أجرت هارفارد بزنس ريفيو مقابلة في أحد برامجها الصوتية (بودكاست) مع إيفوسا أوجومو رئيس قسم الازدهار العالمي في معهد كلايتون كريستنسن والمؤلف المشارك لكتاب "مفارقة الازدهار" (The Prosperity Paradox) ومقالة هارفارد بزنس ريفيو المعنونة "اختراق الأسواق الناشئة".

وننقل لكم مقتطفات من هذه المقابلة.

أليسون بيرد: مرحباً بكم في برنامج "آيديا كاست" المقدم من هارفارد بزنس ريفيو. معكم أليسون بيرد. في عام 1960، بلغ نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي لكوريا الجنوبية 155 دولاراً أميركياً. وكانت كوريا الجنوبية من أفقر دول آسيا. والآن، هي واحدة من أنجح دول المنطقة، حيث يبلغ نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي 27,500 دولار أميركي، وتحولت من دولة متلقية للمعونات الأجنبية إلى دولة متبرعة بها. فما الذي أطلق شرارة هذا التحول من اقتصاد ناشئ إلى اقتصاد متقدم في بحر جيل واحد؟

وفقاً لما جاء في كتاب جديد لكلايتون كريستنسن وإيفوسا أوجومو وكارين ديلون، لم يكن الدافع تدفقاً للمعونة الدولية أو الاستثمار والتدخل الحكوميين، وإنما ريادة الأعمال محلية النشأة. لقد كان الدافع رؤية الكوريين لفرص لم يرها الأجانب، وخلقهم لأسواق لم يكن لها وجود في السابق، والأهم من ذلك كله استثمارهم في البنية التحتية التي كانوا بحاجة إليها لاستدامة تلك الأعمال. ولم ينتظر هؤلاء المبدعون حتى تصبح كوريا الجنوبية دولة مستقرة ومتوقعة ومزدهرة قبل أن يقفزوا، بل قفزوا ثم تبعهم الازدهار.

درس إيفوسا أوجومو الموجود معي في الأستوديو اليوم كيف تجري تلك العملية في الأسواق حول العالم، بداية من مسقط رأسه نيجيريا وحتى الهند والصين. ولقد درس أيضاً بلداناً أخرى بدت حبيسة تنميتها الاقتصادية، ويعتقد أن التنفيذيين ورواد الأعمال والمستثمرين ينبغي أن يبحثوا عن فرص لإتقان العمل وتحقيق أرباح في آن واحد في خضم هذه الصراعات.

أشكرك جزيلاً، إيفوسا، على انضمامك إليّ.

إيفوسا أوجومو: من الرائع أن أكون هنا يا أليسون. أشكرك على استضافتك لي.

أليسون بيرد: حسناً، أول انطباع لي، وأظن أنه نفسه انطباع كثيرين عندما نحيط علماً بأساسك المنطقي الذي تستند إليه وهو أن الأسواق المتخلفة عن الركب – وأعني الأسواق الجديدة – ليست بالأماكن التي يسهل حقاً مزاولة الأعمال فيها. فعملاؤك المرتقبون فقراء، والموردون غير موثوقين والحكومات ربما كانت فاسدة. وبالتالي، لِمَ تقترح أن يوجه الناس بوصلتهم إلى تلك الأسواق بدلاً من الأسواق المتقدمة، أو بالإضافة إليها؟

إيفوسا أوجومو: أجل، في اعتقادي ربما كان السبب الأبرز وراء اعتقادنا أنّ على الناس النظر إلى هذه الأسواق هو مبدأ أننا كنا في مرحلة ما أسواقاً ناشئة. لقد كانت هناك فترة ماثلت فيها التركيبة السكانية للولايات المتحدة العديد من التركيبات السكانية في الأسواق الناشئة اليوم، أو ربما كانت أسوأ منها. وحال أوروبا شبيه؛ فأنت لم تتكلمي سوى عن كوريا الجنوبية.

والحال الذي تبدو عليه أي سوق اليوم لا يعني بالضرورة أنها ستظل عليه في المستقبل. يمكن أن تتطور الأسواق. وبالتالي، أعتقد أن هذا هو التصور الأول. والثاني هو أنك إذا قصدت سوقاً ناشئة متسلحة بالاستراتيجية السليمة، واستيعاب لدور العمل والابتكار والرأسمالية، حتى لو كانت الظروف غير مواتية، فسيكون بوسعك تحقيق عائد كبير على الاستثمار. ويمكنك أيضاً الانخراط فيما نُطلق عليه اسم "بناء الأمة". يمكنك مساعدة الدولة على الشروع في بناء الكثير من بنَاها التحتية ومؤسساتها والأشياء التي يمكن أن تسوقها إلى الازدهار.

أليسون بيرد: لكن، تبدو لي هذه مهمة شاقة جداً؛ أعني أن تنشغل بمحاولة مساعدة أمة على النهوض في الوقت الذي تبني فيه أعمالك. كيف تستجمع قواك ورؤيتك ورأس مالك لهذا الغرض؟

إيفوسا أوجومو: الأمر يتلخص في ضرب عصفورين بحجر واحد. فعندما تطورين مؤسسة تصنع منتجات وتقدم خدمات بسيطة وفي متناول الجميع، يمكنك خلق سوق جديدة. وعندما تخلقين سوقاً جديدة، تستقطب السوق الكثير من الموارد والأشياء التي تحتاج إليها كي تزدهر وتصمد داخل أي اقتصاد.

وبالتالي، فالأمر يتلخص في استيعاب فكرة أنه عندما يخترق المرء هذه الأسواق، فعليه أن يخترقها مسلحاً بالاستراتيجية اللازمة لخلق سوق جديدة لأناس لم يُتح لهم على مدى تاريخهم منتجات أو خدمات. وبذلك، فإنك لا توفرين وظائف جديدة وحسب للناس، وإنما توفرين أيضاً إيرادات ضريبية، كما تستقطب السوق الجديدة التي أنشأتها العديد من الموارد الضرورية لازدهارها.

أليسون بيرد: ولكن، ما هو نموذج العمل المستعان به لخلق منتجات وخدمات لأناس فقراء فقراً مدقعاً؟ وكيف تحقق ربحاً بالفعل؟

إيفوسا أوجومو: أول شيء سأشرحه في هذا السياق هو السؤال التالي: كيف ننظر إلى السوق سواء الناشئة أو حتى المتقدمة؟ وهناك ثلاثة سبل يمكنك اختراق السوق بها. يمكنك اختراقها بابتكار يخلق السوق، وسأتناول هذه النقطة بالتفصيل خلال ثوان معدودة. والسبيل الثاني هو اختراق السوق باستراتيجية ابتكار مستدامة. وفي هذا السياق، السوق موجودة وقائمة بالفعل. كل ما عليك فعلياً هو تحسين المنتجات الجيدة لا أكثر ولا أقل، بإضفاء نكهة جديدة على الشاي العشبي، أو تقديم نكهة جديدة من معجون الأسنان للمستهلك.

والسبيل الثالث الذي تشتهر به كثير من الأسواق الناشئة هو ما نُطلق عليه اسم "ابتكارات الكفاءة". والآن، هذه ابتكارات تجعل المنتجات الجيدة أرخص ثمناً. عليك أساساً إسناد الأعمال إلى مصادر خارجية واستغلال الأجور الأقل في منطقة أخرى. وإلا عليك اللجوء إلى استخراج قدر كبير من الموارد. ففي العديد من الاقتصادات الناشئة، ومثال عليها نيجيريا وغانا والمملكة العربية السعودية، يستغل الناس الموارد الطبيعية.

والآن، فيما يختص بالسوق التي تخلق ابتكارات، أول شيء عليك تحديده هو ما نُطلق عليه اسم "انعدام الاستهلاك". وانعدام الاستهلاك في جوهره ظاهرة تفسر كيفية استفادة كثير من الناس في منطقة ما من تيسير حصولهم على منتج أو خدمة محددة. ولكن، نظراً للتكلفة والخبرة الفنية الضرورية لاستخدام المنتج وتوافره، فهُم ليس لديهم القدرة على الوصول إليه. وما أن يتم تحديد انعدام الاستهلاك، فستجدينه علامة مميزة وهامة على أن هناك سوقاً كبيرة لخلق فرصة في البلد.

أليسون بيرد: حتى لو كان المنتج أو الخدمة التي تبيعها لكل فرد رخيصة جداً؟

إيفوسا أوجومو: قطعاً. ما أن تنتهين من تحديد انعدام الاستهلاك، يتعين أن تكون استراتيجيتك كالتالي: كيف أجعل هذا المنتج الذي أعتقد أن الناس بحاجة إليه بسيطاً وميسور التكلفة؟ وهناك مثال على ذلك يعكس هذه المسألة بحق ألا وهو شركة سيلتل (Celtel). وهي شركة للهواتف المحمولة اخترقت العديد من البلدان الأفريقية.

ولكن، إذا فكرت في الأمر، منذ 20 عاماً، ستجدين أن اختراق الهواتف المحمولة للسوق في أفريقيا كان أقل من 2 إلى 3%. وكانت غالبية الهواتف موجودة في دولة واحدة هي جنوب أفريقيا. قال رائد الأعمال السوداني محمد إبراهيم الذي كان يعيش في لندن آنذاك: "بوسعي أن أستشف قدراً كبيراً من انعدام الاستهلاك. ولكن، عندما أنظر إلى حياتهم، أتصور أنها ستتحسن إذا أمددناهم بتلك الخدمة".

كُنت إذا أردت أن أقوم بزيارة لأمي، أُضطر إلى أن أسلك الطريق الوعرة المؤدية إلى القرية. وإذا أردت أن أرسل رسالة لصديق أو رب عمل، كنت أُضطر إلى أن أقصده بنفسي. لم تكن هناك آلية للتواصل. قرر محمد إبراهيم أن هناك فرصة عظيمة لسوق الهواتف المحمولة. وأطلع مجموعة من أصدقائه في لندن عليها. وأجابوه بقولهم: "لقد فقدت عقلك، يا محمد! هذه أفريقيا التي تتحدث عنها. وأهلها مصابون بالإيدز، ومنكوبون بالفساد والفقر". أعني أن قائمة مصائبهم لا تنتهي.

الآن، الأمر اللافت للنظر أنهم كانوا محقين؛ غير أن محمد لم يكن مخطئاً هو الآخر لأنه رأى الموقف من زاوية مختلفة. وقرر في عام 1998 أن يشرع في بناء البنية التحتية للهواتف المحمولة في حوالي 7 دول في أفريقيا. واستطاع في غضون 7 سنوات ليس فقط من  تأسيس شركة استقطبت ملايين الناس ممن اقتنعوا آنذاك باستخدام منتجاته وخدماته، بل استطاع أيضاً أن يخلق آلاف الوظائف للناس، ويشعل بحق شرارة ثورة الهواتف المحمولة في القارة السمراء والتي تُقدر قيمتها في الاقتصاد الأفريقي الآن بأكثر من 200 مليار دولار أميركي.

أليسون بيرد: ولكن، أكرر أن هذه التجربة تبدو استثماراً أولياً ضخماً ينطوي على بناء أبراج خلوية وتثقيف القوى العاملة وكل شيء كان بحاجة إلى إنجازه. وبالتالي، كيف يمكنك جمع رأس المال اللازم لإنجاز هذا المشروع في الوقت الذي لا يؤمن أحد بأنه مشروع مقنع؟

إيفوسا أوجومو: إنه كم هائل من العمل! ولا ريب في ذلك. لكن المبهر فيه هو أننا ونحن نعكف على إجراء أبحاث لهذا الكتاب وللمقالة، اكتشفنا أنّ ما أنجزه محمد إبراهيم لم يختلف اختلافاً كبيراً عما أنجزه رائد أعمال نعشقه جميعاً في الولايات المتحدة منذ حوالي 120 سنة، ألا وهو هنري فورد.

إذا عدنا إلى أوائل القرن العشرين، سنكتشف أن السيارات كانت مجرد ألعاباً يلهو بها الأثرياء، وكانت أشبه بالطائرات الخاصة في عصرنا هذا. وها هو هنري فورد فتى المزرعة الوافد من مدينة ديترويت وبالكاد نال تعليماً ثانوياً يظهر على مسرح الأحداث. لقد كان بارعاً، إذ قال: "سأتوصل إلى طريقة أجعل بها السيارات ميسرة وفي متناول المواطن الأميركي العادي".

وعانى هنري فورد الأمرين لإقناع المستثمرين بفكرته. والواقع أنه خسر عدداً كبيراً من المستثمرين لأنه كان يملك شركة تصنيع سيارات تصنع سيارات فخمة وأخرى بحسب الطلب للأثرياء. وعندما صرح بأنه يود تصنيع سيارة وأن يحاول بيعها بأقل من 1,000 دولار آنذاك، خسر مستثمريه. قالوا له: "هذا جنون! لن يحدث ذلك مطلقاً. فكيف تصنع سيارات في بلد ليس فيها أي طرق في واقع الأمر؟".

لكنه أصر على رأيه. واستطاع أن يجمع الأموال اللازمة، عادة من مستثمرين أفراد. ولكن اللافت في هذا السياق هو ما فعله بتلك الأموال التي جمعها. لم يُشعل هنري فورد ثورة في خط التجميع، بل بادر ببناء مصانع للصلب لتوفير الصلب الذي كان بحاجة إليه. وأنشأ مصانع للزجاج، وخطوط سكك حديدية لنقل سياراته. وأقام محطات وقود والكثير من البنى التحتية الضرورية كي يستطيع إمداد الناس بالسيارات بحيث يكون باستطاعتهم، عند شرائهم سياراته، التمتع بتجربة خدمية رائعة.

إننا نرى أمراً مماثلاً يجري هنا في الشركات الناجحة التي تخترق الأسواق الناشئة. إذا كنت تتحلين بالصبر الكافي لخلق سوق وإنشاء البنية التحتية الضرورية للأشياء التي تحتاجين إليها بغية توفير المنتج والخدمة لأكبر عدد ممكن من الناس، فسيكون مستقبلك واعداً للغاية.

أليسون بيرد: ولكن، ما الوقت الذي تستغرقه هذه العملية عادة؟

إيفوسا أوجومو: الآن، هذا سؤال وجيه. وأنا لا أتفاداه. لكن الأمر يعتمد على عدد من المتغيرات.

أليسون بيرد: وكأني كنت أعلم بأنك ستقول ذلك. وبالتالي، فلا بأس.

إيفوسا أوجومو: الأمر يعتمد على عدد من المتغيرات. لقد استطاع محمد إبراهيم الذي كنت أتحدث عنه من قبل أن يبيع شركته في غضون 7 سنوات مقابل 3.4 مليار دولار. وهو الآن يُعد أحد أغنى أغنياء القارة الأفريقية. ولكن، ثمة شركة أخرى تُدعى "تولارام أفريكا" اخترقت السوق النيجيرية منذ 30 عاماً، وتحديداً منذ عام 1988، وصرحت بأنها ستخترق هذا البلد الذي يحكمه ديكتاتور عسكري ويعيش 80% من سكانه في فقر مدقع، حيث يبلغ نصيب الفرد أقل من دولارين يومياً. ولا تملك نيجيريا بنية تحتية، والمستوى التعليمي لسكانها بائس جداً. أعني أن كل ما يُخيل إليك من مقومات التردي والبؤس موجود. فنيجيريا هي مسقط رأسي.

وعليه، دخلت الشركة السوق النيجيرية منذ 30 عاماً، وحدثت نفسها قائلة: "لنتوصل إلى طريقة نبيع بها المعكرونة الصينية لهؤلاء الناس". الآن، عليك استيعاب أن هذا البلد يقع في غرب أفريقيا، وأننا لم نأكل المعكرونة الصينية من قبل قط. وكثير من النيجريين حسبوا أن المعكرونة الصينية هي عبارة عن ديدان. لكن الشركة اخترقت السوق النيجيرية مسلحة باستراتيجية شبيهة باستراتيجية محمد إبراهيم وهنري فورد، وقالت: "إننا نؤمن بأن هناك انعدام كبير في الاستهلاك. وهذا البلد يتمدن بسرعة كبيرة. ووقت الناس ضيق، وليس بوسعهم طهي وجبات كاملة أو ليس لديهم الوقت اللازم لطهي وجبات كاملة كما كانت عادتهم".

وبالتالي، بدأت الشركة تستثمر، فدربت الناس وعرفتهم بطبيعة المعكرونة الصينية. وعدلت مذاقها بحيث تتماشى مع طبيعة سكان نيجيريا. وأنتجت الشركة الكهرباء والمياه الخاصتين بها. وهذه الأعمال أنجزوها بمرور الوقت. غير أن التركيز كان دوماً على التوصل إلى طريقة لاستهداف انعدام الاستهلاك الجماهيري هذا الذي لمسوه.

وإذ أقدمت الشركة على هذه الخطوة، فهي الآن تجني إجمالاً حوالي مليار دولار أميركي سنوياً، وتوفر وظائف مباشرة لقرابة 50 ألف شخص في نيجيريا، وتدير 13 مصنعاً ولديها عشرات الآلاف من منافذ البيع بالتجزئة والتوزيع. والآن، فإن عملية خلق سوق جديدة تلك هي التي تشعل بحق شرارة تنمية العديد من البلدان.

أليسون بيرد: لقد استهللنا هذا البرنامج بالحديث عن كوريا الجنوبية ونماذج الرواد ورجال الأعمال الذين أسسوا شركات، وأعني شركات صانعة لأسواق جديدة، ثم أحدثت تلك الشركات تحولاً في الاقتصاد برمته في غضون 50 عاماً. ماذا عن تحقيق كوريا الجنوبية لهذا الإنجاز بسرعة؟ وهل تلمس إمكانات لحدوثه في بقعة أخرى من بقاع العالم؟

إيفوسا أوجومو: حسناً، كوريا الجنوبية دولة مثيرة جداً. فبعد الحرب الكورية، أمست منقسمة إلى حد بعيد. وكثير من الناس ربما لا يعلمون أن كوريا الشمالية كانت بلداً صناعياً أكثر من كوريا الجنوبية بكثير، وأغنى من كوريا الجنوبية بعد الحرب. وبعد الحرب، حصلت كوريا الجنوبية على بعض التمويل من الولايات المتحدة لإعادة الإعمار وعلى سبيل المساعدات.

لكن، الأمر اللافت حيال ذلك أن المساعدات التي وُجهت إلى كوريا الجنوبية سُميّت في الأساس "مساعدات لإنهاء المساعدات". وبتعبير آخر، لم تكن تلك المساعدات إمدادات لا تنضب من الأموال، بل كانت تعني أنهم سيمدون يد المساعدة لهم لإعادة بناء اقتصادهم، على أن تكون لديهم استراتيجية خروج وتاريخ محدد ينسحبون فيه. وعليه، فقد كان هناك تركيز محدد هناك.

ولكي ينجز الكوريون الجنوبيون ذلك، استوعبوا أن على بلدهم أن يصبح قادراً على البقاء والصمود اقتصادياً. وبالتالي، في هذا الظرف تحديداً، أدت الحكومة دوراً في ضمان أن يصبح الاقتصاد الكوري أكثر إنتاجاً. والسبب الذي يجعلني أتردد في الحديث عن الحكومة الكورية الجنوبية هو أنه في أغلب الأحيان، عندما تتناهى هذه القصة إلى مسامع الناس، فإنهم يستبعدون هذه الفكرة؛ وأعني فكرة أن "حسناً، هذا يعني أنه لا بد أن يكون لدينا نوع من الحكومة الاستبدادية. وأن علينا أن ندخل البلد ونروج لأجندة ما". وهذه مسألة مجربة في العديد من بلدان العالم، وعادة ما لا تفلح. ونسبة النجاح إلى الخسارة لدينا بائسة جداً.

وبالتالي، بدلاً من ذلك، نريد أن ينصب تركيزنا على السؤال التالي: "ماذا كانت الآليات الكامنة التي ساعدت البلد حقاً على الازدهار؟". وعندما تنظرين إلى المسألة، ستجدين أن الآلية واحدة لا تتغير. وتتلخص الآلية في فكرة خلق منتجات جديدة وتبسيطها وجعلها ميسرة التكلفة بحيث يستطيع عدد غفير من الناس شرائها داخل الاقتصاد المستهدف وخارجه بالفعل.

أليسون بيرد: حسناً. وأحد أبرز الأمثلة شركة كيا، أليس كذلك؟

إيفوسا أوجومو: أجل. عندما تنظرين إلى مكانة الشركة حالياً ومكانتها منذ ما يقرب من 70 أو 80 عاماً، فستكتشفين أنها ليست حبيسة المكان الذي انطلقت منه بالفعل. فقد بدأت بصناعة سيارات للكوريين الجنوبيين في كوريا الجنوبية. وكانت سياراتها تناسب أبناء البلد حقاً، أو الشريحة السكانية الجنوب شرق آسيوية، إذا جاز التعبير. واضطرت الشركة إلى تصنيع السيارات على هذا النحو كي يستطيعون القيادة على الطرق الوعرة. وتحتم عليهم تصنيعها بطريقة معينة تجعلها ميسرة من حيث التكلفة لكثير من الكوريين الجنوبيين. واضطروا أيضاً إلى صناعتها بطريقة تتكامل تكاملاً جيداً مع صناعات أخرى كان الكوريون يؤسسون لها آنذاك، ومنها على سبيل المثال صناعة الصلب.

ولما صنعت الشركة هذه السيارات، اكتشفت أن بوسعها خلق فرص عمل كثيرة، وبمرور الوقت، بينما تخلقين هذه السوق الجديدة، تشرعين في الاستثمار لتحسين المنتج شيئاً فشيئا. وبعدها تبدئين في تصدير المنتج، وتستطيعين البدء بالمنافسة أكثر فأكثر. وكل هذه المستويات تخلق وظائف وفرصاً للناس في اقتصادك.

أليسون بيرد: إذاً، هل تنجح هذه العملية بشكل أمثل عندما يكون رواد الأعمال من أبناء البلد؟ أعني عندما يكون الأمر بأيدي أُناس على دراية بالسوق عن ظهر قلب؟

إيفوسا أوجومو: أجل، ولكن، مرة أخرى هناك تفسير منطقي. طالما كان تركيزك كمستثمرة ورائدة أعمال على خلق سوق جديدة تساعد الكثيرين على تحقيق تقدم في المجتمع، فليس مهماً في واقع الأمر من أين أتيت. ويصادف وحسب أن تكونين على الأرجح من أبناء المنطقة لأنك تفهمين الصراعات وتستوعبين الثقافات. ولكن، إذا كنت أجنبية، فلديك أيضاً الفرص للمشاركة في أنشطة خلق سوق جديدة.

أعتقد أنه يجب استيعاب فكرة أنني لو اخترقت هذه السوق، لن يكون بوسعي التوجه إليها لفترة قصيرة الأجل وحسب. ولا يمكنني دخول السوق والاستثمار ثم الانسحاب إذا ما تغير الموقف السياسي، أو إذا تذبذب سعر الصرف تذبذباً طفيفاً. عليك أن تدخل السوق متسلحاً بنظرة بعيدة الأجل شيئاً ما، ودراية بأن بوسعنا خلق سوق جديدة بالفعل.

أليسون بيرد: في عدة بقاع من العالم حيث توجد مستويات عالية من الفساد، كيف تتعامل مع هذا الموقف تحديداً؟

إيفوسا أوجومو: حسناً، الفساد معضلة كبيرة في كثير من بلدان العالم. وهو أيضاً أحد الجوانب التي تناولناها في الكتاب. دعيني أكون أول من يقول إنه لا توجد حلول سهلة لهذه المشكلة، لا توجد حلول سهلة للفساد. والآن، ما حاولنا إنجازه إذ وضعنا هذا الكتاب وأجرينا هذا البحث، لاسيما متى تعلق الأمر بتوجيه المستثمرين إلى استثمارات طويلة الأجل واستثمار رأس مال كبير، هو أننا حاولنا فهم ماهية الفساد والسبب الذي يدفع الناس إلى التورط فيه.

واكتشفنا أن الفساد بالنسبة لعدد كبير من الناس في هذه الاقتصادات هو الطريقة المثلى التي يحلون بها مشاكلهم. فالناس لا يستيقظون من سباتهم كل يوم ليجدوا في أنفسهم رغبة للفساد. كل ما في الأمر أن الاقتصاد لا يقدم لهم سبلاً مجدية لرعاية أُسرهم وإلحاق أطفالهم بالمدارس وسداد فواتير خدمات الرعاية الصحية، وهكذا دواليك. وما أن استوعبنا هذه الحقيقة، شرعنا في النظر إلى السبل التي حلّت بها الدول الأخرى مشاكل الفساد لديها. وأدركنا أن هناك تطوراً بالفعل.

كثير من الدول استهلت مساعيها عندما كانت فاسدة جهاراً شأنها شأن غالبية الدول الفقيرة اليوم. ولكن، حينما بدأ رواد الأعمال يخلقون أسواقاً جديدة في تلك الدول، وفي ظروف لم تكن مشجعة، بدأ الناس يجدون أمامهم خيارات إضافية، والمكاسب المالية التي حققوها تيسر الآن توجيهها إلى تمويل بناء حكومات ومؤسسات أفضل.

وعليه، إذا كنتِ تقودين اليوم شركة تتطلع إلى أسواق ناشئة، فأول شيء يتعين عليكِ فعله هو إدراك أن هؤلاء الناس في المقام الأول ليسوا من عجينة أخرى أو أنهم غريبو الأطوار، وإنما هم فاسدون لا أكثر ولا أقل. نحن أيضاً أمضينا رحلة في الفساد. ثانياً، أن أي بلد فاسد اليوم لا يعني بالتبعية أنه سيظل فاسداً في المستقبل. وبالتالي، ينبغي أن أضع استراتيجية مفادها أنني سأدخل السوق ولن أشارك في الفساد، بل سأتيح فرصة اقتصادية بدلاً من ذلك. والطريقة المثلى التي نعرفها لإنجاز ذلك هي تبسيط الأشياء وجعلها في المتناول، وخلق سوق جديدة.

باعتراف الجميع، سيستغرق الأمر فترة أطول نوعاً ما لأنك لا تلجأ للرشاوي. يمكن أن يحتجز الناس منتجاتك في الميناء، وما شابه ذلك من أفعال. هذه الأمور ستحدث لا محالة. غير أنه لحظة أن يبدأ الناس في استيعاب فكرة أن هذه المؤسسة ستظل هنا لفترة طويلة، ستصبح جزءاً لا يتجزّأ من اقتصادنا. وحقيقة الأمر، أنك تتحول إلى نبراس أمل لكثير من الناس في الاقتصاد.

ومن بين الشركات التي نتحدث عنها شركة روشان في أفغانستان؛ وهي واحد من أكثر بلدان العالم فساداً، غير أن هذه الشركة لم تدفع أبداً رشوة واحدة. وتقدم الشركة خدمات الاتصالات المتنقلة لكثير من الأفغانيين، ولم تدفع في الواقع رشوة قط.

إنك تتأملين في هذا اللون من الصناعات، حيث يتعين عليك استخراج تصاريح من الحكومة وتوظيف عدد مهول من الموظفين وبناء أبراج خلوية، ومع ذلك فهم لم يدفعوا رشوة قط. والآن، أمست الشركة على شفا أن تتحول إلى جهة مراقبة لمكافحة الفساد نوعاً ما. ولقد استغرق منهم الأمر فترة أطول بعض الشيء مما لو كانوا ركنوا إلى دفع رشاوي، لكن هكذا يتعين عليك بدء عملية التخلص من الفساد.

أليسون بيرد: أجلحسناً، لقد شاركتنا بحق الكثير من قصص النجاح الآسرة. لكن، هناك العديد من الشركات والأشخاص بالتأكيد ممن اخترقوا تلك الأسواق وباءت جهودهم بالفشل الذريع أيضاً. إذا حدث ذلك، فما الخطأ الذي وقع فيه الناس؟

إيفوسا أوجومو: حسناً، أعتقد أن بوسعك اختراق الاقتصادات الناشئة والتركيز على ما نُطلق عليه اسم "اقتصاد الاستهلاك". وأعني به اقتصاد الأشخاص الذين يستهلكون بالفعل الكثير من المنتجات والخدمات. وهذه سوق صغيرة جداً في نهاية المطاف. وعليه، فإنك تخترقين السوق، وينتهي بك الحال أغلب الأحيان إلى المنافسة على الأسعار، وتجدين أنه من الصعب تمييز نفسك.

والأمر الآخر الذي لاحظناه أن كثيراً من الشركات تدخل تلك الدول ولا تجيد عملها، حيث تتبع الاتجاهات الديموغرافية. وعليه، فهي تتبع مثلاً اتجاه أفريقيا الصاعدة، وهذه الطبقة الوسطى الصاعدة. وتعتقد أن بوسعها استيراد نماذج الأعمال التي كُللت بالنجاح في اقتصادات أكثر تقدماً إلى اقتصادات مختلفة يقول الناس الذين يعيشون في كنفها إن ثمة طبقة وسطى صاعدة دون أن يعوا حقاً تفاصيل كيفية اختراق تلك الاقتصادات، وفهم ثقافتها ونظمها ومن ثم صنع نماذج العمل التي تخاطب الناس في تلك الاقتصادات.

أليسوب بيرد: حسناً، أعلم أنك تعاملت بداية مع هذه المشكلة بطريقة مختلفة تماماً إذ حاولت مساعدة أبناء جلدتك النيجريين على أن يعيشوا حياة أفضل. وعليه، قص عليّ رحلتك الخاصة، بداية من الإيمان حقاً بالمعونة الدولية حتى الاعتقاد بأننا بحاجة إلى أن نتبنى نهجاً أوسع نطاقاً وأكثر شمولاً.

إيفوسا أوجومو: بالتأكيد. لقد جئت إلى الولايات المتحدة مهاجراً عام 2000 للالتحاق بالجامعة، وودعت نيجيريا. ولم أكن أعتزم العودة قط. وبعدها، قرأت ذاك الكتاب الذي وضعه أحد أساتذة علم الاقتصاد في جامعة نيويورك. كان الكتاب بعنوان "عبء الرجل الأبيض" (The White Man’s Burden). وكان يشرح بحق السبب وراء فشل الجهود المبذولة في الغرب لأجل تحقيق ازدهار اقتصادي. وأهدى المؤلف الكتاب إلى فتاة إثيوبية تبلغ من العمر 10 أعوام اضطرت إلى الاستيقاظ في الثالثة صباحاً والمشي لمسافات طويلة لجلب الحطب وبيعه كي تتمكن من إعالة أسرتها.

طالعت الكتاب في فبراير/شباط عام 2008، فزلزل كياني كله. وحدثت نفسي أن: "علينا أن نفعل شيئاً حيال ذلك". وعليه، لملمت شمل بعض الأصدقاء، وأنشأنا مؤسسة أسميناها هنا ينتهي الفقر "بافورتي ستوبس هير" (Poverty Stops Here) وانصب تركيزها على قصد تلك المناطق وحفر آبار وإمداد الناس بالتمويل لأغراض التعليم، ومنحهم قروض مصغرة تتراوح ما بين 200 و300 دولار بحيث يتسنى لهم إدارة أعمالهم. وبعد عامين، انهارت الآبار ولم تكن هناك آلية لإصلاحها.

وراودني شعور بأنني أطالب الناس بأموالٍ طائلة يكدون في عملهم لكسبها. سأستثمر هذه الأموال في بناء بئر، وفي غضون فترة تتراوح ما بين ستة أشهر وسنة سينهار البئر. ثمة خطأ ما يعيب هذه المعادلة. وهكذا بدأت فعلاً العملية التي قلت استناداً إليها إنني بحاجة إلى أن أدرس هذا المجال.

وقَدمت إلى كلية إدارة الأعمال، وحالفني الحظ إذ التقيت الأستاذ كلايتون كريستنسن الذي قال لي: "إيفوسا، دعا نؤلف كتاباً عن هذه التجربة. أعتقد أن الابتكار لديه ما يطلعنا عليه". والآن، بدلاً من التركيز فقط على محاولة تخفيف عبء الفقر أو النظر إلى هذه البلدان جميعها – تلك الاقتصادات الناشئة – كمجموعة من الفقراء، فلن تجدين فرصة هناك. إذا غيرنا المنظور الذي ننظر به إلى هؤلاء الناس، وحدثنا أنفسنا قائلين: "عجباً، انطلاقاً من حقيقة أنهم يستيقظون كل يوم ويجاهدون ويعانون، فإن ذلك يمثل فرصة عظيمة".

إننا لا نعرف الإجابات، لكن بوسعي أن أعدك بأنه لو قصد رائد أعمال ومستثمر تلك الاقتصادات، ونظر إلى المشكلة من منظور مختلف، وحاول أن يقدم حلاً بسيطاً وميسراً، فسوف يجني ثماراً عظيمة، غير أنه سيتمتع بميزة إضافية تتمثل في تحسين حياة الملايين.

أليسون بيرد: أشكرك جزيلاً. لقد كان من دواعي سروري أن أتحاور معك.

إيفوسا أوجومو: الشرف كله لي أنا. شكراً لك.

أليسون بيرد: كان معكم إيفوسا أوجومو رئيس قسم الازدهار العالمي في معهد كلايتون كريستنسن، والمؤلف المشارك لكتاب "مفارقة الازدهار". يمكنكم العثور على مقالته "اختراق أسواق ناشئة" على موقع HBR.org.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!