصبح أكثر تعقيداً بالنسبة للموظفين، لأن هنالك صعوبة في معرفة مصدرها الأساسي. إلا أنه يوجد طرق للتعامل مع هذا النوع من السياسات غير المكتوبة. أولاً، يجب أن يتم معرفة السياسات غير المكتوبة من خلال مقابلة الموظفين أو خلال الحلقات النقاشية أو توزيع استبيانات. ثانياً، وبعد معرفتك لهذه السياسات يتم تجميعها وفرزها وتصنيفها وتحليها وتحديد ما إذا كان يمكن أن يتم الاستفادة منها جميعها أو بعضها في الشركة. ثالثاً، معالجة هذه السياسات غير المكتوبة عبر تحويلها إلى مقننة ومعتمدة على مستوى الشركة وتثقيف وتدريب العاملين عليها لاحقا. رابعاً، بعد تقنينها والتدريب عليها يتم تزويدها ميزة تنافسية عن الشركات الأُخرى وتحويلها إلى نموذج عالمي إذا أمكن عبر عمل مقارنات معيارية لها. لذلك، أياً كان الإجراء الذي تتخذه الشركة لعكس سياسة غير مكتوبة يجب أن تؤدي بشكل لا لبس فيه إلى السلوك المطلوب.

أخيراً، يمكننا القول إن وضع وتنفيذ سياسات سليمة ووجود مساءلة سلوكية هو في الواقع أفضل طريقة تم تجربتها عالمياً لتعزيز ثقافة آمنة ومحترمة، حيث يعرف جميع الموظفين ما هي السلوكيات المقبولة وما هي السلوكيات التي يمكن أن تؤدي إلى إجراءات تأديبية أو مقبولة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2017.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz