تابعنا على لينكد إن

يُظهر استطلاع جديد نشرته (ستيبلز أدفانتج) مجموعة من النتائج التي تنطوي على مفارقة غريبة حول الموظفين المكتبيين في الولايات المتّحدة الأمريكية. فالشعور الطاغي والغامر هو أنهم سعداء. ومع ذلك فإن غالبيتهم يشعرون بحالة من التعب المُهلك. فكيف يكون هذا الأمران صحيحين معاً؟

أولاً، دعونا نراجع الإحصائيات. تتمثّل البشرى في أن 43% من المشاركين في الاستطلاع قالوا بأنهم “سعداء للغاية” في العمل، بينما قال 43% غيرهم بأنهم “سعداء نوعاً ما”. وهذه إشارة واضحة على القبول الواسع للعمل المكتبي، وهي نغمة نراها تتردّد في الكثير من الأعمال التلفزيونية مثل (The Office) وبعض الكتب الساخرة مثل (Dilbert). لكن الخبر السيئ، في المقابل، يكمن في أن 53% من مجموعة الموظفين المكتبيين ذاتها المشاركة في الاستطلاع قالوا بأنهم يشعرون بأنهم في حالة من التعب المُهلك.

فكيف يمكن فهم هذه الأرقام التي تبدو متناقضة؟ أنا شخصياً أعتقد بأن الغالبية العظمى من هؤلاء الموظفين يحبّون “طبيعة العمل” الذي يؤدّونه. فلربما يعطيهم ذلك الفرصة ليستعملوا نقاط قوّتهم كلّ يوم، بحسب التعبير الذي استعيره هنا من مؤسسة غالوب. كما أن عملهم قد يغني حياتهم من خلال السماح لهم بتقديم إسهاماتهم إلى منتجات وخدمات تعمل على تحسين العالم من حولنا. ولكن في الوقت ذاته، لا بدّ بأن معظم هؤلاء الموظفين يعملون إلى الحد الأقصى من طاقتهم ويشعرون بأنهم يشبهون المطّاطة المشدودة بقوّة وباتت على وشك الانقطاع. فأماكن عملهم تصعّب عليهم وضع حدّ لساعات الدوام وعبء العمل وإبقائها عند مستويات صحية.

وقد يقول قائل: وما المشكلة في ذلك؟ إذا كان 86% من الموظفين سعداء، فإن هذا يبدو بمثابة نجاح. فلماذا العبث به؟ ولكن إليكم أين تكمن المشكلة: عندما يخبرك الناس بأنهم في حالة من التعب المُهلك، فإنهم بذلك يُنبئون بمشكلة ستأتي لاحقاً. وهم يقولون لك بأن الوضع على هذا النحو لن يكون مستداماً.

هناك أسباب عديدة للتعب المُهلك. فعلماء النفس يشيرون غالباً إلى أن الوظائف التي تُفرض فيها مطالب كبيرة على العمّال مع عدم منحهم الصلاحيات الكافية تعتبر الوظائف الأكثر تسبّباً في التوتر. أمّا في حالة استطلاع (ستيبلز) المذكور أعلاه، فإن المشاركين فيه يشيرون بوضوح وبالتحديد إلى العامل المؤذي لصحتهم. فقد قال 52% بأنهم في حالة من التعب المُهلك نتيجة العمل لساعات طويلة على مدار أيام كثيرة.

فإذا كانت المشكلة هي قضاء وقت أطول من اللازم في العمل، فليس من الصعب اقتراح الحلول. إذ أن الحل الأوضح هو أن يخفّض أصحاب العمل من طلباتهم إلى الموظفين بالعمل لوقت إضافي من خلال تكليفهم بحجم عمل أكثر معقولية. ومن الاستراتيجيات الأخرى التي يمكن اللجوء إليها للمحافظة على ذات القدر من الإنتاجية منح الموظفين المزيد من المرونة، وتقليل عدد الساعات المهدورة التي يقضيها الموظفون في عملهم، وجعل هذا العمل أقل إنهاكاً للموظف. وكل واحدة من هذه الاستراتيجيات تحتاج إلى نظرة معمّقة.

قلّل من حجم الوقت الإضافي الذي تطلبه من الموظفين

كتب كثيرون، وأنا منهم، حول النتائج السلبية التي يرتّبها العمل الإضافي المزمن على حياة الناس، وما الذي يمكن للموظفين فعله لمحاربة هذه التأثيرات السلبية. وهو موضوع أجريت عليه شخصياً أبحاثاً شاملة لأضمّنها في كتابي: “دليل الأب العامل إلى النجاح في العمل وفي المنزل”. وتؤكّد دراسة (ستيبلز) هذا الأمر بوصفه واقعاً يعيشه العديد من العمّال: فربعهم يقولون بأنهم بعد أن يغادروا المكتب ليلاً، فإنهم “عادة” يواصلون عملهم في المنزل. و40% منهم يعملون لبضع ساعات خلال عطلة نهاية الأسبوع لمرّة واحدة على الأقل شهرياً.

ورغم أنني أعتقد بأن معظم الموظفين يتفقون في الرأي معي بأن مزاولة عمل إضافي بين الفينة والأخرى هو جزء مقبول من شروط العمل في العصر الحديث، لكن لا أحد يجب أن يُكلّف وعلى أساس دائم بعمل لا يمكنه إنجازه بشكل معقول خلال ساعات العمل المدفوعة الأجر. وعوضاً عن أن يلجأ أصحاب العمل إلى غضّ الطرف عن التعدّي الدائم على حياة الموظفين في الأوقات الواقعة خارج وقت الدوام الرسمي، يتعيّن عليهم أن يجروا تقويماً عادلاً للوقت الذي يحتاجه العمّال لإنجاز المهام المطلوبة منهم. وعندما يجري تخفيض أعداد الموظفين بغية تحقيق أقصى درجات الكفاءة، فإن هذا الأمر يزيد عبء العمل على الموظفين إلى مستويات زائدة عن المعقول ويؤدّي إلى حالة من التعب المُهلك لديهم. وعندما يشعر الموظفون بأنهم مضطرون على البقاء على تماس مع العمل على مدار الساعة وعلى مدار أيام الأسبوع، فإن ذلك يعني وقتاً أقل للحياة والانتعاش من جديد. عوضاً عن ذلك، يجب علينا أن نبني ما يكفي من العمل الجماعي والتداخل في المسؤوليات بما يسمح بالتعامل مع الحالات الطارئة وبسد الثغرات دون تعرّض الموظفين إلى ضغوط روتينية لكي يقدّموا أكثر ممّا هو مطلوب منهم بكثير.

وفّر المزيد من المرونة والاستقلال الذاتي في العمل

يُعتبر الموظفون أقدر على الاستفادة القصوى من ساعات عملهم لزيادة إنتاجيتهم عندما يكونون قادرين على التحكّم بالزمان والمكان الذي يعملون فيه، بحيث يمكنهم تجنّب حصول تضارب بين عملهم ومسؤولياتهم الأخرى. ولا يتعيّن على أصحاب العمل بالضرورة وضع برامج نظامية للسماح للموظفين بالعمل من المنزل أو بالمرونة في الدوام، رغم أنه قد ثبت بأن ترتيبات العمل غير الرسمية أو الترتيبات المنسّقة بحسب الوضع الخاص لكل موظف، غالباً ما تقود إلى فعالية أكبر. وإنما يكمن الأمر الرئيسي ببساطة في الاستعداد لترك الموظفين يضعون ترتيبات العمل التي تناسب مضمون عملهم، وأسلوبهم في العمل، وظروفهم العائلية، وغير ذلك من واجباتهم غير المرتبطة بالعمل. فمن خلال احترام معايير الأداء، ولكن في الوقت ذاته توفير الاستقلال الذاتي لموظفيك بخصوص مكان العمل، وزمنه، وكيفية إنجازه، بوسعك أن تساعد هؤلاء الموظفين في العثور على المزيد من الوقت في أيامهم بما يمكّنهم من تجنّب الوقوع في حالة التعب المُهلك.

خفّف من الهدر في وقت الموظفين

أكثر من ثلث الموظفين المكتبيين الذين شاركوا في استطلاع (ستيبلز) المذكور أعلاه يقولون بأنهم ضحايا للتخمة في الرسائل الإلكترونية، وقد ذكروا بأن ذلك يترك أثراً سلبياً على الإنتاجية. وأفاد واحد من كل خمسة منهم بأنه يقضي أكثر من ساعتين يومياً في الاجتماعات، وأكثر من ربعهم وصفوا الاجتماعات التي يحضرونها بأنها عديمة الأهمية. ويعتبر هذان النوعان من العوامل المشتّتة للانتباه من الأشياء التي تملك الإدارة صلاحية التقليل منها. وقد أشار مؤلف تقرير (ستيبلز) إلى إمكانية صياغة سياسات تؤدّي إلى التقليل من أحجام الرسائل ويمكن تدريب الموظفين وتشجيعهم على استعمال البريد الإلكتروني بطريقة أكثر فعالية. ويمكن مثلاً اشتراط وجود جداول أعمال مدروسة جيداً للاجتماعات، مع تحديد خطوات واضحة للمتابعة اللاحقة، ويمكن أيضاً اشتراط عدم الدعوة إلى اجتماع إلا في الحالات الضرورية.

اجعل العمل أقل إنهاكاً للموظف

أخيراً، حتى لو كانت ساعات العمل طويلة، يمكن للموظفين أن يشعروا بقدر أقل من التعب المُهلك إذا منحت لهم الفرص طوال اليوم كي يستعيدوا نشاطهم ويحاولوا إعادة شحن أذهانهم من أجل استعادة تركيزهم. فعندما يشعر الموظفون بأنهم مضطرون إلى الضغط على أنفسهم بغية تقليل الوقت المخصص لتناول طعام الغداء أو إلى التنازل عن الاستراحات، فعندئذٍ سيكونون قد وصلوا إلى الحدود القصوى من الناحيتين الجسدية والنفسية. أمّا الموظفون الذين يعدّلون وتيرة عملهم ويحاولون بين الفينة والأخرى الخروج من هذا العمل– وغالباً ما يفعلون ذلك حرفياً من خلال الخروج في مشوار قصير – فإنهم يتلقّون دفعات منشّطة لإنتاجيتهم. ويمكن للمدراء تقديم أمثلة تحتذى في هذه السلوكيات والتوقّف عن إرسال إشارات بطرق شتّى تقول بأن الموظف العظيم هو الموظف المدمن على العمل. فهل أنت بحاجة إلى طريقة لكي تغيّر وتيرة عملك؟ لماذا لا تدعوا فريقك إلى تناول طعام الغداء في الخارج وتحاول توجيه الحديث بعيداً عن العمل. اطلب من أحد الزملاء أن يتمشّى معك في فترة ما بعد الظهر. حاول تجديد غرفة الاستراحات أو ترميمها بحيث تصبح مكاناً أكثر جاذبية.

بشكل عام، عامل موظفيك بطريقة تناسب وضعهم تماماً: أي كموظفين يعملون في القطاع المعرفي ويشعرون بالسعادة في الأدوار التي يشغلونها ويحسّون بأن وقتهم ثمين. فالناس العاملون في المكاتب هذه الأيام يبدون بأنهم يحبّون عملهم، لكن ذلك لا يعني بأنهم يستطيعون إهمال كل شيء آخر في حياتهم لتولّي المزيد من المهام العملية. وهو لا يعني بأن أصحاب العمل يجب أن يستغلّوا رغبة هؤلاء الموظفين في النجاح. والمدراء الذين يشجّعون النظرة القائلة بأن الحياة هي عمل فقط يتسبّبون في وصول أفضل الموظفين لديهم إلى حالة من التعب المُهلك، ولا يجب أن يلوموا أحداً سوى أنفسهم عندما يشاهدون الإنتاجية وقد استعرت فيها النيران.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz