يعتبر قدوم شهر يناير/كانون الثاني بالنسبة لكثير من القطاعات الصناعية في الولايات المتحدة الأميركية إيذاناً باستهلال العام الجديد بمجموعة من الرحلات إلى المعارض التجارية الضخمة، بداية من معرض أميركا الشمالية الدولي للسيارات في ولاية ديترويت مروراً بمعرض الإلكترونيات الاستهلاكية في لاس فيجاس، وانتهاء بالمعرض الكبير التابع للاتحاد الوطني لتجارة التجزئة الأميركية في مانهاتن.

وكل معرض يقدم لمحة عن الاتجاهات الراهنة والتحولات التقنية والشركات الناشئة التي تتمتع بإمكانات تؤهلها للتأثير في قطاع صناعي محدد. والذين يحالفهم الحظ بالحضور سيجوبون أرض المعرض ويجلسون للاستماع إلى الكلمات الرئيسة ويحضرون الاجتماعات في حلاتهم الرسمية ويشهدون التجارب الأولية لبعض المنتج، ومن دون أدنى شك سيحتسون أنواعاً متنوعة من المشروبات في حفلات الاستقبال.

وتُعتبر هذه الفعاليات مفيدة للأفراد وفرق العمل الصغيرة التي تحضرها. لكن، كل من لا يحضر تلك الفعاليات في المؤسسات تتناهى إلى مسامعه أصداء خافتة عما جرى فيها. لعل هناك ملخص للتعرف على مجريات الأحداث يناقش بعدها بأسبوع أثناء الغداء، أو لعل هناك تقرير عن الفعالية يُرسل بالبريد الإلكتروني إلى الزملاء وهكذا.

لقد اتضح أنّ غالبية الشركات تنفق وقتاً أطول وأموالاً أكثر على استكشاف الاتجاهات السائدة والتقنيات الناشئة مما تنفق على مشاركة نتائج أعمالها الاستكشافية تلك مع الآخرين داخل مؤسساتهم، أو على خلق سبل لإدارة اختبارات تجريبية وثيقة الصلة بما رأوه. ويشكل حل هاتين المشكلتين فرصة عظيمة لخلق ميزة تنافسية، أو ربما للصمود فحسب كمؤسسة وثيقة الصلة بعملائها في القرن الحادي والعشرين. إنه لأمر محير دوماً عندما أتحدث إلى القادة في الشركات الكبرى ممن يرون الكارثة مقبلة عليهم، ويعلمون أنهم ينطلقون نحوها بسرعة 113 كم/س، غير أنهم لا يفعلون شيئاً لتفاديها.

تعلم الشركات أن الاستكشاف مهم

تدرك الشركات الكبرى أنها بحاجة إلى نظام رادار بوسعه مساعدتها على استشراف المستقبل، وكشف استطلاع أجرته شركة إنّوفيشن ليدر في أواخر عام 2017 عن أنّ غالبية تلك الشركات لديها العديد من الفرق المسؤولة عن تشغيل هذا الرادار في أقسام كالتسويق أو البحث والتطوير أو تطوير المنتجات الجديدة أو مختبر الابتكار. (استجاب للاستطلاع 140 مشاركاً من شركات تتجاوز أرباحها مليار دولار أميركي).

لكننا سألناهم أيضاً عن براعتهم متى تعلق الأمر بالنظر إلى النقاط الظاهرة على الرادار، والتصرف بناء على تلك النقاط. وعلى مقياس من 0 إلى 10 أعطى المستجيبون لاستطلاعنا شركاتهم معدل متوسط مقداره 5 متى تعلق الأمر بالتصرف بشأن الاتجاهات السائدة للمستهلكين التي لاحظوها، و4,8 متى تعلق الأمر باتخاذ إجراءات فيما يخص التقنيات الناشئة.

ما هي التحديات الخمسة الأبرز للتصرف بشكل أفضل؟

وفقاً للمستجيبين للاستطلاع، فإن التحديات هي كالتالي:

  1. الارتباط بمجال العمل.
  2. تحديد الجوانب التي يتعين استكشافها.
  3. وقت إجراء الاستكشاف.
  4. عدد الموظفين الكافي.
  5. التمويل الكافي.

ينطوي التعاطي مع تحديات الموارد الثلاثة الأخيرة على تقديم حجة تؤيد السبب في أهمية النشاط الاستكشافي وبيان مدى قيمته للشركة بطريقة ملموسة. هل تؤمن القيادة العليا بأن التغييرات في عادات المستهلك يمكن أن تمثل تهديداً لمكانة الشركة؟ أو أن أي تقنية جديدة كالتعامل من خلال الأجهزة الصوتية يمكن أن تطمس المنتجات الحالية وتجعلها مهجورة؟ هل هناك حالات يمكنك الاستشهاد بها أفضي فيها عدم التصرف بسرعة إلى خسارة حصة سوقية؟ أو إلى عملية استحواذ متسرعة وباهظة التكلفة على شركة ناشئة؟

لكن التعامل مع أكبر تحديين على الإطلاق – ألا وهما الارتباط بمجال العمل والجوانب الواجب استكشافها – ينطوي على علاقات قوية برؤساء وحدات العمل وفرق الدعم مثل قسم تقنية المعلومات وقسم الشؤون القانونية والقيادة العليا. وبوسع رؤساء وحدات العمل توفير ركيزة ما قصيرة الأجل ذات صلة بالفجوات في أحد خطوط الإنتاج، أو مشاكل يرون أنّ المستهلكين يحاولون حلها. ويمكنهم التقيد بالتزامات الموارد الضرورية لتجربة مفاهيم جديدة ويمكن أن تساعد مهام الدعم على خلق "حقول تجارب" أو استثناءات لإجراءات التشغيل القياسية التي تجعل الاختبارات السريعة المؤقتة ممكنة. وبالنسبة لاستكشاف التغييرات الأطول أجلاً في التقنيات أو الأسواق، يمكن للقيادة العليا الاستفادة مما تفعله فرق الاستكشاف، وكذلك المساعدة على تحديد أولويات النتائج، ولفت الانتباه، كما هي العادة، كلما تجاهل الآخرون في المؤسسة تقديم الدعم الذي وعدوا به لفريق ما يريد إجراء اختبار.

كيف يفلح ذلك في الشركات التي توصلت إلى بعض تفاصيل الاستكشاف بطريقة تضمن قِيمة للأعمال؟

في شركة كيلوغ (Kellogg)، عملاق الأغذية المعبأة في ولاية ميتشغان الأميركية، يشرح نائب رئيس قسم البحث والتطوير العالمي نايجل هيوز أنّ المسوقين غالباً ما يعرضون "الفرص بطريقة موجزة" للمستكشفين الذين يعملون في قسم البحث والتطوير. يقول هيوز: "يقول لنا زملاؤنا في قسم التسويق: اسمعوا، لو كان بوسعكم حل هذه المشكلة، فإننا نعتقد أننا نستطيع تحويلها إلى فرصة تجارية عظيمة" فحسب.

وتابع قائلاً: "كثير من الاستكشافات تحولت مما يمكن أن أدعوه الاستكشاف المستند إلى فكرة إلى الاستكشاف المستند إلى حل كي يصبح موجهاً ناحية الفرص العظيمة التي حددناها من وجهة نظر تجارية".

تقول مونا فيرنون رئيسة قسم التقنية في مختبرات تومسون رويترز إنه إذا كان الاستكشاف منصباً على الأعمال واحتياجات المستهلكين، فينبغي أن يفضي إلى اختبارات تجريبية تسمح بالكشف عن عيوبه الدقيقة أو المواطن التي يحسن تطبيقه فيها أكثر من غيرها. وتضيف فيرنون: "إلى أن تشرع في  بدء تجربة ذات نتيجة تجارية منشودة وفرضية واضحة جلية عما تحاول تعلمه، أعتقد حينئذ أن جهودك ستُكلل بالنجاح لأنك إما ستقطع شوطاً أطول باتجاه التنفيذ وإما ستتعلم من التجربة و"تدرك" أنّ هذا ليس بالشيء الناضج، أو بينما نتعلم أكثر عن هذه التقنية، نظن أنه ينبغي علينا التطلع إلى شراكة كي نستخلص قيمة ما".

تقول تاتيانا زاكريفسكايا، مساعد نائب رئيس قسم الإبداع في شركة مانولايف (Manulife)، عملاق الخدمات المالية، ومقرها مدينة تورونتو: "بقدر ما يبدو الأمر سخيفاً، عليك أن تبحث عن الحب وتدق أبوابه، أنت بحاجة إلى أن تجد راعياً أو صاحب مصلحة ليدعمك على الصعيد التجاري ولديه استعداد لتجربة شيء مختلف، وعليك أن تصرح له بالمزايا بوضوح".

مؤشرات التغيير لا يجب أن تكون سرية للغاية

إنّ الفرصة الأخيرة لانتزاع قيمة إضافية من جهود الاستكشاف التي ربما تقوم بها شركتك بالفعل، تتمثل في التفكير في هوية المشاركين فيها – هل سيشارك فيها فقط أبرز العاملين في قسم البحث والتطوير؟ – والأشخاص الذين سيتاح لهم الوصول إليها.

في استطلاعنا، سألنا ما إذا كانت هناك آلية للموظفين الذين لم يكونوا ضمن فرق استكشاف الاتجاهات أو التقنيات "الرسمية" للمساهمة بنقاط البيانات التي يرونها، مثل العامل الميداني في مجال الخدمات الذي يستخدم حزمة برمجيات سحابية جديدة ما، أو طريقة جديدة يستخدم بها المستهلكون هواتفهم الذكية أثناء تسوقهم لشراء البقالة. صرح 68% من المستجيبين أنه لم تكن هناك وسيلة للموظفين لأن يفعلوا ذلك. وعندما استفسرنا عن كيفية وصول هؤلاء الموظفين إلى معلومات الاستكشاف التي كانت الفرق "الرسمية" بصدد جمعها، قال 22% منهم فقط إنّ الأمر كان يسيراً، بينما وصف 78% منهم إمكانية الوصول بأنها إما "مُقَيدة جداً" أو "محدودة نوعاً ما".

من بين التفسيرات التي سمعناها من المستجيبين للاستطلاع عن السبب في كون الوصول مُقيد جداً ما يلي:

  • "إننا منفتحون على استعراض أي شخص للمعلومات، لكننا متخلفون بعض الشيء في إتاحتها بسهولة ويسر".
  • "لا يوجد مركز وثائق متاح للموظفين العاديين. وهناك معلومات في وثائق الاستراتيجية السنوية، غير أن توزيعها مُجزأ ومحدود".
  • "لدينا العديد من حراس البوابات والتدفق المُقَيد".
  • "الولوج قاصر عموماً على المستوى التنفيذي".
  • "إذا كنت تعلم الأشخاص المناسبين الذين يمكنك سؤالهم، فستجدهم يميلون إلى المشاركة بأريحية. ولكن عليك أن تكون على يقين مما تبحث عنه، وعلى بينة من الشخص الذي تود اللجوء إليه".

ماذا عن نسبة الـ 22% من الشركات التي تجعل الوصول إلى بيانات استكشاف الاتجاهات السائدة والتقنية أمراً ميسراً وسهلاً؟ هذه الشركات لا تستخدم شيئاً مُعقداً خصيصاً لإنجاز ذلك. فهي تُنشىء مدونات أو سلاسل من المقاطع المرئية على شبكة الإنترنت أو تعقد جلسات إحاطة أو تستخدم برمجيات متاحة على نطاق واسع مثل مايكروسوفت شيربوينت (Microsoft Sharepoint). إذا كنت تؤمن بأن هناك الكثير من العاملين في المؤسسة ربما كانوا "مجسات" بالغة الأهمية للتغيير، وأن كثيراً من العاملين قد يستفيدون من فهم أفضل لما يحدث خارج جدران مؤسستك، فلم إذاً لا تُسهِّل على الناس الإسهام في معلومات الاستكشاف واستعراضها.

إذا كانت شركة ما جادة بشأن الاستجابة بسرعة إلى السبل التي تتغير بها سلوكيات العملاء، والشركات الناشئة التي تكتسب زخماً في صناعتها، والتقنيات الجديدة التي ينبغي دمجها في عروضها، فربما كان هناك عشرات أو مئات الموظفين في شتى أرجاء المؤسسة ممن ينبغي إطلاعهم على تلك المؤشرات. والحاجة تقتضي مشاركة نتائج أنشطة الاستكشاف – سواء جرت في مركز للمؤتمرات أو حرم جامعي أو في يوم تجريبي لشركة ناشئة – على نطاق أوسع بكثير وبقدر أكبر من السلاسة مما يحدث الآن.

تقول زاكريفسكايا من شركة مانولايف: "يحضر المرء مؤتمرات وحاضنات ومسرعات أعمال ويتبادل بطاقات التعريف الشخصية. وفي رأيي الشخصي أن كثيراً من هذه الممارسات مسرحية الطابع. فهي لا تفضي دوماً إلى شراكة أو مشاركة هادفة في المنظومة الإيكولوجية. والأهم من ذلك مواصلة التركيز على ما سيفضي إليه هذا النشاط".

هناك سؤال مفصلي عليك أن تضعه نصب عينيك، قبل أن ترحل وبعد أن تعود من رحلة استكشافية قاصداً معرضاً تجارياً كبيراً. إذا كنت تستثمر في فهم كيفية تغير العالم من حولك، فعليك أيضاً الاستثمار في العلاقات والنظم التي ستسمح لك بالتصرف سريعاً بناء على ما اكتشفته.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

error: المحتوى محمي !!