يعلم تجار التجزئة أنه يتحتم عليهم العثور على المزيج المناسب للخدمة التي تدمج بين التيسير الرقمي وقيام الشخص بأداء الخدمة بنفسه. لننظر إلى حملة شركة وول مارت الإعلانية الأخيرة التي انطلق الزبائن بعدها في تقديم طلباتهم فرحين عبر الإنترنت أو من خلال التطبيق الذكي للشركة. كان أمام الزبائن إما الاختيار بين استلام صناديق زرقاء أنيقة تصل إلى عتبات منازلهم أو استلام هذه الطلبات بكل سلاسة من أقرب متجر لهم.

إنّ تخيل نفس الإعلان بالنسبة لمقدم خدمات الرعاية الصحية في عام 2018 (حتى إن كان مقدم خدمات مبدع ومبتكر) يعد أمراً بعيد المنال.

ولكن سوف يتوجب على مقدمي خدمات الرعاية الصحية، مثلهم في ذلك مثل المصارف وشركات الطيران وتجار التجزئة، منح زبائنهم تجربة رقمية ميسرة وسهلة منذ الوهلة الأولى. ليس معنى هذا إنشاء مواقع إلكترونية جميلة وأنيقة، وإنما القيام بعملية حقيقية لإعادة تصميم طرق تقديم خدمات الرعاية الصحية ذاتها: أي أن يصبح مقدمو خدمات الرعاية الصحية ماهرين في تقديم رعاية افتراضية عالية الجودة وتتسم بالكلفة المعقولة من خلال أدوات رقمية وكذلك تقديم الخدمات الصحية عن بعد. وحتى يتحقق هذا الغرض، سوف يتحتم عليهم الانتقال من البرامج الاستكشافية إلى جهود واسعة النطاق يتم تقديمها وعرضها بشكل منتظم عبر منظومة الرعاية الصحية.

إنه تحد ليس بالهين أو اليسير، فهو يحتاج إلى منظومة عمل مصممة تصميماً كاملاً وتاماً حول التفاعلات الشخصية للمستخدمين مع واجهة تقديم الخدمات، وتعاملهم مع الإجراءات التي تتم داخل المؤسسات نفسها، وأن يكون العاملون في تلك المؤسسات من المهنيين المحترفين المدربين بل وربما يتحتم أن يكونوا قد مارسوا هذا العمل على امتداد سنوات عديدة في بيئة العمل هذه دون سواها؛ ويتحتم أن تتحرك منظومة العمل هذه في الوقت الحالي بأقصى طاقة أو ربما على نحو يفوق ذلك، بحيث يمكنها استيعاب الزبائن وخدمتهم من خلال إجراءات متناقضة تماماً مع الوضع الراهن: كتقديم الرعاية لمرضى ليسوا موجودين فعلياً أمام الطبيب المعالج باستخدام إجراءات لم يحصل طبيب العلاجات السريرية إلا على قدر قليل من التدريب عليها، وذلك في ظل عدم وجود أدوات قاصرة، وبيانات أولية وحسب. ولمواكبة هذا التطور، يتحتم على المؤسسات المقدمة للخدمات أن تطرح ثلاثة أسئلة.

أولاً، ما هو الهدف الاستراتيجي الذي ستساعد الرعاية الصحية الافتراضية في تحقيقه في الوقت الحالي؟ بالنسبة لبعض مقدمي الخدمة، تتعلق الرعاية الافتراضية بالوفاء بحاجة متنامية يدركها طالب الخدمة الصحية أو المريض: هذا هو ما يريده المريض وسوف يتوقعه بشكل متزايد. في واقع الأمر، من بين أوضح المنافع والمزايا لتلك الرعاية الافتراضية توفير الراحة للمرضى. وبالنسبة لمقدمي الخدمة الذين يقومون بقياس تجربة المرضى بدقة كافية، قد تحسن الرعاية الافتراضية هذه النتائج (في واقع الأمر، من بين مرضى مستشفى النساء في مدينة بريغهام Brigham and Women’s Hospital ممن خضعوا لاستطلاع رأي بعد أول مقابلة لهم عقب الحصول على الخدمة الطبية عن بعد، جاءت النتائج كما يلي: 97% كانوا راضين عن التجربة وسوف ينصحون آخرين باستخدام هذا البرنامج، بينما شعر 74% من المرضى أنّ التفاعل قد عمل بالفعل على تحسين علاقتهم مع مقدمي الخدمة الذين يتعاملون معهم). إنّ تحسين إمكانية الوصول يعد ميزة محتملة أخرى، حيث تتيح أدوات تقديم الخدمة الطبية عن بعد الوقت لمقدمي الخدمة لمعاينة مرضى جدد حالاتهم أكثر تعقيداً وجهاً لوجه من خلال العمل بفاعلية على نقل الزيارات الدورية المعتادة إلى خارج العيادات من خلال تقديم الخدمة الافتراضية عن بعد. وبالنسبة لأنظمة الرعاية الصحية التي تدخل في تعاقدات خاصة بالمخاطر ونماذج الدفع البديلة، حيث تظهر تلك العقبة المتمثلة في عبء زيادة الإنفاق الطبي الإجمالي بشكل سريع أكثر من اللازم، فبمقدور الخدمات الطبية عن بعد أن تساعد في تحسين شروط هذا التعاقد من خلال الحد من استغلال الخدمات وكذلك الحوادث السريرية التي تؤدي إلى زيادة الإنفاق.

تعد هذه كلها احتياجات استراتيجية مختلفة غاية الاختلاف عن الوضع الحالي وتقتضي منهجيات تنفيذ مختلفة ومعايير أداء مختلفة. أما السؤال الثاني الذي يجب أن يطرحه مقدمو الخدمات فهو كيف سيتم قياس نجاح خدمات الرعاية الافتراضية التي يقدمونها، ما لم يكن مقدمو الخدمة هم أصلاً مراكز أكاديمية طبية أو مقدمو خدمات يتعاونون مع مختصين يجمعون بيانات عن عملهم بطرق مختلفة وينشرون النتائج؟ فمن دون توافر بيانات أفضل سوف تتوافر لدينا معرفة قليلة حول الفعالية الحقيقية لتقنيات الرعاية الصحية الافتراضية. وعندما تكون التجارب البحثية الرسمية غير عملية، فسوف يتحتم على مقدمي الخدمات استخدام اختبار أ/ب أو اختبار الصلاحية (A/B testing)، وتعلم زيادة سرعة تقييم فعالية هذه التقنيات وإمكانية توسيعها وتطويرها. في مستشفى "بريغهام"، نقوم باختبار استخدام زيارات العيادات الخارجية الافتراضية في تجربة عشوائية كبيرة هذا العام ونقوم بقياس النتائج. وفي دارسة عشوائية أخرى أجراها مستشفى "بريغهام" ومستشفى ماساتشوستس العام (Massachusetts General Hospital)، فإننا ننظر فيما إذا كان التدريب الصحي الافتراضي والتواصل الافتراضي مع المرضى عن طريق الرسائل النصية يمكن أن يحسن ضغط الدم لمجموعة كبيرة من الأشخاص. سوف تكون هذه البيانات غاية في الأهمية للتوسع والتطوير: وقد يكون من الصعب إقناع الأطباء السريريين بفحص المرضى من خلال التواصل الافتراضي أو اقتناعهم بتقديم أدوات صحية رقمية لمرضاهم، دون وجود دليل دامغ على وجود فائدة حقيقية من ذلك.

وحتى مع وجود دليل الإقناع فيما يتصل بالتنفيذ، فإنّ السؤال الثالث الذي ينبغي أن يطرحه مقدمو الخدمات، وقد تزايدت الضغوط عليهم بالفعل من جراء المسؤوليات السريرية وغيرها من مسؤوليات العمل الأخرى، فهو كيف سيجد مقدمو الخدمات الوقت والموارد للتجريب مع قائمة متنامية من الأدوات الرقمية؟ فعلى مدار السنة الماضية، شاهدت مئات الأطباء والممرضين وأخصائيي التغذية والصيادلة وغيرهم من مقدمي الخدمات أثناء العمل في مستشفى "بريغهام" يبدؤون عرض أدوات رعاية افتراضية للمرضى بعدة طرق مختلفة، ابتداء من الزيارات الافتراضية المتخصصة، والرعاية الأولية الرقمية القائمة على استطلاعات الرأي، وكذلك القياس الروتيني عن بعد للبيانات السريرية الخاصة بالمرضى من منازلهم، بالإضافة إلى الأدوات الصحية الرقمية الأخرى مثل تطبيقات الهواتف الذكية. يحقق هؤلاء الأطباء السريريون النجاح في ذلك، ولكن المسألة تنطوي على تحد كبير: فهي بالنسبة للكثيرين تبدو وكأنها وظيفة جديدة.

يتحتم على المؤسسات التقليدية المقدمة للخدمات العثور على طرق تقديم جديدة لخدماتها طوال اليوم وليس فقط في أوقات محدودة، وكذلك ليس فقط من خلال عدد محدود من المتبرعين للقيام بذلك. وهناك حلول لهذه المشكلة، ولكن هذه الحلول تتطلب إعادة هيكلة ويمكن أن تكون باهظة التكاليف. لعل أحد المنهجيات التي يمكن اتباعها في ذلك هي إسناد تقديم الخدمات الطبية عن بعد لغير الأطباء؛ إننا نقوم بإجراء التجارب على استعمال مقدمي خدمات مرخص لهم من جميع الأنواع بما في ذلك الأطباء المساعدين، والممرضين، وأخصائيي التغذية وذلك لتقديم خدمات الرعاية الافتراضية عن بعد للمرضى. ويستطيع الأطباء تخصيص المزيد من جداول أعمالهم للرعاية الافتراضية، ولكن هذا سيتطلب المزيد من المرونة في ساعات العمل وكذلك التعويض المادي المناسب للتكيف مع هذا التحول. سوف تحتاج تلك الممارسات إلى موارد تماماً مثلما يحتاج تعميم أي خدمة ونشرها على نطاق واسع. وفي النهاية، سوف يحتاج الأطباء السريريون إلى تعليم وتدريب دقيقين على تقديم الخدمات الصحية الرقمية، وهذا الأمر ليس موجوداً على وجه العموم ضمن برامج التدريب الوطني والتعليم المستمر.

هناك حواجز هيكلية أخرى سوف يتحتم على مقدمي الخدمات التغلب عليها سريعاً، من بينها ترخيص مقدم الخدمة، وهو عامل محدد بالغ الأهمية بالنسبة للحصة السوقية على المستوى الإقليمي والمستوى الوطني. أما الحاجز الآخر فيتمثل في التقنية: فكما حدث مع شركة وول مارت، سوف يحتاج مقدمو الخدمات إلى دمج منصة رقمية في نموذج العمل الحالي الذي يستخدمونه. وإلى أن تقدم الشركات المقدمة لخدمات السجلات الطبية الإلكترونية أدوات صحية رقمية كبيرة كجزء من أنظمتها القياسية، فسوف نحتاج إلى تصميم هذه الأدوات بأنفسنا أو ترخيصها. وحيث أنّ برنامج التبادل المشترك للبيانات الإلكترونية في المجال الصحي (Fast Health Interoperability Resources) والمرحلة الثالثة من برنامج التحفيز لميكنة السجلات الصحية (EHR) يخلقان المزيد من الروابط بين السجلات الإلكترونية، وبيانات المرضى، وتطبيقات الصحة الشخصية، فإنّ المشهد التقني سوف يبدأ في التغيّر بسرعة كبيرة خلال عام 2018، لا سيما مع تقديم الرعاية الصحية الرقمية.

ويحتاج مقدمو خدمات الرعاية الصحية، مثلهم مثل تجار التجزئة وغيرهم من الأعمال والمشاريع الأخرى التقليدية التي تتعامل مع الأشخاص وجهاً لوجه، إلى تجهيز أنفسهم لمستقبل يتزايد فيه قيام شركات التكنولوجيا، التي تركز بشكل أوحد على تقديم خدمات الرعاية الافتراضية، بالوفاء باحتياجات المرضى بشكل أكثر راحة وكفاءة بالنسبة لهؤلاء المرضى. ويستطيع مقدمو الخدمات الصحية إما التخلي عن حصتهم السوقية وحجمهم في السوق لصالح هذه الشركات التقنية أو التغلب عليهم عن طريق توسيع خدمات الرعاية الافتراضية الخاصة بهم وتطويرها. وسوف يحدد صناع القرار الاستراتيجيون لدى مقدمي الخدمات مدى استعدادهم وجاهزيتهم لمستقبل يتوقع فيه المرضى أن تكون خدمات الرعاية الصحية المقدمة لهم بنفس سلاسة التسوق عبر الإنترنت، وذلك إذا كان مقدمو الخدمات الصحية يريدون المحافظة على ولاء هؤلاء المرضى لهم.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!