تابعنا على لينكد إن

تعود إحدى أفضل الأفكار حول ما تعنيه الإنتاجية الحقيقية في القرن الحادي والعشرين إلى العام 1890، عندما كتب ويليام جيمس في كتابه “مبادئ علم النفس” (The Principles of Psychology) (الجزء الأول) عبارة بسيطة مفادها: “تأتي خبرتي مما أشغل نفسي به”.

يحدد انتباهك الخبرات التي تكتسبها، وتحدد الخبرات التي تكتسبها الحياة التي ستعيشها. بعبارة أخرى: إن أردت السيطرة على حياتك، عليك السيطرة على انتباهك. وفي عالمنا الحالي والذي تكون فيه الخبرات مختلطة بشكل كبير، حيث يمكننا العمل من المنزل (أو القطار أو الطائرة أو الشاطئ)، ويمكننا مراقبة ما يفعله أطفالنا في المنزل ونحن في العمل عبر كاميرات المراقبة، وتكون أسباب الإلهاء دائماً حولنا، يمكن الافتراض أنّ هذا القول بات أكثر واقعية مما كان عليه قبل 100 عام.

إدارة الانتباه

لكي نكون منتجين باستمرار، وندير الضغوطات بشكل أفضل، علينا تعزيز مهاراتنا في إدارة الانتباه.

ويمكن تعريف “إدارة الانتباه” على أنها محاولة التحكم في كل ما يتسبب في الإلهاء، والحضور ذهنياً في كل وقت، وزيادة التركيز بحيث يمكنك إطلاق العنان لقدراتك الكامنة. إنها تتعلق بأن تتقصد كل ما تفعله بدل أن تكون أفعالك عبارة عن رد فعل لما حولك. وإنها القدرة على إدراك متى سيُسلب انتباهك (أو احتمال أن يُسلب)، والتركيز بدلاً من ذلك على الأنشطة التي تختارها أنت. فبدل السماح لمسببات الإلهاء بجذبك إليها، يمكنك اختبار المكان الذي توجه انتباهك إليه في أي لحظة، وذلك استناداً إلى فهم أولوياتك وأهدافك.

وتؤدي إدارة الانتباه الأفضل إلى تحسين الإنتاجية، إلا أنها أكثر بكثير من مجرد شطب ما حققته في قائمة المهام التي لديك، لتتجسد النتيجة النهائية في القدرة على إنشاء حياة يمكنك فيها الاختيار وتدور حول أمور مهمة بالنسبة لك. إنّ الأمر أكثر من مجرد ممارسة التركيز، بل تتعلق إدارة الانتباه بإعادة السيطرة على وقتك وأولوياتك.

الطموحات في مقابل التجارب

يقول القادة الذين أعمل معهم: “أؤمن بقوة الإرشاد والتدريب لأعضاء فريقي. وأهم شيء يمكنني القيام به كقائد هو دعمهم وتشجيع نموهم، وهي الطريقة التي أصنع بها الفرق، ويمنحني هذا الرضا في العمل”.

ولكن بعد أن أقضي بعض الوقت في محادثتهم، أسمعهم يتحدثون عن كيفية قضاء وقتهم، حيث يقولون أموراً على غرار، “أقضي جزءاً كبيراً من وقتي أقرأ الرسائل الإلكترونية القادمة إلي وأحل المشكلات. ولقد بدأت هذا العام بخطة تدريبية لفريقي، ولكنها لم تحقق الأهداف حالها حال باقي القضايا. ولا أقيم الاجتماعات الفردية مع أعضاء فريقي بنفس التواتر الذي أريد، والمحتوى متشعّب جداً وغير منتظم بما يكفي”.

وحتى إذا رأيت نفسك كمدافع متحمّس للتدريب والإرشاد، لن يكون لك التأثير الذي تريده إذا لم تعكس تصرفاتك وخبراتك هذه القيم. وكما قال جيمس أعلاه، فإنّ خبراتك هي ما تشغل نفسك به. وتصبح خبراتك هي حياتك. وبالتالي، في حال استمر انتباهك بالتنقل هنا وهناك ما بين الاطلاع على الرسائل الإلكترونية وحضور الاجتماعات وحل المشكلات، ستتحول تلك الأيام إلى أسابيع أو أشهر قريباً، وستصبح حياتك مليئة “بالتجارب” التي لم تكن تنوي شغل نفسك بها.

فلماذا لا نمتلك فقط الخبرات التي نرغب بها، ونخلق الحياة التي نرغب في قيادتها؟ ولماذا توجد هذه الفجوة المؤلمة بين ما نطمح أن نكون وبين ما نقضي وقتنا فيه فعلياً؟

عندما نرى كيف كتب جيمس عن هذا الموضوع قبل ما يزيد عن 100 عام، سنرى كيف أننا كنا نصارع منذ سنين طويلة بين أهدافنا وقيمنا وبين إغراء أساليب الإلهاء. ولكننا بالطبع نعيش في عالم باتت فيه أساليب الإلهاء أكثر بكثير مما كانت عليه في تسعينيات القرن التاسع عشر. فعندما نشر جيمس كتابه “مبادئ علم النفس”، كان الهاتف أمراً جديداً بالكامل. أما اليوم، فنملك هواتفاً ذكية متصلة بالإنترنت فضلاً عن أجهزة إلكترونية متعددة تزودنا بمعلومات وأساليب تواصل لم يكن جيمس ليتخيلها، الأمر الذي زاد من المنافسة الشرسة على جذب اهتمامنا.

لنعود إلى مثالنا حول الإرشاد والتدريب. يمكنك البدء كل يوم بنية التركيز على تطوير فريقك، ولكن يمكن لهذه النوايا أن تندثر بسرعة مع المطالب القادمة من هنا وهناك والتي تميز أيام العمل لدينا.

في بيئة العمل المحمومة هذه، لا يحدث إنجاز المهام الأكثر أهمية بالنسبة لك من تلقاء نفسه، ولا يمكنك ترك الأمر للمصادفة. وستعرض بيئتك المزدحمة أمامك كل يوم خيارات مختلفة حول ما يجب أن تشغل نفسك به، وهو ما سيشكل لاحقاً الخبرات التي ستكتسبها.

تعمّد اختيار ما تشغل نفسك به

نصل هنا إلى المكان الذي تقدم فيه إدارة الانتباه الحل. فهي طريقة متعمدة تعيدك إلى وضعية التحكم بما يحدث معك. وتعني ممارسة إدارة الانتباه محاربة كل أسباب الإلهاء وخلق الفرص الكفيلة بدعم أولوياتك طوال اليوم. وأولاً، عليك التحكم في العوامل الخارجية:

  • تحكم بوسائل التكنولوجيا التي تستخدمها. تذكر أنها موجودة لخدمتك، لا العكس! قرر أن تتحكم بها عبر إيقاف إشعارات البريد الإلكتروني القادمة إليك والمصممة خصيصاً لسرقة انتباهك. وسيسمح لك هذا الأمر بالانخراط أكثر في التركيز على المهام والأنشطة التي تختارها. واعمل على جعل هاتفك في وضعية الاهتزاز وبعيداً عن نظرك كلما كان ذلك ممكناً وخصوصاً عندما تعمل.
  • سيطر على بيئتك. ضع للآخرين حدوداً وخاصة في بيئات المكتب المفتوح. على سبيل المثال، استخدم سماعات الرأس أو ضع لافتة “عدم الإزعاج” على مكتبك عندما تحتاج إلى التركيز. وإذا لم يفلح ذلك، حاول الانتقال إلى جزء مختلف من مكتبك، أو حتى إلى طابق آخر من المبنى. وإذا لم ينفع كل ما سبق، يمكنك محاولة التعاون مع زملائك لتحديد وقت معين من اليوم، أو يوم محدد أسبوعياً يدعى “لا مسببات إلهاء” يقوم فيه الجميع بالتركيز على المهام الموكلة إليهم.

ولكن هناك حقيقة تم التغاضي عنها هنا: إنّ إنتاجيتنا تعاني ليس فقط من تشتيت انتباهنا الناتج عن المقاطعات الخارجية، ولكن أيضاً لأن أدمغتنا نفسها، والتي تعاني في أماكن العمل المحمومة اليوم، باتت مصدراً للإلهاء في حد ذاتها.

على سبيل المثال، لا تكمن المشكلة في أنّ البريد الإلكتروني يقاطع عملك، بل إنّ وجود البريد الإلكتروني والإشعارات القادمة منه تجعلك تتوقع قدوم أمر يشتت انتباهك كل بضع دقائق، ما يؤثر على مدى تركيزك أيضاً. وستصبح بعدها خائفاً من نسيان القيام بمهمة صغيرة – مثل إرسال رسالة إلكترونية أو إعادة توجيه مستند – لتنتقل وقتها للقيام بتلك المهمة حالما تفكر بها، وهو ما يؤدي إلى وجود صندوق وارد لديك يفيض بالرسائل الإلكترونية من دون حتى أن تدرك ذلك. وعلاوة على ذلك، فإنّ معرفة أنّ لديك قائمة بجميع معارف العالم في متناول يدك – موجودة في الإنترنت ويمكنك الوصول إليها من هاتفك الذكي – يجعل من الصعب عليك أن تكون مرتاحاً في حالة “لا أعرف”، ويصعب تجنب تشتيت الانتباه القادم من إغراء “اكتشف الآن”.

لذلك يجب عليك أيضاً أن تتعلم السيطرة على العوامل الداخلية.

  • سيطر على سلوكك. استخدم تلك الأوقات التي تقوم فيها بإيقاف التكنولوجيا لديك وتشغيل علامة عدم الإزعاج للعمل على مهامك وفق كل مهمة على حدة: افتح نافذة واحدة فقط على شاشة حاسبك، واعط اهتمامك الكلي لمهمة واحدة حتى تنتهي منها، أو حتى نقطة توقف محددة فيها. خذ فترات راحة طوال اليوم قم فيها بالابتعاد عن جهاز حاسبك، وجرب “التوقف” تماماً (من دون تقنية) لمدة ساعة على الأقل أو أكثر أو بقدر ما تستطيع. وجرب القيام بذلك لمدة 15 إلى 20 دقيقة في البداية، ثم زد ذلك إلى حوالي ساعة أو حتى 90 دقيقة.
  • سيطر على أفكارك. بالنسبة لأغلبنا، فإنّ هذا هو أصعب أمر عليك معالجته، ولهذا نتركه من دون أن نعالجه. تميل العقول بشكل عام إلى السرحان، وعليك هنا التدرب على ملاحظة متى تسرح بتفكيرك، وعليك العمل هنا على إعادة تركيزك برفق إلى المكان الذي تريده. إذا كنت تفكر في بعض المهام الصغيرة المهمة بينما تقوم بعمل يحتاج إلى تركيز، فقم بتدوينها على ورقة وعد إليها لاحقاً. افعل ذات الأمر مع المعلومات التي تريد البحث عنها عبر الإنترنت.

لن تقضي ممارسة إدارة الانتباه على أنواع الإلهاء في يومك، ولكن من خلال تعرفك على الوقت الذي يتشتت فيه انتباهك، وبناء “قدرات الانتباه” من خلال عادات مثل تلك المذكورة أعلاه، ستبدأ في استعادة حياتك وتكريس جهودك لما هو مهم حقاً بالنسبة لك. عليك ألا تسمح لمسببات الإلهاء بتعطيل تطلعاتك ونواياك، قم بدلاً من ذلك بالتحكم في انتباهك للتحكم في حياتك.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz