تابعنا على لينكد إن

يشبه حال سوق العمل في الولايات المتحدة حال الرياضي الهرم، إذ يستغرق مزيداً من الوقت لينتعش بعد فترات الركود الاقتصادي. فاستغرق الأمر عامين ونصف لاستعادة الوظائف التي فُقدت خلال فترة الركود بين عامي 1990 و1992. وعلى الرغم من أنّ فترة الركود التالية، والتي جاءت في العام 2001، كانت قصيرة وخفيفة (وبالكاد انخفض الناتج المحلي الإجمالي)، لكن استغرق الأمر أربعة أعوام لانتعاش سوق العمل، ما دفع نظام الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إلى إدارة الاقتصاد لمدة طويلة من انخفاض معدل الفائدة. ثم حصل الركود الاقتصادي العظيم، واستغرقت عودة معدل التوظيف إلى ما كان عليه في العام 2007 مدة سبعة أعوام. كما أنّ استعادة الحصول على أجور حقيقية يأخذ أطول من ذلك، حيث أنها ما زالت تحت معدلها الذي سبق فترة الركود.

ما الذي يمكن أن يكون وراء “حالات الانتعاش غير المصحوبة بفرص العمل”؟

أظهرت دراسة مؤثرة أجراها نير جايموفيتش وهنري سيو أنّ سبب حصول حالات الانتعاش غير المصحوبة بفرص العمل هو القضاء على الوظائف الروتينية خلال فترات الركود، حيث تسعى الشركات جاهدة إلى خفض التكاليف خلال فترات الركود. كما أنّ أتمتة الكثير من الوظائف، والتعاقد الخارجي (أو التعهيد) في الربع الأخير من القرن الماضي جعل من الوظائف هدفاً مثيراً لخفض التكاليف. لكن للأسف، بالنسبة للعمال: بمجرد أتمتة العمل في مراكز الاتصال أو إجراء تعاقد خارجي مع الصين من أجل الإنتاج، لن تبق هذه الوظائف بعد انتعاش الاقتصاد الأميركي ثانية.

وهناك المزيد في ما يتعلق بهذا الأمر. ففي عمل قمنا به مؤخراً، نُظهر أنا ونير جايموفيتش وأرلين وونغ أنّ سلوك المستهلك يساهم في إحداث حالات ركود أعمق، إلى جانب بطء في حدوث حالات الانتعاش.

خلال فترات الركود، يتجه المستهلكون إلى “خفض معدل التداول” بهدف الاقتصاد، أي أنهم يخفضون جودة البضائع والخدمات التي يستخدمونها. وكمعلومة طريفة: حصلت مطاعم الوجبات السريعة مثل ماكدونالدز وشيبوتل بالإضافة إلى محلات السلع العامة مثل تارغت ووول مارت على حصة من السوق خلال فترة الركود الاقتصادي العظيم. ويعد خفض معدل التداول أمراً منطقياً بالنسبة للأفراد، ولكن على المستوى الكلّي فهو بمثابة الفخ، لأنه يتم إنتاج السلع والخدمات الأقل جودة بالاستعانة بعمالة أقل. لذلك، مع تزاحم المستهلكين تجاه السلع الأقل جودة، فهم بذلك يقللون الطلب على العمالة الأميركية، ما يزيد من صعوبة فترة الركود هذه. إلا أنه في بعض الحالات، يستمر خفض معدل التداول بعد انتهاء فترة الركود (فالمستهلكون يستطيعون الاعتياد على أمر ما بشكل كبير)، ما يزيد من الوقت اللازم لانتعاش سوق العمل مرة أخرى.

ويمكن اعتبار المطاعم والمتاجر أمثلة واضحة على العلاقة بين الجودة والكثافة العمالية. على سبيل المثال: يُعتبر عدد العمال في مطاعم الوجبات السريعة مثل ويندي (Windy) مقابل كل وجبة مقدمة أقل من عددهم في المطاعم متوسطة الحجم مثل بيكرز سكوير (Bakers Square). (كما أنّ عدد العمال في بيكرز سكوير أقل بكثير من عددهم في المطاعم الراقية مثل مطعم ألينيا الشهير في شيكاغو). ويقوم هول فودز، وهو متجر راق، بتوظيف 6 عمّال لكل مليون دولار من المبيعات. وما يحدث فعلاً هو أنّ الشركة لا ترغب أن ينتظر عملاؤها في طابور أمام الصراف، لذلك، بمجرد وجود أكثر من بضعة أشخاص في الطابور، يقوم المدير بفتح صراف آخر. كما يقوم سيفوي (Safeway)، وهو متجر يستهدف الطبقة الوسطى، بتوظيف أربعة عمال لكل مليون دولار من المبيعات، وهو السبب في أنّ لديه طوابير أطول أمام الصراف من متجر هول فودز. وربما تجد طوابير أطول في سام كلوب (Sam’s Club) والذي يوظف عاملين لكل مليون دولار من المبيعات. وعليه، يؤدي تنقل كل مليون دولار من المبيعات من متجر هول فودز إلى سيفوي أو من سيفوي إلى سام كلوب إلى خسارة وظيفتين. (والآن، حتى متجر هول فودز أمام ضغط لخفض أسعاره).

في الولايات المتحدة، ومع مرور الوقت، ازداد توافر السلع ذات الجودة المنخفضة والسعر المنخفض، والتي تم إنتاجها في البلدان النامية. وقدّمت هذه الوفرة الواسعة فرصاً أكبر للمستهلكين لخفض معدل تداولهم، ما أدى إلى تفاقم مشكلة انخفاض الطلب على العمالة والتي تحدث أثناء فترات الركود.

تثير هذه الاتجاهات الجديدة أسئلة مهمة بالنسبة للشركات: هل يجب على الشركات تغيير نظام التوظيف في علامتها التجارية؟ وهل يجب عليها إطلاق أفرع اقتصادية لعلامتها التجارية أثناء فترات الركود؟ إلى جانب ذلك، تضع هذه الاتجاهات صانعي السياسات أمام تحد جديد: ما هي الطريقة الأكثر فعالية لتدريب العمال الروتينيين حتى يتمكنوا من العثور على مهن جديدة بشكل أسرع؟

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن اقتصاد عالمي

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz