تعرف الشركات الناجحة زبائنها المستهدفين بالضبط، حيث تسعى لتلبية احتياجات الزبائن المحددة والاستراتيجية. وتركّز بذلك على الزبائن الأكثر أهمية للشركة، وتُعيد التركيز أحياناً على السوق المستهدفة الأكثر ربحاً. لكن من الشائع أن تفقد الشركات الناجحة تركيزها بهدف سعيها إلى النمو من خلال تلبية احتياجات الزبائن في نطاق واسع الانتشار. ولكن حتى إعادة التركيز الواعي لا يخلو من العثرات، حيث أنّ تغيير الزبائن المستهدفين ليس بالأمر السهل ولا يسير دائماً وفق الخطة.

تأمّل سلسلة بانينغز (Bunnings) الأسترالية الناجحة للغاية والمتخصصة في بيع الأجهزة بالتجزئة والتي تهيمن على سوقها الإقليمي، مع 330 موقعاً تجارياً في أستراليا ونيوزيلندا. وزبونها المستهدفهو أي رجل يعمل في مجال البناء والإصلاح بشكل مستقل، أو كما يُطلق على هذا النوع من الأعمال بممارسات "افعل ذلك بنفسك" (DIY)، أو أي شخص يعمل في التجارة. وهذا لا يعني عدم تلبية احتياجات النساء، إلا أنهنّ لسن "محور التركيز" فقط. والمميّز الرئيس لشركة بانينغز هو السعر. وقد طُبع شعارها الإعلاني "الأسعار الزهيدة ليست سوى البداية" في ذهن كل أسترالي.

وفي عام 2016، فكرت شركة بانينغز: إذا كان منهجنا يلقى رواجاً في أستراليا، فلم لا نخطو خطوة لتطويره في المملكة المتحدة وإيرلندا أيضاً؟ لذلك، اشترت شركة بانينغز القابضة ويست فارمرز (Wesfarmers)، سلسلة الأجهزة والأدوات المنزلية هوم بيس (Homebase) في المملكة المتّحدة بمقدار 705 مليون دولار أسترالي، أي حوالي 503 مليون دولار أميركي، مع خطط لإنفاق ما يصل إلى 1 مليار دولار أسترالي، أو 714 مليون دولار أميركي. وكان الهدف هو تحويل سلسلة هوم بيس المكونة من 280 متجراً إلى نموذج بانينغز.

لكن نموذج بانينغز الناجح جداً في أستراليا، فشل تماماً في المملكة المتحدة، وأعلنت شركة بانينغز القابضة في شهر مايو/أيار من العام 2018 عن انسحابها من المملكة المتحدة وبيعها سلسلة هوم بيس بحوالي 1 مليار باوند، أي حوالي 1.30 مليار دولار أميركي.  وأعلن المشتري هيلكو كابيتال منذ ذلك الوقت عن نيّته بالرجوع إلى استراتيجية هوم بيس. وستحصل ويست فارمرز أيضاً على20% من أي عائدات متأتية من البيع اللاحق لسلسة هوم بيس من قبل المشتري هيلكو كابيتال.

ما الخطأ الذي حدث؟

ما حصل هو أن زبون هوم بيس كان مختلفاً تماماً عن هدف بانينغز التقليدي. لاحظ التغيير في النوع الاجتماعي في وصف الزبائن من قبل سلسلة هوم بيس: "مستلزمات ديكور للمنازل والحدائق للزبونات النساء عموماً أو أسر الطبقات الراقية التي تمتلك أطفالاً ودخلاً أعلى من المتوسط". وتشكل الديموغرافية السكانية للطبقة الراقية حوالي 53% من سكان المملكة المتحدة وتتضمن أصحاب المناصب الإدارية العليا والمتوسطة والصغيرة والوظائف المهنية. من الواضح أن بانينغز قد تفوّقت على علامات تجارية شعبية زهيدة بسرعة كبيرة جداً مثل لورا آشلي، وانتهت بخط إنتاج سيئ لمنتجات المطبخ والحمام.

ومن الممكن جداً بطبيعة الحال تحويل تركيز الزبون دون عواقب وخيمة. فقد شغلت قبل بضع سنوات منصب الرئيس التنفيذي لشركة تصنع الدعامات والأطر للمنازل. لكن الشركة كانت تخسر أموالها، واضطررت إلى طرح مسألة تجارية رئيسية: من هو زبوننا المستهدف؟ كان لدينا كل أصناف الزبائن. بدءاً من الشركات الكبيرة التي بنت مئات المنازل في السنة وشركات البناء متوسطة الحجم التي شيّدت عدة منازل في السنة و "الأمهات والآباء" القائمين على مشاريع صغيرة والذين يتسوقون بشكل رئيسي صباح يوم السبت.

وتمكّنا بعد ظروف صعبة من تضييق قائمة زبائننا المستهدفين إلى "شركات البناء المهنية". واستُبعدت الأمهات والآباء من القائمة. إذ كانوا مصدر إلهاء. ونتيجة لذلك، تقلّصت مجموعة منتجاتنا بشكل جميل. وأقول "جميل" لأن إعادة التركيز هذا مكّننا من تقليل مخزون الأخشاب في مستودعنا، وبالتالي توفير السيولة النقدية وخفض نفقاتنا. وكانت إعادة التركيز هذه واحدة من المكونات الرئيسة في نجاح التحول.

وخاضت سلسلة متاجر البيع بالتجزئة الأسترالية الرائدة ديفيد جونز (David Jones)، تجربة مماثلة. تعرّضت سلسلة ديفيد جونز إلى فترة ركود منذ بضع سنوات، لكن رئيستها التنفيذية غيّرت منهجية العمل في الشركة من خلال إعادة التركيز على زبائنها المستهدفين. وقد عُرفت بكونها "المرأة ذات الدخل المرتفع من عمر 30 إلى 54 عاماً". لقد كانت بالفعل زبونة لدى الشركة، لكن لم تُلبى طلباتها بصورة كافية. إذ حادت عروض متجر ديفيد جونز الأساسي عن الرسالة من خلال محاولة التركيز على الجميع.

ثم بدأت ديفيد جونز بالتركيز عليها. وهذا لا يعني عدم تلبية احتياجات المراهقين والرجال، إلا أنهم لم يكونوا محور التركيز. اختارت الشركة هذه الزبونة الأساسية لأنها كانت منفقة كبيرة، أي كانت مربحة للشركة، ولأن علامة ديفيد جونز وطرازها وثقافتها لاقت استحسانها. ونتيجة لذلك، حصلت ديفيد جونز على معزز للربح.

ولكن هناك فرق كبير بين هذه الأمثلة وتجربة بانينغز من حيث درجة التغيير المطلوب في قاعدة الزبائن، حيث قلّلنا مجموعة فرعية من الزبائن في حالة شركة تصنيع الدعامات والأطر. أما في حالة ديفيد جونز، أُعيد تركيز العمل على مجموعة من الزبائن الراسخين لدى الشركة بالفعل. لكن مشروع بانينغز كان مختلفاً تماماً، حيث تطلّب تحولاً هائلاً في قاعدة الزبائن، أو بمعنى آخر، تحولاً من زبونات مستلزمات ديكور المنازل الإناث إلى معماري "افعل ذلك بنفسك" الذكور، ما أثّر على مكونات متعددة من المواقع الاستراتيجية للشركة.

ابدأ بالعلامة التجاريةاعتاد الزبائن على علامة هوم بيس. واعتادوا على مزيج ألوانها المكوّن من الأخضر الفاتح والأبيض. أما ألوان علامة بانينغز فكانت الأحمر الداكن والأخضر، يمكنك القول أنها كانت "صاخبة"و"ذكورية". لكن لم يُدمج التغيير. بل كان هذا التحول قبالة وجهك مباشرة.

انظر في مجموعة المنتجات. لم يستطع زبائن هوم بيس التقليديين عدم ملاحظة التغيير المفاجئ في مجموعة منتجات الحمام والمفروشات الصغيرة وحتى منتجات ديكورات المنزل. واستُبعدت بذلك المنتجات الخزفية والأدوات المنزلية وخدمات التركيب والتخطيط. اعترفت بانينغز أنها تفوّقت على علامات تجارية شعبية زهيدة مثل لورا آشلي بسرعة كبيرة جداً وانتهى بها الحال إلى خط إنتاج سيئ لمنتجات المطبخ والحمام.

ثم كانت مسألة السعركان شعار بانينغز، "الأسعار الزهيدة ليست سوى البداية"، الرابح الأكبر في أستراليا والذي مكّنها من الهيمنة على سوق الأجهزة. وكانت المشكلة هي أن تركيز بانينغز على السعر لم يلق أي صدى لدى زبائن الطبقة الراقية في هوم بيس.

والأثر الآخر هو أنك عندما تقوم بتغيير الزبون المستهدف فأنت تغير أيضاً المنافسين الذين تواجههم. لقد سعت هوم بيس إلى الابتعاد عن أكبر منافس لها، وهي شركة بي آند كيو (B&Q) المتخصصة في "لوازم واكسسوارات أعمال افعل ذلك بنفسك". وتحمل رسالة السعر المنخفض. خمن ماذا؟ إنّ حملة بانينغز للتأكيد على السعر المنخفض لم تضعها في مواجهة شركة بي آند كيو فحسب، بل أيضاً شركة ويكس (Wickes)، وهي سلسلة أجهزة أميركية أُسّست في المملكة المتحدة منذ سبعينيات القرن الماضي. وكلاهما قام بتلبية حساسية الزبون المتعلقة بالسعر التي تهدف إليها بانينغز الآن. والمفارقة هي أن هوم بيس قد ابتعدت في ما سبق عن هذا العميل المستهدف ذاته.

وبالنظر إلى أن بانينغز قلّلت من أهمية درجة التحول الاستراتيجي التي تطلّبها التركيز على الزبون الجديد، لا غرابة أنها تحرّكت بعد ذلك نحو تبنّيها بسرعة كبيرة. واقتضت الخطة فتح بعض متاجر علامة بانينغز بوصفها مشاريع تجريبية لاختبار الأساليب المختلفة. ليجري بعد ذلك اعتماد النموذج المثبت عبر الشبكة. لكن الخطة لم تسر كما هو مخطط لها، بدلاً من ذلك، أقال فريق الإدارة الذي قدِم من أستراليا كامل فريق إدارة هوم بيس ونحو 160 من المدراء المتوسطين مجرد توليهم الإدارة وشرع على الفور في تحويل مخازن هوم بيس. وفي الوقت الذي أصبحت فيه العواقب واضحة، أُعيد تجديد نحو 24 متجراً. إن التمسك بخطتهم الأصلية كان من شأنه أن يوفر لهم خيار التمحور قبل حدوث الكثير من الضرر.  وما حدث هو أنهم زادوا من سوء الاستراتيجية.

إن تحديد الزبون المستهدف هو جزء رئيسي من التخطيط الاستراتيجي. إذ يحدد الخيار ما يجب عليك بيعه، وكيفية التسويق له، والسعر الذي ستفرضه، فضلاً عن تحديد منافسيك. وقد تكتشف أيضاً مع تطور استراتيجيك أن تركيز الزبائن في عملك قد يتغيّر أيضاً. ويمكن أن يحدث دون إدراكك. وذلك من خلال تلبيتك لصفقة هنا، والتكيف مع تلك الأسواق الإقليمية هناك، وسرعان ما تحاول أن تكون كل شيء لكل الزبائن. أو قد تُجري تغييراً في التركيز على الزبائن دون النظر بعناية في انعكاسات الاستراتيجية، كما رأينا مع بانينغز، وتنتهي بفشل ذريع لأن الاستراتيجية التي تتوافق مع هدفك الجديد لا تتناسب مع السوق الجديد الذي تتعامل معه. وفي كلتا الحالتين، يُعتبر عدم إيلائك الاهتمام لاختيار زبونك المستهدف وما قد ينطوي عليه هذا الاختيار وصفة للفشل الاستراتيجي.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!