بوسع المرء أن يناقش طبيعة الأنظمة المتبعة في تصنيف شركات العالم بحسب أكثرها قدرة على الابتكار. فالقائمة التي تصدرها مجموعة بوسطن للاستشارات (Boston Consulting Group)، والمتكلة اتكالاً رئيسياً على المسوح التي تتطلب من كبار المدراء التنفيذيين تسمية الشركات التي يعتبرونها ابتكارية، يُخشى أن تقع فريسة لتأثير الهالة التي تملكها الشركة، حيث يُفترض عموماً أنّ الشركات الناجحة هي بارعة في كل شيء. أما المقاربة الرياضية التي تتبعها قائمة مجلة فوربس (Forbes)، والتي تحسب “علاوة الابتكار” المدمجة ضمن سعر سهم الشركة، تخضع لتقلبات الأسواق ونزواتها. في حين تُؤخذ المقاربات القائمة على وجهات نظر هيئات التحرير في كل من قائمة (MIT Technology Review) وقائمة “فاست كومباني” (Fast Company) بالشهرة والضجة المثارة عموماً (هل تذكرون كيف منحت قائمة “فاست كومباني” لعام 2009 “فريق الحملة الإلكترونية للرئيس أوباما” لقب أكثر الشركات ابتكاراً؟).

ومع ذلك، إذا رغبت في استراحة مسلية ضمن اجتماعك القادم مع موظفيك، ما عليك إلا أن تطلب منهم تخمين ما هي الشركات الثلاث التي وصلت إلى صفوف أعلى 50 شركة على هذه القوائم الأربع (29 منها فقط وصلت إلى قائمتين أو أكثر، و7 منها فقط موجودة على ثلاث قوائم أو أكثر). وبوسعك إيضاً أن تعطي تلميحات تساعدهم في الإجابة، فاثنتان من الشركات الثلاث هي شركات تكنولوجية واقعة على الساحل الغربي للولايات المتحدة وواحدة في آسيا.

إذا كان فريقك مشابهاً للمجموعات التي عملت معها قبل عدة أشهر، سيفترضون بأنّ الشركات الأميركية هي مزيج من “جوجل”، و”آبل”، و”أمازون”. لكن الغريب أنّ “آبل” لم تكن بين هذه الشركات الثلاث، حيث حلت في المرتبة 79 على قائمة فوربس، والسبب في ذلك بصورة رئيسية هو تقلب سعر سهمها، وهذا يشير من وجهة نظر فوربس إلى غياب ثقة المستثمرين بقدرتها على الابتكار مستقبلاً.

ولكن إذا خمن فريقك اسمي “جوجل” و”أمازون” سيكون محقاً في ذلك، لأن كلتا الشركتين تمكّنتا من النجاح بفضل النماذج التجارية الجديدة التي أدخلتها الشركتان على أسواقهما. صحيح أنّ “جوجل” تشتهر بكونها محرك بحث على الإنترنت، لكن الذي أوصل “جوجل” إلى المكانة التي هي عليها هو قدرتها على اكتشاف طريقة ربط تكنولوجيا البحث الخاصة بها بنموذج للإعلانات يُمكّن الشركات من ربط إعلاناتها ببنود محددة يبحث الناس عنها في “جوجل”. كما أنّ نظام التشغيل المرن “آندرويد” الذي أطلقته الشركة في السنوات القليلة الماضية، والمختلف كلياً عن الأنظمة المغلقة والحصرية التي هيمنت على هذا القطاع تاريخياً، ساعد منافسين جدد مثل سامسونغ الكورية و(ZTE) الصينية في تقديم أجهزة ذات أسعار زهيدة وقادرة على أداء الكثير من الوظائف في الوقت ذاته.

أما “أمازون” فلا تزال أفضل مثال عالمي على شركة تجارية قادرة على الانتقال من ابتكار إلى آخر. إذ استطاع نموذجها الأساسي للبيع بالتجزئة، والمرتبط بسلسلة توريد افتراضية بالغة الكفاءة، قلب عالم البيع بالتجزئة رأساً على عقب. كما قامت أمازون لاحقاً بإطلاق ثلاثة نماذج تجارية متتالية. ويوفّر لها نموذجها (برايم) القائم على الاشتراكات زهاء مليار دولار من الإيرادات. كما أنّ تقنية قراءة الكتب الإلكترونية (Kindle)، تمكنها من بيع أجهزة ذات تكلفة زهيدة وتحقيق الأرباح من بيع الكتب والمواد المقروءة عليها. أما خدمات “الحوسبة السحابية” (Cloud Computing) على موقع “أمازون” الإنترنت، فقد مكّنت الشركة من تحقيق مليارات الدولارات من خلال تحويل قدراتها التكنولوجية الداخلية إلى خدمات حوسبة سحابية قوية.

ولكن من هي الشركة الثالثة التي حلت على القوائم الأربع جميعها؟ يخمن البعض أنها سامسونغ الكورية (التي حلت على ثلاث قوائم فقط)، أو تويوتا اليابانية (التي حلت على قائمتين وحسب)؛ أو هواوي الصينية (والملفت أنّ هذه الشركة لم تحل على أي من هذه القوائم)؛ أو موقع “علي بابا” (والذي يصدم أيضاً كونه لم يدرج في أي من هذه القوائم). طبعاً الشركة الثالثة كانت شركة صينية، وهي شركة “تينسينت” (Tencent).

لاتزال شركة “تينسينت” غير معروفة نسبياً خارج قارة آسيا، غير أنّ هذا الوضع لن يستمر طويلاً إذا تواصل نموها الصاروخي. فالخدمات الأساسية التي تقدمها، والمتمثلة في خدمات الرسائل الفورية والدردشة والرسائل النصية القصيرة المرسلة من الإنترنت، ليست بالخدمات الملفتة جداً. لكن النموذج التجاري الذي تتبعه الشركة في عملها يميزها عن معظم منافسيها. وعوضاً عن السعي إلى بناء قاعدة عريضة وواسعة من الجماهير وتحويلها إلى مصدر للإيرادات من الإعلانات، قامت الشركة بتقديم خدمات تدر لها مليارات الدولارات من خلال العمليات المتناهية في الصغر، مثل تقاضي رسوم من المستهلكين لقاء تحديث شكل واجهة خدمة الدردشة. لكن مئات ملايين العمليات المتناهية في الصغر، وإذا ما جمعت مع بعضها، يصبح تأثيرها كبيراً، ما قاد إلى النمو الهائل في الشركة، حيث يستمد كبار عمالقة الإنترنت العالميين، (مثل “بايدو”، و”جوجل”، و”فيسبوك”) 80% على الأقل من إيراداتهم عبر الإعلانات. أما “تينسينت” فقد عكست الآية تماماً، إذ أنها تربح 80% من المليارات السبعة التي تكسبها على شكل إيرادات سنوية من خدمات القيمة المضافة.

أظهرت أبحاث شركة “أنيسايت” (Innosight) أنّ الابتكار في النموذج التجاري هو المفتاح الأساسي لتحقيق النمو الصاروخي. ففي كتابه المعنون “السيطرة على الفضاء الأبيض” يقول زميلي مارك جونسون أنّ أكثر من نصف الشركات الحديثة نسبياً التي وصلت إلى قائمة فوربس لأفضل 500 شركة قبل ذكرى انطلاقتها الخامسة والعشرين، (ومن ضمن هذه الشركات طبعاً “أمازون”، و”ستاربكس”، و”آوتونيشن”) كانت شركات اتبعت نموذج عمل مبتكر. حيث أنه من السهل أن يقع المرء أسير التكنولوجيا البراقة أو التسويق المقنع للغاية، ولكن إذا رغبت في أن تحدد شركات الغد العملاقة، يجب أن تلتفت إلى الشركات القائمة على الابتكار التي اكتشفت السر الكامن والمطلوب لخلق القيمة، والاستفادة منها، أو توفيرها بطريقة فريدة من نوعها. فقد أثبت التاريخ أنها كانت أفضل من يُراهن عليه للنجاح على المدى البعيد.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!