تخيل أنك تقدّم عرضاً تقديمياً عن التوجه الاستراتيجي للمؤسسة، وإذ يقوم أحد زملائك في العمل بمقاطعتك، فتتوقف عن الكلام وتجيبه، ثم تعود لشرح فكرتك، فيقاطعك مرة أخرى. هل يبدو هذا مألوفاً لك؟

جميعنا عرف في حياته زملاء عمل أو أصدقاء أو شركاء حياة لا يدعونا ننهي فكرتنا. كيف تتعامل معهم على نحو فعّال؟ هناك العديد من الطرق لفعل ذلك، لكن الأهم هو أن تعرف متى ولماذا يُقاطع الناس بعضهم.

الأعراف الثقافية المختلفة

كنت أقاطع زوجي باستمرار في بداية علاقتنا. ولأنه كان يعرف أني أحب الجدل المبني على المعطيات والأدلة، أحضر لي في أحد لقاءاتنا بحثاً مطبوعاً بعنوان: “الكلام المتداخل وتنظيم أخذ الأدوار في الحوار”. وكانت الجملة الأولى به تقول: “إنّ التوزيع المنظم لفرص المشاركة في التواصل الاجتماعي هو أحد أهم الشروط الأساسية لبناء مؤسسات اجتماعية حيوية”. عندما قرأتها، فهمت فكرته.

بدأت بعدها بمراقبة ميولي للمقاطعة، وألقيت اللوم على أصلي الإيطاليّ. (الإيطاليون غالباً انفعاليون ويُحبون التعبير اللفظي، وعادة ما نُفسر المقاطعة على أنها اهتمام في ما يقوله الآخر وليس العكس). حتى أنني وجدت لاحقاً بعض الدلائل العلمية التي تُثبت أنّ الثقافة تلعب دوراً ملحوظاً في المقاطعة خلال بحثي عن كيفية تفاعل الناس من الثقافات الفردية والجماعية أثناء الحوار.

قام المشاركون اليابانيون (الثقافة اليابانية هي ثقافة جماعية) في إحدى الدراسات بمحاولة تغيير أسلوب مقاطعتهم التشاركي المعتاد (مثلاً كأن يقاطعوا ليطلبوا توضيح فكرة) إلى الأسلوب الأميركي الأكثر حدة عندما شاركوا في حوار باللغة الإنجليزية مع أميركيين. وقد كان عدد المقاطعات المحتدة الأكثر في حوار اللغة الإنكليزية أكبر بين المشاركين اليابانيين والأميركيين مقارنة مع عدد المقاطعات التي حدثت خلال حوار اللغة اليابانية بين المشاركين اليابانيين مع بعضهم البعض. وبالمثل، فقد بيّنت دراسات أخرى مع ثقافات مختلفة أنّ الشخص الذي يتكلّم لغة ثانية غالباً ما يتبنّى أسلوب حديث الطرف الآخر الذي تكون هذه اللغة هي لغته الأم.

وبسبب نزعتي الشخصية نحو المقاطعة، تولد لدي الفضول لتعلم المزيد عن المقاطعات وكيفية التنبؤ بالسيطرة على الحوارات والاجتماعات من قبل المقاطعين.

المكانة

تعلمت من الأبحاث أنّ الأصل ليس العامل الوحيد الذي يؤثر على المقاطعة. فقد وجدت العديد من الدراسات التي أجريت حول حوار ونقاش المجموعة في الاجتماعات أنّ “المكانة” هي أحد العوامل الأخرى المؤثرة. فالأشخاص ذوي المكانة العالية يُسألون عن رأيهم أكثر ويتحدثون أكثر ويحصلون على تعليقات إيجابية أكثر ويتم اختيارهم للقيادة أكثر وغالباً ما يؤثرون على قرارات المجموعة ويسيطرون على الحوار بشكل عام. وتم استنتاج تأثيرات مشابهة في المكانة على الأزواج والأسر في دراسات أخرى.

بشكل عام، يميل الناس نحو السيطرة على الحديث والمقاطعة عندما يشعرون أنهم أقوى من الطرف الآخر أو عندما يريدون أن يبعثوا رسالة للآخر بأنهم الأقوى. فقد وجدنا في البحث الذي قمت به مع لاي توست (جامعة جنوب كاليفورنيا University of Southern California) وريك لاريك (جامعة دووك Duke University)، أنه عند قيامنا بتحفيز الناس على الشعور بالقوة، من خلال جعلهم يكتبون عن الوقت الذي كانوا فيه يملكون قوة أكبر من قوة الطرف الآخر، قاموا بإعطاء أهمية لآرائهم الشخصية أكبر من أهمية آراء مرشديهم الأكثر خبرة عند اتخاذ القرارات. وفي دراسة أخرى، كان قادة الفريق الذين قمنا بتحفيزهم (ليشعروا بأنهم الأقوى) هم الذين يتكلمون معظم وقت الاجتماع مع الفريق، وكانوا يقاطعون البقية بشكل متكرر. في النتيجة، فشل هؤلاء القادة في معرفة المعلومات المهمة التي يمتلكها باقي أعضاء الفريق.

في صفوف تعليم الإدارة التنفيذية التي أدرسها، ألاحظ أنّ الطلاب الذين يتم تعيينهم عشوائياً ليصبحوا قادة فرق، يجربون شعور القوة والثقة الزائدة، ما يدفعهم للسيطرة على حوار الفريق. فهم يتكلمون أكثر ويُقاطعون ويعطون توجيهات وينصتون أقل. وبالنتيجة، فإنهم يفشلون في التعلم من الآخرين، الأمر الذي ينعكس سلباً على الفريق.

هل عليك التعامل مع المقاطعين؟ بإمكانك إعطائهم أبحاثاً أكاديمية تريهم الأخطاء في أسلوبهم، كما فعل زوجي. لكن برأيي، فإنّ الاستراتيجيات البسيطة الآتية قد تعطيك نتائجاً أفضل:

استبق المقاطع: بإمكانك طبعاً أن تطلب من الشخص الذي قاطعك أن يدعك تُكمل ما تقوله. الأفضل برأيي، حتى قبل أن تبدأ بالكلام، اسرد ما تريد أن تقوله للآخر وحدد له متى يمكنه إضافة مداخلة. وتقترح خبيرة أماكن العمل لورا روز بأن تخبره أنه هنالك العديد من التفاصيل لهذا الشرح، لذا تحملني. أريد قول القصة كاملة لك. ثم أريد أن نُلخص الحديث وأستمع لآرائك حول تفاصيل محددة. هذا النوع من التنويه، يُوقف المقاطع قبل أن يبدأ.

اعقد حواراً بنّاءً وإيجابياً: إذا استمرت المقاطعات، تكلم مع المقاطع بشكل شخصي بينكما. اقطع الشك باليقين والتمس للمقاطع عذراً، مثلما حدث معي، فالمقاطع قد لا يدرك أنّ لديه نزعة تجاه المقاطعة. شارك معه ما لاحظته عنه ومنذ متى، واشرح له كيفية تأثير هذا الأمر سلباً عليك (وعلى الآخرين، إذا كان هذا مناسباً). ومن الوارد جداً أن يحدث هذا الأسلوب في الحديث إذا طُرح بشكل إيجابي تغييراً في طريقة حديث المقاطع.

تحدّث بصيغة الجمع: إذا كنت تريد تفادي إحراج المقاطع، تكلّم بصيغة الجمع دون الإشارة إليه بطريقة مباشرة. اسأل المجموعة في ما إذا كان تواصلكم فعالاً وما الذي يمكنكم تحسينه. ستعطي هذه الاستراتيجية الفرصة لكل أعضاء الفريق، بما فيهم أنت، لأن يتم تسليط الضوء على التحديات التي تواجه الفريق، كخطوة أولى لحل المشاكل كمشكلة المقاطعة. إنّ معالجة المقاطعات التي حصلت سابقاً، ستجعلك قادراً على تفادي المُقاطعات التي ستحدث في المستقبل، وستشجعهم على حوارات فعّالة ومتوازنة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!