تخيّل أن طبيبك سيقول لك عندما تذهب إليه المرة المقبلة أنك تعاني من مرض يهدد حياتك. ما المشكلة هنا؟ لقد شخّص جهاز الكمبيوتر مرضك وهو أمر معقد جداً لا يمكن للبشر فهمه كلياً. وكل ما يستطيع طبيبك شرحه هو أن جهاز الكمبيوتر محقّ دائماً.

إذا بدا لك أن هذا الأمر خيال علمي، فأنت مخطئ. هذا ما ستبدو عليه الرعاية الصحية بالنسبة للأطباء والمرضى والجهات الناظمة حول العالم، حين تقدم أساليب التعلم الآلي الجديدة المزيد من التحليلات المستقاة من كميات البيانات المتزايدة باستمرار.

في الوقت القريب، ستساعد الخوارزميات المعقدة الأطباء على تشخيص الحالات الصحية بدقة متناهية عن طريق كميات المعلومات الهائلة مستندة إلى ارتباطات بين تلك البيانات لا يمكن تفسيرها تماماً.  

لا شكّ في أنّ هذا المستقبل مفزع بعض الشيء، نظراً للقوة التي سيبدأ الأطباء والمرضى بتسليمها للآلات. ولكن يجب علينا أيضاً أن نستعد للتغيير، ونتقبله بسبب الأثر الذي ستولّده هذه الأساليب الجديدة والأرواح التي قد تتمكن من إنقاذها.

على سبيل المثال، هناك دراسة نشرها اليوم مجموعة باحثين من جامعة شيكاغو وجامعة ستانفورد وجامعة كاليفورنيا وسان فرانسيسكو وشركة جوجل بمشاركة أحد مؤلفي هذا المقال، حيث أدخلت هذه الدراسة بيانات حُجبت هويات أصحابها إلى سلسلة خوارزميات التعلم الآلي التي تقوم موارد جوجل الحاسوبية الهائلة بتشغيلها.

استطاعت هذه الخوارزميات أن تتنبأ بالأمراض وواستطاعت تشخيصها بدقة فائقة، بدءاً من الأمراض القلبية الوعائية وصولاً إلى السرطان، وتنبأت بأمور ذات صلة بها كاحتمال الوفاة، وطول مدة الإقامة في المستشفى واحتمالات الدخول إليها مرة ثانية. على سبيل المثال، خلال 24 ساعة من إقامة المريض في المستشفى كانت الخوارزميات قادرة على التنبؤ بدقة تزيد عن 90% باحتمالات وفاة المريض. إلا أنّ هذه التنبؤات كانت مبنية على أنماط في البيانات لم يستطع الباحثون تفسيرها بصورة كاملة.

هذه الدراسة ليست غريبة من نوعها، ففي العام الماضي قام الفريق ذاته في جوجل باستخدام بيانات صور مسح العين لأكثر من 125,000 مريض من أجل بناء خوارزميات تستطيع الكشف عن مرض اعتلال الشبكية (وهو السبب الأساسي للإصابة بالعمى في بعض أجزاء العالم)، بنسبة دقة تتجاوز 90%، وتتساوى مع دقة تشخيص أطباء العيون المجازين. ومرة أخرى، واجهت هذه النتائج العقبات ذاتها، إذ لم يتمكن البشر من فهم سبب اتخاذ هذه النماذج لقراراتها. وسيكون هناك الكثير من الأمثلة الأخرى.

ولكن، هناك من بدؤوا بمقاومة هذه الطرق بشكل فعلي داعين لحظر تام على استخدام “خوارزميات غير قابلة للتفسير” في مجالات ذات تأثير كبير كقطاع الصحة. إذ صرّح وزير الدولة لقطاع التقنية الرقمية في فرنسا بوضوح هذا العام عن وجوب عدم استخدام أية خوارزميات لا يمكن تفسيرها.

إلا أنه لا يكمن الحل بمعارضة هذه التطورات بمجملها. لأنّ فوائد الأساليب الخوارزمية في الطب أعظم من أن نتجاهلها. فالكشف المبكر عن أمراض كسرطان الجلد أو الأمراض القلبية الوعائية يمكن أن يقود إلى تخفيض الإصابة بها. وقد تستفيد منها أيضاً الأنظمة الاقتصادية الأضعف التي لا تملك إمكانية توفير أطباء مدربين، لأنها ستتمكن من اكتشاف حاضن المرض ومعالجته في وقت مبكر. وسيكون من الممكن أيضاً تحسين توصيات المعالجة الفردية ما يؤدي إلى إنقاذ أرواح البعض ورفع جودة الحياة بالنسبة للكثير.

هذا لا يعني أنّ نماذج التعلم الآلي ستحل محل الأطباء، إنما ستشكّل على الأرجح تحولاً منتظماً نحو تسليم الآلات مسؤولية المهمات الروتينية والتي يمكن برمجتها، من أجل السماح للأطباء بالتركيز على مواضيع يكون ارتباطها المباشر بعناية المرضى أكبر من ذي قبل. وفي بعض الحالات، قد يكون الأطباء ملزمين قانونياً باستخدام نماذج أكثر دقة من الخبرات الإنسانية، بحسب ما أشار إليه بعض علماء القانون مثل مايكل فرومكين. وهذا لن يخرج الأطباء من الدائرة كلياً، إنما سينشئ فرصاً جديدة وأخطاراً جديدة مع انخراط التقنية وازدياد قوتها.  

كيف يتوجب علينا الاستعداد لمستقبل يقع فيه عبء التشخيص على الخوارزميات بصورة متزايدة؟

أولاً، يجب أن يخصص مقدمو الخدمات الطبية ومعاهد البحوث  والحكومات الموارد من أجل “الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير”، والذي يهدف لمساعدة البشر على إيجاد فهم أفضل لكيفية التعامل مع قرارات الخوارزميات المعقدة التي تبدو غير قابلة للتفسير. على سبيل المثال، خصصت وكالة مشاريع البحوث المتقدمة الدفاعية “داربا” (DARPA) مشروعاً كاملاً لهذا الموضوع، ونشأ مجتمع بحوث كامل متنام في الأعوام الأخيرة يركز على ذات الأمر. سيكون بحث كهذا أمراً جوهرياً لقدرتنا على وضع هذه الخوارزميات قيد الاستخدام والثقة بها عندما يتم ذلك.

يجب أن تكتشف الجهات المنظمة لقطاع الرعاية الصحية أيضاً سبلاً جديدة لتنظيم استخدام هذه الأساليب. وأحد الأمثلة على ذلك هو البرنامج التجريبي لإدارة الغذاء والدواء الأميركية “بري-سيرت” الذي يتم توجيهه نحو إيجاد طرق جديدة لتقييم التقنيات كالتعلم الآلي. يجب على الجهات المنظمة أن تستقي من الأساليب الحالية في الأقسام المالية، والمعروفة بأطر العمل النموذجية لإدارة المخاطر، والتي تم تطويرها استجابة لتحديات مماثلة. وقد طبقت الجهات المنظمة في الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي أطر العمل هذه للحفاظ على الرقابة عندما تبنّت المصارف أساليب التعلم الآلي المعقد خلال العقد الفائت.

يجب أن تضمن الحكومات ألا تصبح الكميات الهائلة من البيانات التي تتطلبها هذه الأساليب محصورة ببعض الشركات فقط، كما حصل في مجالي الإعلان على الإنترنت، والبيانات التي تدرس عن الشخص لتفحص الجدارة الائتمانية. يجب على الجهات المنظمة في وزارة الصحة الأميركية والخدمات الإنسانية التي تعزز قوانين الخصوصية الفيدرالية للبيانات الطبية، بالترافق مع المشرعين الفيدراليين والمشرعين على مستوى الولايات، التشجيع على مشاركة البيانات الطبية بوجود الرقابة المناسبة.

وأخيراً، يجب أن يتمكن المرضى من معرفة متى يعتمد أطباؤهم على الخوارزميات للقيام بالتنبؤات والأسباب التي تدفعهم لذلك. كما يجب أن يحظى المرضى عند اللزوم بإمكانية طلب شرح طبي تقليدي قابل للفهم أكثر. على سبيل المثال، إذا أعطت الخوارزميات مريضاً ما احتمالاً بنسبة 90% للوفاة خلال أسبوع، يجب أن يكون المريض قادراً على معرفة المزيد عن الطرق التي أُنشئت بها هذه الخوارزميات وطرق تقييم دقتها وإقرارها. ويجب أن يتمكن أيضاً من رؤية التشخيص بالإضافة إلى تقرير تقليدي للتشخيص حتى إن كانت نسب دقته أقل.

إنّ التحديات التي تواجه استخدام التعلم الآلي في مجال الرعاية الصحية كثيرة، ولكنها هزيلة مقارنة بالفوائد التي سيجلبها هذا التطور. ويمكن أن يصبح هذا الأمر حاسماً، وتعتمد أرواح الناس عليه.  

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!