هل فكرت ملياً في إحدى المرات بالتعقيدات التي مررت بها أثناء محاولاتك لإبداع وسيلة فردية آمنة قابلة للتطبيق؟ يُعتبر التجديد بحد ذاته مهمة ضخمة، فتخيل لو أنك رائد جديد تحاول تطوير التقنيات، وفي الوقت ذاته تتقدم مواجهاً منافسين أقوياء مترسخين في السوق مع معرفة عميقة بالصناعة، والممتلكات، وقنوات متعددة موجودة منذ مئات السنين أو أكثر.

هذا هو التحدي بجميع أنواع التغيرات الجذرية في العمل، سواء في صناعة السيارات، والأدوية، وصناعة الخدمات، أو الرعاية الصحية. كما نعتقد في الحقيقة أنّ المضي وحدك في طريق التغيير ليس بالفكرة الجيدة.

يمكننا القول أنّ التعاون هو الوصفة السرية الجديدة الأساسية للشركات الناشئة، والقادة الصناعيين على حد سواء. ولترسيخ التغيّرات الجذرية في العمل يجب أن يتكاتف الاقتصاديون الجدد والقدامى مع بعضهم البعض، ليعملوا لمصلحة قوة بعضهم البعض. إنها الفرصة السانحة  للتجديد. والفرص السابقة التي لم تكن واردة لإبداع صناعات معقدة مُعترف بها، أصبحت الآن ممكنة عن طريق التقاء الحوسبة، وأدوات التحليل الجديدة، والبيانات المتدفقة خلال العديد من أجهزة الاستشعار في العالم الفيزيائي. والتقدم اللاممكن أصبح الآن إمكانية حقيقية.

على الرغم من أنّ متطلبات التجديد اليوم مختلفة بشكل كامل عن تلك التي كانت منذ 30 عاماً، تُعتبر نماذج تغييرات العمل القائمة على التكنولوجيا التقنية التي دفعتنا لاستخدام الحوسبة، والإنترنت، وتطبيق الجوال ليست كافية. ويتطلب تحويل صناعتنا القديمة أكثر من تقنيات حديثة، فالمعرفة المتطورة بالأنظمة، وأنظمة التجريب، والموجودات الفيزيائية التقليدية جميعها أساسية الآن.

إلى جانب ذلك، نرى أنّ عدم ملائمة الطرق القديمة مثبتة في العوائق التي تشهدها الشركات الناشئة الحديثة، حتى عندما تكون التقنية سليمة. فقد أخفقت شركة “توينتي ثري أند مي” للتجارب الجينية للحمض النووي في تواصلها مع إدارة الأغذية والعقاقير، فنتج عن ذلك حظر مؤقت لتسويق خدمات الفحص الجيني الذاتي التابع للشركة إلى العامة. وأخذ الأمر أكثر من عامين بالنسبة لشركة “توينتي ثري أند مي” للحصول على إذن لفحص عشرة أمراض، وهي الموافقة الأولى من نوعها لإجراء اختبار مباشر للمستهلك.

كما وعدت شركة “إي 123” (A123) بأن تكون شركة ناجحة تقنياً بشكل نزيه وبمعدل طرح عام مرتفع في 2009. طورت الشركة بطاريات الليثيوم أيون التي تساعد على إقناع صانعي السيارات بقيمة سياراتهم الهجينة. لكن الشركة الناشئة لم تستطيع اللحاق بركب تطور ومستوى صانعي البطاريات المترسخة في السوق، وأدت عيوب الإنتاج إلى سحب 55 مليون دولار عام 2012، وساهمت في إفلاس الشركة لاحقاً في ذلك العام. وتم الحصول عليها بسبب الإفلاس من قبل شركة صينية للتركيز على السوق المحلي المزدهر، كما أعلنت شركة “إي 123” مؤخراً أنها ستغلق مصنعها في ميتشغان، وأنهت بشكل تدريجي إنتاجها لبطاريات الليثيوم أيون في الولايات المتحدة واتجهت إلى التركيز المحلي على الهندسة والتجريب. حتى شركة رائدة مثل “تيسلا” (Tesla) اتخذت مساراً صعباً، فإعادة تجديد الشركة للسيارات عنت استثماراً ضخماً بأجزاء غير أساسية. بينما أُشيد بالشركة حقاً لتصميمها الخارجي الأنيق، وتقدمها التقني المفاجئ في التشغيل الآلي، فقد واجهت الانتقادات حول الملائمة واللمسات الأخيرة لأجزائها الداخلية، وبأنها لا توافق المقاييس الرفيعة، وتفتقر للمميزات التي يتوقعها الزبائن. وعينت الشركة مؤخراً رئيس المواصفات الداخلية في شركة “فولفو” ليساعدها على المنافسة.

لا ينجح التجديد من قبل القادة الصناعيين بشكل أفضل، فالموظفون التنفيذيون في الاقتصاد القديم واعون تماماً لتأثيرهم الكبير، حينما يشهدون تأثير شركة “أوبر” (Uber) على صناعة سيارات الأجرة، وشركة “إير بي إن بي” (Airbnb) على الضيافة، وشركة إدارة الأصول الآلية على الخدمات المالية. هم لم يقفوا مكتوفي الأيدي عام 2016، فقد أنفقت قوات تمويل مشاريع الشركات تقريباً 25 مليار دولار عالمياً على أكثر من 1,350 مشاريع ناشئة (ما عدا المشاريع الاستراتيجية، والمباشرة)، فكان معدل النمو السنوي المركب 25% من 2012، وفقاً لـ”سي بي إنسايتس” (CB Insights)، لسوء الحظ، لا يحتمل أن تثمر هذه الاستثمارات فوائد حقيقية.

ويُعتبر معظم تمويل مشاريع الشركات هذه الأيام مجزئ ومخصص، فنلاحظ دوماً سلسلة واسعة من الاستثمارات، والمبادرات تعمل بشكل مستقل، وفي بعض الحالات، بشكل تنافسي. ومن المعروف أنّ المشاريع الرائدة، مع الشركات الناشئة، وقادة الشركات يتحركون ببطء بشكل يستنزف الموارد من الشركات الناشئة التي كانت من المفترض أن توسع نطاقها. ونشك بأنّ العديد من المدراء التنفيذين كانوا سيصدمون إذا ما أدركوا مئات الملايين أو حتى مليارات الدولارات التي يستثمرونها في مشاريع ابتكار خارجية غير منسقة، وبأقل عائدات عادة.

نحن نعتقد بوجود طرق أفضل يمكن أن تثمر نتائج جذرية، ليس فقط على المدى القصير من ربع إلى ربع. استناداً على عملنا مع المدراء التنفيذيين من الشركات الكبيرة، ومؤسسي الشركات الناشئة، ورؤوس الأموال الاستثمارية حول العالم، نجد أنّ التعاون يستحوذ على  المكاسب الآن أو ينشأ منها شركات ناشئة من الصفر، ليس فقط على صعيد تبادل الأموال، أو تبادل الأسهم التقليدي، وإنما التبادل الحقيقي للأفكار والوسائط، والرؤى لتحقيق الأهداف المختلفة. ولإحداث ثورة في الصناعات القديمة، يجب أن تتخطى الشركات الصغيرة والكبيرة على حد سواء الخوف التنافسي، وتغتنم قوتها وضعفها. وهذا التعاون يمكن أن يأخذ أشكالاً عديدة. وهذه نماذج شراكة جديدة وفريدة من نوعها، حيث تضع فيها الشركات أصولاً مالية، والقدرة على التجربة والتوسع السريعين. وتدخل الشركات الناشئة الخبرات التقنية، وتؤمن رؤوس أموال التمويل واكتساب مهارات جديدة.

نسمع عن هذه القضايا عادة، فاستضفنا أكثر من 65 معسكراً لموظفين تنفيذيين، لنُحضر بعضاً من أكبر الشركات في العالم إلى وادي السيليكون لنرى كيف يمكن للشركات كبيرة كانت أو صغيرة أن تحوّل الصناعات بطريقة أسرع مع بعضها البعض مشكّلة جيلاً جديداً من القياديين الصناعيين.

كيف يمكننا تحقيق ذلك؟ على الشركات الناشئة أن تغير عقليتها. فعقلية التطور مهما كلف الثمن، والمضي قدماً وكسر كل شيء الممجدة في وادي السيليكون يمكن أن تضع حياتهم على المحك في صناعات الرعاية الصحية، وصناعة السيارات. وهذا يعني أن تكون حكيماً بما يكفي لتُدرك نقاط قوتك، وأنك لا يمكنك أن تكون الأفضل في كل شيء، وأنه يوجد من الحكمة، والخبرة خارج شركتك، ما يمكّنك من الحصول على إجابات بشكل أسرع بكثير منها إذا تابعت في الطريق لوحدك.

بالنسبة لعمالقة الشركات، تُعتبر الرؤية الاستراتيجية لاستثمار الشركات أمراً حاسماً، ليس من أجل التجديد فحسب، بل من أجل طرق جديدة أفضل للقيام بالأعمال التجارية. فالتجديد بحد ذاته محفوف بالمخاطر، ولا يمكن التنبؤ به، ولكن يمكن للشركات أن تحسّن فرصها عن طريق إعادة تصور النهج ككل، (نهج باستراتيجية واضحة، وفريق متخصص، وحقيبة متنوعة من نماذج الشراكة الفريدة، وقدرة قوية على إدراج نماذج الأعمال التجارية، والتقنيات الحديثة داخل العمل الأصلي). يمكن أن يتخذ منهج المحفظة أشكالاً عديدة، ومن أجل أولويات تطورها، وتغييرات في نماذج أعمالها التجارية، يجب أن تفكر الشركات الكبيرة بالاستثمار في الشركات الناشئة عبر آفاق متعددة، والعديد من الوسائل، كاستثمار الأسهم، والتراخيص، والمكاسب.

عوضاً عن تمويل واحتضان الشركات الناشئة فقط لإعاقة تقدم المنافسين الحاليين، في هذا النموذج الجديد، تصبح رؤوس الأموال صلة وصل هامة بين التقنيات، والمواهب، وبين الرؤساء التنفيذيين لقادة الصناعة الحاليين.

ونرى تلميحات مبكرة عند مصنعي المعدات الأصلية. خذ مثالاً استثمار شركة “فورد” الأخير في شركة “أرغو” (Argo)، الذي سمح للشركة الناشئة بالعمل مستقلة في المعظم، مع الصلاحية لترخيص برامجها للقيادة الذاتية والمستشعرات عن بعد للآخرين. استثمرت “فورد” العام الماضي في تقنية “ليدار فيلوداين” (Velodyne’s Lidar) جنباً إلى جنب مع “بايدو” (Baidu)، موفرة رأس المال، والدخول إلى مسارات “فورد” للتجريب، وذلك لتخفض التكاليف وتحسين فعالية تقنية السيارة ذاتية القيادة هذه.

كما يمكن اعتبار “سكوتيابنك” (Scotiabank) سباق أيضاً في اعتماد هذا النوع الجديد من النماذج. فهو يحتضن منهج المحفظة للتجديد ووضع رهانات عديدة عبر بيانات ضخمة، وذكاء صناعي، ونماذج أعمال تجارية جديدة، وصُممت مصانعه الرقمية لإدراج التجديد ضمن عملها الأصلي.

نقل ممولو مشاريع سباقين مثل أندرسن هورويتز، وخوسلة فينتوريس تركيزهم للمساعدة في ربط الشركات الناشئة مع المدراء التنفيذيين المبتكرين. وطالب مارك أندرسن طويلاً بتعاون أكبر، ويملك الآن جيشاً صغيراً من الأشخاص يركز على مساعدة الشركات الناشئة من أجل الانخراط مع مجتمع الشركات. ويقترح المجددون مساراً إلى الأمام، لكنهم أبقوا على الاستثناءات النادرة. وعليه، نجد أنه لانتهاز الفرص أمامنا، يجب أن يُصبح التعاون خلال الاقتصاد عالمي. فنموذج التجديد القديم لم يعد كافياً، وعوضاً عن ذلك، يجب أن يعمل النظام الاقتصادي بكامله معاً. الشركات الذكية، والمؤسسون، والمستثمرون الذين يدركون بأن هذه فرصة كبيرة لصنع التاريخ، أفضل من التعرض لمخاطرة البقاء في الماضي.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!