نسمع كثيراً عن قوة الشخصية وعن الأثر المفيد لبعض سمات تلك الشخصية وأيضاً عن الأثر الضار لسمات أخرى على الحياة المهنية للأفراد. على سبيل المثال، نحن نعلم أن الشعور الزائد بالمسؤولية والضمير اليقظ لدى الموظف، والمتمثل في أنه (يكدح في عمله، ويسعى لتحقيق أهداف سامية، ومنظم وجدير بالثقة)، مرتبطان بتقديم أداء وظيفي أفضل. ونعلم أيضاً أن اللطف ودماثة الخلق (كون المرء طيباً ومنسجماً مع الغير بشكل كبير) لا يؤديان إلى زيادة الأجور. ولكن الأمر يصبح أقل وضوحاً عندما تتجلّى أهمية السمات الشخصية في حياتنا المهنية وهل هي أكثر أهمية في بداية سنوات حياتنا المهنية أم في منتصفها؟ ومن الذي يستفيد أكثر من هذه السمات؟

قمت في بحث حديث لي بدراسة هذه الأسئلة من خلال النظر إلى العلاقة بين السمات الشخصية والمكاسب على مدى العمر بالنسبة للرجال من مختلف الأعمار. أظهرت النتائج أن مكاسب الرجال لا تتأثر أبداً بالسمات الشخصية في بداية حياتهم المهنية، لكن الرجال الذين يحظون بضمير يقظ أكثر وأكثر انفتاحاً، وكذلك الرجال الأقل طيبة وانسجاماً مع الآخرين، يجنون فوائد كبيرة بين عمر الأربعين والستين. وتشير الدلائل أيضاً إلى وجود مجموعة فرعية من الرجال يستفيدون من هذه السمات الشخصية أكثر بمرتين عن غيرهم، وهم أولئك الذين حصلوا على تعليم عالِ. ويُعتبر التأثير العام للسمات الشخصية على المكاسب على مدى العمر تأثيراً ضخماً وهو بنفس أهمية الفروق في متوسط المكاسب على مدى الحياة بين خريجي المدارس الثانوية والجامعات في عينة الدراسة التي أجريتها والتي تبلغ أكثر من 1.2 مليون دولار.

استخدمت بيانات من دراسة تيرمان (Terman Study)، وهي واحدة من أطول الدراسات في علم النفس، والتي تدرس تطوّر الأشخاص الموهوبين منذ عام 1922. فقد تابعت دراسة تيرمان حالة أكثر من 1,000 رجل وامرأة في كاليفورنيا، تم اختيارهم بسبب حصولهم على معدل ذكاء لا يقل عن 140 (وهم الـ 0.5 في المئة ذوي معدل الذكاء الأعلى من بين السكان). قد تكون هذه هي الدراسة الوحيدة التي تحتوي على بيانات أميركية عن المكاسب على مدى الحياة، مما سمح لي بربط المقاييس الشخصية بالمكاسب السنوية لأشخاص من سن 18 إلى 75. وقد ركزتُ في بحثي على النتائج الخاصة بالرجال (595 رجلاً)، لأن فرص المرأة المهنية في هذه المجموعة كانت محدودة للغاية.

قمت بإعداد مقاييس المكاسب السنوية من خلال الأسئلة الاسترجاعية التي شملتها الاستبيانات التي تم تقديمها كل 5 إلى 10 سنوات. وجاءت المعلومات الشخصية من آباء وأمهات ومعلمي المشاركين في الاستبيان، والذين قيّموا انفتاح الأطفال اجتماعياً وعلى التجارب (مقياس الفضول والإبداع) في عمر العاشرة. كما جاءت معلومات من المشاركين أنفسهم، وهم الذين قيّموا أنفسهم بحسب سمات الضمير، والطيبة والانسجام مع الآخرين، والاستقرار العاطفي في عمر الـ 30 تقريباً. كما قدم الآباء والأمهات معلومات عن خلفية المشاركين في الاستبيان، بما في ذلك تعليمهم، وحياتهم المهنية، ومواردهم المالية، فضلاً عن صحتهم في الفترة التي كانوا فيها ما يزالون أطفالاً.

تكمن الفائدة في ربط المكاسب في وقت لاحق من الحياة بشخصية الإنسان في سن مبكرة في أنها تجعلنا أكثر ثقة بأن العلاقة بين سمات الشخصية والمكاسب لم تنشأ لأن شخصاً ما ربح في سحب اليانصيب واكتسب دخلاً مرتفعاً فأصبح أكثر انفتاحاً على المستوى الاجتماعي كنتيجة. وبدلاً من ذلك، يمكننا تفسير هذا الارتباط بأن شخصية الإنسان تؤثر على المكاسب التي يجنيها. ويعتمد هذا النهج على حقيقة تفيد بأن شخصية الإنسان قد تتغير عبر الوقت، إلا أن شخصيته بالنسبة لأقرانه تكون مستقرة (مثلاً كون الشخص صاحب ضمير يقظ بين أقرانه هي سمة تظل ثابتة مع مرور الزمن).

متى وأين يهم موضوع الشخصية؟

من أجل تحليل كيفية تأثّر مكاسب الأشخاص على مدى حياتهم بسمات شخصياتهم، قمت بالمقارنة بشكل إحصائي بين الرجال الذين يمتلكون نفس معدل الذكاء والخصائص الأبوية، والذين عاشوا نفس الظروف في طفولتهم (بما في ذلك الظروف المالية والصحية)، في كل مرحلة عمرية. كما نسبت الفروق المتبقية في المكاسب بين الرجال المتساويين الآخرين إلى الفروق في الدرجات الخاصة بالسمات الشخصية.

وجدت أنه في السنوات الأولى لم تكن المكاسب مختلفة بالنسبة للرجال الذين يمتلكون سمات شخصية قوية. وظهرت فجوة لدى الرجال في عمر الثلاثين تقريباً، حيث بدأ الرجال ذوي الضمير اليقظ والأكثر انفتاحاً والأقل طيبة وانسجاماً مع الآخرين في تحقيق المزيد من المكاسب. ظهرت المكاسب الناتجة عن الضمير اليقظ والانفتاح الاجتماعي (ما بين 10 و20 ألف دولار سنوياً) في أوج سنوات العمل، بين عمر الـ 40 والـ 60.

لم يلحظ الباحثون هذا النمط حتى الآن لأن معظمهم لا يقومون بالفصل بين الفئات العمرية المختلفة. ولكن إذا نظرنا إلى بيانات العمال اليافعين جداً، يمكننا أن نستنتج استنتاجاً خاطئاً وهو أن سمات الشخصية لا تؤثر على المكاسب. وبدلاً من ذلك، تشير النتائج هنا إلى أن الفوائد الرئيسية لسمات الشخصية القوية تظهر لدى العمال المتقدمين في السن. يمكنك أن تتخيل السبب، على سبيل المثال فكّر في كيفية تأثير شخصية المدير على إنتاجية فريقه بشكل أكبر من تأثير الموظف المبتدئ. تظهر التأثيرات الضخمة في أواخر العمر أيضاً أن تأثير حياة الشخص المهنية ومدتها - والتي قد تتأثر كل منها بشخصية الفرد - تؤثر على المكاسب التي يحققها أيضاً.

كيف يزداد هذا الفرق في المكاسب السنوية على مدى العمر؟ خذ بعين الاعتبار رجلين من عينة دراسة تيرمان يتساويان في جميع السمات والخصائص المتعلقة بالخلفية، باستثناء سمة الانفتاح الاجتماعي. تزيد مكاسب الرجل الذي يمتلك هذه السمة بشكل متوسط على مدى حياته بمجموع 600 ألف دولار أكثر من نظيره الأكثر انطوائية (أي التي تكون نسبة انفتاحه الاجتماعي من بين الـ 20% الأقل). يوازي حجم التأثير ما يقدر بحوالي 15٪ من المكاسب التي يحققها على مدى الحياة. ويُعتبر حجم هذا التأثير بنفس ضخامة التأثير الناتج عن سمة الضمير اليقظ لدى الأفراد، وهو أمر غير مثير للدهشة في ظل نتائج البحوث الأخرى: إذ يحصل الرجال الذين يمتلكون ضميراً يقظاً على أجور أعلى لكونهم أكثر إنتاجية في وظائفهم؛ كما أن فرص تلقيهم للتعليم العالي أكثر من غيرهم، مما يؤدي بالتالي إلى زيادة مكاسبهم. بالإضافة إلى ذلك، يميل الأفراد ذوي الضمير اليقظ إلى قضاء حياة عملية أطول وذات مردود إيجابي أكبر من غيرهم، وبالتالي يقومون بجني نسبة أعلى من المكاسب على مدى حياتهم.

كما وجدت في دراستي أن الرجال الأكثر طيبة وانسجاما مع الآخرين، الذين يميلون إلى امتلاك شخصية ودودة ويقومون بالتعاون مع الآخرين، يحصلون على مكاسب أقل بكثير من الرجال الأقل طيبة وانسجاماً مع الآخرين. إذ تصل المكاسب التي يحققها الرجل الأكثر طيبة وانسجاماً مع الآخرين (يقع ضمن الـ 20 % الأكثر طيبة وانسجاماً مع الآخرين) على امتداد حياته إلى حوالي 270,000 دولار أقل من الرجل المتوسط.

كما يرتبط معدل الذكاء بالمكاسب على امتداد الحياة ارتباطاً إيجابياً وملحوظاً في هذه العينة، على الرغم من أنه يمكننا المقارنة في دراسة تيرمان فقط بين الأشخاص ذوي معدل الذكاء العالي جداً والأشخاص ذوي معدل الذكاء الأعلى من العالي جداً. وتصاحب نسبة زيادة بمقدار 10 نقاط في معدل الذكاء زيادة تقدر بـ 200 ألف دولار في المكاسب على امتداد الحياة. ومما يثير الانتباه أن كل من الاستقرار العاطفي والانفتاح على التجارب لم يرتبطا بالمكاسب على امتداد الحياة بشكل كبيرة في هذه العينة.

من هو المستفيد الأكبر؟

بعد ذلك، أقوم في دراستي بمقارنة رجال يمتلكون نفس الخلفية المعرفية والسمات الشخصية ونفس المستوى التعليمي، وذلك من أجل معرفة ما إذا كان تأثير السمات الشخصية يعتمد على المستوى التعليمي. وتبين أن الرجال الذين تلقوا تعليماً عالياً يستفيدون من هذه السمات الشخصية الثلاث (الضمير اليقظ، الانفتاح الاجتماعي، الطيبة والانسجام مع الأخرين بشكل أقل) بمعدل يبلغ أكثر من ضعف الاستفادة التي يجنيها الرجال الأقل تعليماً. فعلى سبيل المثال، عند المقارنة بين رجلين يحملان شهادة البكالوريوس، فإن الرجل المنطوي (ضمن الـ 20٪ الأقل انفتاحاً اجتماعياً) سيحقق مكاسب أقل بـ 290 ألف دولار من نظيره متوسط الانفتاح الاجتماعي. ويزيد هذا الفرق في المكاسب المحققة ليصل إلى 760 ألف دولار تقريباً عندما نقارن بين شخص انطوائي وشخص متوسط الانفتاح الاجتماعي إذا كان كلاهما يحمل شهادة الماجستير أو الدكتوراه.

في علم الاقتصاد، قد ننسب ما ذكرناه إلى أوجه التكامل في القدرات الإنتاجية. فجمع هذين النوعين من رأس المال معاً (رأس المال البشري المتمثل في المهارات الشخصية اللينة والتعليم) ينتج قيمة أكثر من مجموعهما منفردين. وهذا يعني أيضاً أن الشخص المنفتح اجتماعياً للغاية أو يقظ الضمير من المحتمل أن يجني الثمار من التعليم العالي أكثر من شخص لا يمتلك هذه المهارات العالية.

بطبيعة الحال، يُعتبر الأشخاص الذين يمتلكون معدل ذكاء عالي في عينة بحث تيرمان أشخاصاً مميزين. إذاً، إلى أي مدى تنطبق هذه النتائج اليوم على غالبيتنا؟ يعتمد هذا على مدى تطور المهن في عالم اليوم بطريقة مماثلة لطريقة تطورها سابقاً. ونحن نمتلك سبباً للاعتقاد بأن الآليات الأساسية التي تحدد أي المهارات هي التي تجلب المكاسب - مثل الإنتاجية والترقيات والسلوكيات الصحية - لا تزال متشابهة تماماً مع الماضي. ويبدو أن الأمر كذلك بالفعل. في الواقع، إن السمات الشخصية الأكثر ارتباطاً بالمكاسب على امتداد الحياة في دراسة تيرمان هي نفس السمات التي تم اعتبارها الأكثر أهمية بالنسبة لأجور العمال اليوم.

يقدم لنا هذا البحث تلخيصاً جيداً للطرق المحتملة التي يمكن من خلالها أن تؤثر السمات الشخصية على حياتنا المهنية. وقد أوضح البحث أن كلاً من من سمتي الضمير اليقظ والانفتاح الاجتماعي لا تؤثران على إنتاجية العمل بشكل مباشر فحسب، بل قد تؤديان إلى زيادة في المكاسب على امتداد الحياة بشكل غير مباشر، وذلك من خلال التأثير على السلوك الحاكم لحياتنا العملية ومدتها وثرائها. وتظهر التحليلات الجارية بحسب الفئات العمرية على مدى الحياة أنه حتى لو كانت فروقات المكاسب بين العمال الشباب هي فروقات صغيرة اليوم، فيجب أن نتوقع زيادة هذه المكاسب بشكل ملحوظ مع تقدمهم في حياتهم المهنية.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!