أعمل مع مستشفى جامعة يوتاه لمساعدة نظامها في إدارة ميزانيات الأدوية وسياسات استخدامها، وفي العام 2015 أصبت بصدمة كبيرة. فقد ازدادت التكلفة السنوية لدواء إيزوبروتيرينول الذي يستخدم للمرضى المقيمين في المستشفى، من 300,000 دولار إلى 1.9 مليون دولار، وذلك بعد رفع الشركة المصنعة له فاليانت (Valeant) سعره بصورة مفاجئة من 440 دولاراً إلى 2,700 دولار تقريباً.

إيزوبروتيرينول هو دواء للقلب، ويساعد في حالات الأزمات القلبية والصدمات ويفيد في الحفاظ على مستوى ضغط الدم لدى المريض. وبسبب هذا الارتفاع المفاجئ في سعره أجبرنا على استبعاده من جميع عربات الأدوية في غرفة الطوارئ والتي يبلغ عددها 100 عربة، ووضع صندوق منه مع مخزون الصيدلية الاحتياطي في كل طابق من المستشفى كي يكون الدواء موجوداً في متناول اليد عند الحاجة إليه. فقد كان علينا تقليص تكاليفنا دون التأثير على مستوى رعاية المرضى.

إن هذا التضخم التعسفي وغير المتوقع ليس دائماً، ولا هو الطريقة السليمة للعمل في الولايات المتحدة، كما أنّ عقار إيزوبروتيرينول لم يعد محمياً ببراءة الاختراع. ونظرياً، يجب أن تكون أي شركة دوائية قادرة على تصنيع نسخة مكافئة له وبيعه بسعر منافس. وكان يجب أن تتوفر لدينا خيارات أخرى بشراء عقار مكافئ بسعر 440 دولاراً أو أقل، ولكن لم تجرِ الأمور كما كان ينبغي، ما يزيد صعوبة إيجاد عقارات مكافئة يوماً بعد يوم. ولكن بما أن مجلس الشيوخ اليوم يناقش تعيين الشخص الذي اختاره الرئيس دونالد ترامب لترأس إدارة الدواء والغذاء الأميركية، فالآن هو الوقت المناسب لتركيز الجهود نحو إيجاد الأدوية المكافئة.

كيف يجب أن تعمل الأدوية المكافئة؟

منح قانون عام 1984 لتنافس أسعار الأدوية وتجديد مدة براءة الاختراع الشركات الدوائية حماية حصرية لاختراع دواء جديد. وعندما تصنع الشركة علاجاً جديداً تتمتع بحماية براءة الاختراع التي تمكنها من احتكار السوق بفعالية، وذلك تعويضاً عن تحملها الخطورة العالية لتطوير أدوية جديدة وتكاليفها المرتفعة.

ولكنّ ما أن تنتهي مدة براءة الاختراع واحتكار السوق، يشجع الدستور على التنافس من أجل فائدة المستهلك. ويصبح بإمكان أي شركة دوائية تصنيع نسخة من نفس الدواء من دون اسم تجاري، أو ما يسمى بالدواء المكافئ. وقد كان هذا النظام ناجحاً لفترة من الزمن.

ولكن ليس بعد الآن، فقد عمد النظام لمكافأة الشركات الدوائية على اختراعاتها، ولكنه تسبب بتعطيل منهجي للهدف الأساسي المتمثل بحماية المستهلك. إذ تتبع شركات الأدوية عدة أساليب تعرقل المنافسة، وتؤدي إلى ارتفاع الأسعار وانعدام المنافسة ووجود مشاكل في جودة الأدوية.

كيف تمنع الشركات الأدوية المكافئة؟

إحدى الطرق البسيطة التي تمكّن شركات العلامات التجارية من منع المنافسة هي ما تسمى اتفاقيات "الدفع مقابل التأجيل"، حيث تدفع الشركة الدوائية صاحبة العلامة التجارية المال للشركة الأخرى كي لا تصنع نسخة مكافئة عن دواء معين. وتقدّر اللجنة الفيدرالية للتجارة أن هذه الاتفاقيات تحمّل المستهلكين الأميركيين ودافعي الضرائب تكاليف إضافية على الأدوية تقدر بحوالي 3.5 مليار دولار سنوياً.

كما تشكل "التماسات المواطنين" طريقة أخرى تتيح لشركات الأدوية تأجيل الموافقة على إنتاج الأدوية المكافئة، حيث تطلب هذه الالتماسات من إدارة الغذاء والدواء تأجيل اتخاذ أي إجراء بخصوص طلب معلق لإنتاج دواء مكافئ. وبحسب القانون، يتوجب على إدارة الغذاء والدواء إيلاء هذه الالتماسات الأولوية. ولكن المواطنين الذين يطرحون مخاوفهم بشأن الأدوية ليسوا أفراداً، بل شركات. فقد قالت إدارة الغذاء والدواء مؤخراً أن شركات العلامات التجارية المصنعة للأدوية قدمت 92% من مجموع التماسات المواطنين. وتم تقديم العديد من هذه الالتماسات في وقت قريب من موعد انتهاء مدة براءة الاختراع، بهدف النجاح في تأجيل إنتاج الشركات المنافسة للدواء المكافئ لمدة لا تقل عن 150 يوماً.

وهناك طريقة أخرى للحد من المنافسة، وهي "الأدوية المكافئة المرخصة"، وهي ليست أدوية مكافئة إطلاقاً، إنما هي أدوية العلامة التجارية ذاتها إلا أنّ الشركة المصنعة تبيعها تحت اسم مكافئ. ولكن لماذا؟ وفقاً للقانون، تحصل أول شركة تصنع الدواء المكافئ على مدة ترخيص حصري تبلغ 180 يوماً. وخلال هذه المدة لا يمكن لأي شركة أخرى بيع أي دواء مكافئ، إلا أنّ الشركة صاحبة براءة الاختراع الذي تكاد تنقضي مدته ليست ممنوعة من إطلاق "دواء مكافئ مرخص"، ويمكنها تمديد احتكارها بفعالية لمدة 6 أشهر أخرى عن طريق بيع دوائها ذاته ولكن تحت اسم مختلف.

وهناك طريقة أخرى تتبعها الشركات الدوائية لعرقلة الأدوية المكافئة، وهي تقييد إمكانية الحصول على عينات الاختبار. إذ يجب على الشركات المصنعة للأدوية المكافئة شراء عينة من منتج العلامة التجارية وإجراء اختبار التكافؤ الحيوي من أجل إثبات قدرتها على تصنيع منتج مكافئ حيوياً وفقاً لمعايير ممارسات التصنيع الجيد الحالية، دون الحاجة إلى إجراء تجارب سريرية كما فعلت الشركة المصنعة للدواء الأصلي.

ولكن غالباً ما تستشهد الشركة المصنعة للمنتج الأصلي بشروط إدارة الغذاء والدواء، وتحديداً برنامج استراتيجيات تقييم المخاطر وتخفيفها، من أجل رفض بيع عينات من الدواء للشركات المصنعة للمنتج المكافئ. إن الفكرة الجوهرية لهذا البرنامج جيدة، وهي السماح بوصول هذه الأدوية المخصصة إلى المرضى الذين سيستفيدون منها ومنع وصولها إلى المرضى الذين لن يستفيدوا منها والذين يحتمل إصابتهم بضرر بالغ بسببها. ولكن الشركات المصنعة للدواء ذي العلامة التجارية يستشهدون بهذه الشروط بهدف وحيد، ألا وهو إبعاد الشركات المصنعة للدواء المكافئ عن السوق.

المشاكل المتعلقة بالشركات المصنعة للدواء المكافئ

على الرغم من أنّ الشركات المصنعة للدواء ذي العلامة التجارية تستعين بعدة أساليب لوضع عوائق لمنافسة الشركات المصنعة للدواء المكافئ، إلا أن الأخيرة تعرقل نفسها أيضاً. ففي عام 2015 تمت 267 عملية سحب لمنتجات دوائية مكافئة، بمعدل عملية سحب واحدة كل يومين، لأسباب تتعلق بالجودة كالأدوية التي لا تنحل على النحو السليم، أو بمنتجات مزيفة بالكامل.  

زعزعت القليل من عمليات السحب هذه القناعة بأن الأدوية المكافئة مماثلة حقاً للأدوية الأصلية. ففي عام 2014، سحبت إدارة الغذاء والدواء موافقتها على عقار بوديبريون إكس إل 300 (Budeprion XL 300) الذي تنتجه شركة تيفا (Teva) كدواء مكافئ لعقار ويلبوترين إكس إل (Wellbutrin XL) الذي تنتجه شركة غلاسكو سميث كلاين (GlaxoSmithKline)، إذ أثبتت الاختبارات التي أجريت عليه أنه لا ينجح في تحرير مكونه الأساسي، ما يدعم ادعاء المستهلكين بأن هذا العقار المكافئ لا يتمتع بالجودة العلاجية للعقار الأصلي. بالإضافة إلى المخاوف التي أثيرت بشأن عقار ليبيتور(Lipitor) المكافئ والتي دفعت إدارة الغذاء والدواء إلى إطلاق مبادرة بقيمة 20 مليون دولار من أجل اختبار المنتجات المكافئة لضمان أن تكون ذات جودة علاجية مساوية حقاً للمنتجات الأصلية.

في بعض الحالات، يتعارض قانون مدة براءة الاختراع مع قوانين إدارة الدواء والغذاء للتصنيع. مثلاً، انقضت مدة براءة اختراع عقار ديوفان (Diovan) الذي أنتجته شركة نوفارتيس (Novartis)  في عام 2012. وحصلت شركة رانباكسي (Ranbaxy) على مدة 180 يوماً من الترخيص الحصري للمنتج المكافئ الأول. ولكن نظراً لجودة التصنيع المتدنية لم تحصل شركة رانباكسي على الموافقة النهائية على منتجها المكافئ من إدارة الغذاء والدواء، التي منعت دخول شحنات منتج شركة رانباكسي إلى الولايات المتحدة. ودفعت الشركة مبلغ 500 مليون دولار كغرامة على مخالفتها، وهي أكبر غرامة على مخالفة تدفعها شركة تصنيع أدوية مكافئة على الإطلاق.

ونظراً لوجود هذه المشاكل طويلة الأمد مع الشركة الدوائية التي حظيت بالترخيص الحصري، لم يتوفر دواء مكافئ حتى عام 2014، وكلف التأجيل لمدة عامين برنامجي ميدي كير (Medicare)  وميديك آيد (Medicaid) الحكوميين ما لا يقل عن 900 مليون دولار. كما تسببت الجودة المتدنية لإنتاج شركة رانباكسي في تأجيل توفر عقارات مكافئة أساسية مثل فالسايت (Valcyte) ونيكسيوم (Nexium). ولأجل المفارقة، كانت شركة ميلان (Mylan) هي من رفعت أول دعوى قضائية تدعو إدارة الغذاء والدواء لتجريد شركة رانباكسي من ترخيصها الحصري، علماً أنها، أي شركة ميلان، متورطة في قضية فضيحة أسعار الأدوية التي أثارتها حول جهازها إيبي بين (EpiPen) حاقن مضاد الحساسية. وقد قامت ميلان بعدة محاولات لإنتاج عقاقير مكافئة وقوبلت جميعها برفض المحكمة.

طرق إصلاح النظام

تستخدم الشركات الدوائية حالياً مجموعة أساليب لجعل احتكاراتها المؤقتة شبه دائمة، ولن يكون الحد من هذه الممارسات سهلاً ولكنه سيؤدي إلى إتمام الاتفاق الذي عرضه صانعو السياسات على مصنعي الأدوية ومستهلكيها: احتكار مؤقت للمبيعات من أجل المساعدة على تغطية نفقات تطوير الدواء.  

أولاً، يجب إيقاف برامج التوزيع المقيدة، ويجب السماح للشركات المصنعة للأدوية المكافئة بشراء عينات من الأدوية من أجل إجراء دراسات التكافؤ الحيوي. والجدير بالذكر أن هناك إجراء لسدّ هذه الثغرات وقد حاز فعلاً على دعم الحزبين. ثانياً، يجب إنهاء اتفاقيات الدفع مقابل التأجيل وإمكانية الشركات في تقديم التماسات المواطنين بنية تأجيل منافسة المنتجات المكافئة.

يجب أن يكون تشجيع معايير الجودة العالية وتعزيزها ضرورة صناعية بالنسبة للأدوية. وقد تقدمت إدارة الغذاء والدواء باقتراح نظام تقييم للمصنعين من أجل تحقيق الشفافية فيما يتعلق بجودة الأدوية. وقد نوه أحد المسؤولين في إحدى الدراسات الاقتصادية إلى احتمال أن يكون نقص الشفافية قد أدى إلى نشوء سوق تنتشر فيه مشاكل كبيرة في الجودة وتتسبب بنقص في الأدوية.

وهناك طريقة أخرى لتحقيق شفافية أكبر فيما يتعلق بجودة الأدوية، وهي تغيير قوانين بطاقات التعريف عن المنتج، إذ يجب أن تكشف بطاقات التعريف عن الشركة المصنعة. فالمستشفيات والصيدليات حالياً لا تعرف دوماً أي شركة تنتج الدواء، وهذا يصعّب عليها بناء قرارات الشراء على الجودة.

يمكن أن تحقق الأدوية المكافئة فوائد كبيرة للمرضى والأنظمة الصحية عندما تتوفر جودة ومنافسة كافيين. ولكن الشركات المصنعة للأدوية المكافئة لم تف بوعودها وهذا يزيد من التكلفة التي يتحملها المستهلكون. وعن طريق الحد من خطط التوزيع المقيدة واتفاقيات الدفع مقابل التأجيل والتماسات المواطنين بالإضافة إلى توفير شفافية أكبر فيما يخص الجودة، ستتوفر فرصة واضحة للمستشفيات والأطباء والمشرعين والقادة الجدد في إدارة الغذاء والدواء، وسيكون بإمكانهم البدء بتخفيض تكاليف الرعاية الصحية الآخذة بالارتفاع وضمان حصول الشعب الأميركي على أدوية ذات جودة عالية.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!