فكرة المقال:

في مطلع تسعينيات القرن الماضي عانت شركة "دبليو بي بي" (WPP) من أزمة مالية خانقة دفعتها إلى إعادة تنظيم نفسها لتتمحور حول استراتيجية جديدة للنمو، شملت حصر بعض الوظائف الأساسية ضمن الشركة بيد الإدارة المركزية وخلق حالة من "العمل بطريقة أفقية" (Horizontality) بهدف منح الزبائن إمكانية الوصول إلى الموارد الموجودة في مختلف الوكالات التابعة للشركة.

في مطلع العام 1992 زرت المقر الرئيسي لبنك "جي بي مورغان" في لندن والذي كان يقع وقتها ضمن بناء سبق وأن كان يُستعمل كمدرسة. يومها انتابني شعور جعلني أحسّ وكأنني قد استدعيت إلى غرفة ناظر المدرسة. لقد ذهبت يومها إلى هناك بهدف الاجتماع مع موظفي المصرف الذين كانوا يعملون مع "دبليو بي بي" والذين لم يكونوا سعداء. فقبل عامين من ذلك التاريخ كنا قد اقترضنا المال للقيام بعملية استحواذ ضخمة؛ وبعد ذلك بفترة وجيزة حصلت حالة من الركود العالمي دفعتنا إلى مواجهة صعوبة كبيرة في سداد ديوننا. وقد كان يتعيّن عليّ أن اجتمع مع موظفي المصرف مرة كل ثلاثة أشهر، حيث كانوا يُجرون مراجعة لمصاريفنا ويدققون في طريقة عملنا. ومن رحم تلك التجربة الشبيهة بالموت، ولدت الاستراتيجية التي قادتنا إلى تحقيق النجاح خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية.

تُعتبرُ "دبليو بي بي" أكبر شركة للخدمات الإعلانية والتسويقية في العالم، حيث أنّها تشغّل أكثر من 190 ألف شخص في 3,000 مكتب منتشر في 112 بلداً. وفي سنواتنا الأولى بالتحديد، حققنا نمواً في الشركة من خلال الاستحواذ على شركات أخرى. فحتى يومنا هذا لازال بعض الناس ينظرون إلى "دبليو بي بي" بوصفها شركة قابضة. وفي الحقيقة، فإن العديد من الشركات التي استحوذنا عليها تتمتّع بالاستقلال الذاتي، والبعض منها قد يكون سعيداً فيما لو عملنا وفق النموذج الذي تتّبعه شركة "بيركشاير هاثاوي" (Berkshire Hathaway) كشركة مالكة لا تتدخّل في إدارة الشركات التابعة لها، والتي تعتبرُ جزءاً من مؤسسة تعمل وفق نموذج لامركزي. ولكن بعد أن تمكنتُ من التعامل مع أزمتنا المالية في مطلع تسعينيات القرن العشرين، أدركتُ بأن القيام بعمليات استحواذ ومحاولة تنمية الشركة لتصبح شركة ضخمة جداً، ستكون خطوات بلا طائل دون وجود استراتيجية مُحْكَمة. وخلافاً لعمليات الاستحواذ التي قامت بها شركة بيركشاير، كانت كل العمليات التي قمنا بها ضمن القطاع ذاته. لقد كنا بحاجة إلى العثور على طريقة للوصول إلى المعادلة التالية: (واحد زائد واحد يساوي أكثر من اثنين)، أي أن نسخّر حجم شركتنا الكبير ليكون لصالح ميزتنا التنافسية. لقد كانت هذه هي الطريقة الوحيدة التي تسمح لنا بإضافة القيمة.

لقد قادتنا الأزمة إلى إعادة تنظيم أنفسنا وطرح استراتيجية جديدة للنمو، حيث بدأنا بإضفاء الصبغة المركزية على بعض الوظائف الأساسية في الشركة مثل إدارة المواهب، والشؤون المالية، والمعلوماتية، والشؤون العقارية، والشؤون القانونية، لكي تؤدي دوراً تنسيقياً بينها وضمن جهودنا لضغط النفقات. كما بدأنا بالعمل وفق أسلوب جديد يقوم على "العمل بطريقة أفقية" (Horizontality)، حيث منَحْنَا زبائننا إمكانية الوصول إلى الموارد المتاحة في وكالاتنا المختلفة، وهذا الأمر ساعدنا في توسيع أعمالنا وكسب المزيد من الزبائن. كما سمحت لنا هذه الطريقة التي اتّبعناها في إدارة الوكالات التابعة لمجموعتنا بالتركيز على الأشياء التي تبرع هذه الوكالات فيها، كما أفسحت المجال أمام كبار المدراء لكي يضعوا استراتيجيات تسمح لنا بالنمو في الأسواق الرقمية وفي الأسواق التي تشهد تنامياً سريعاً، وفي مجالات جديدة مثل إدارة الاستثمارات الخاصة بالبيانات، والتي أصبحت مصادر كبيرة للنمو خلال العقد الماضي.

الطريق إلى عالم الإعلانات


وُلدتُ في المنطقة الشمالية الغربية من لندن. وكنت الابن الوحيد لوالديّ، ولاسيما أن شقيقي الآخر كان قد توفي بعد ولادته مباشرة. كان والداي يدينان باليهودية وينتميان إلى عائلتين تنحدران من أوروبا الشرقية. عاش والداي في بداياتهما حياةً شاقة لكنها كانت دافئة أيضاً. فقد اضطر والدي إلى مغادرة المدرسة وهو في الثالثة عشر من العمر. وقد انتهى به المطاف مديراً لواحدة من كبريات شبكات التلفزيون والراديو في انكلترا. أما أنا فقد تلقيت تعليماً ممتازاً في مدرسة خاصة لأدرس بعدها الاقتصاد في كامبريدج. ثم انتقلت بعدها مباشرة من كامبريدج إلى كلية هارفارد للأعمال، وكان ذلك حدثاً رائعاً بالنسبة لي، فقد كان بمثابة قضاء عامين في "طنجرة الضغط" حيث كنتُ أعدّ ثلاث حالات دراسية يومياً وبدأت أتعلّم كيف أفكر كرئيس تنفيذي.

بعد مغادرتي لكلية الأعمال، قضيت عامين في العمل لدى إحدى شركات الاستشارات في ولاية كينيتيكت. وقد كان ذلك في ذروة حرب فيتنام، حيث كانت الحكومة الأميركية قد بدأت بسحب الشباب الذين لم يكونوا من المواطنين الأميركيين وإنما كانوا يعملون في أمريكا، لذلك أصرّت والدتي على عودتي إلى انكلترا. وكنت قد التقيت في وقت سابق بمارك مكورمك، الوكيل الرياضي الذي أسس شركة (IMG)، أثناء حديث له في هارفارد، وقد استعان بي لافتتاح مكتب لشركة (IMG) في لندن. وبعد بضع سنوات، غادرت المكتب لأحاول إطلاق شركة مع والدي، الذي كان المستشار الأقرب إلي ومرشدي في ذلك الوقت. لم نعثر على أي فرصة ذات جدوى لتأسيس شركة، لذلك عملت كمستشار مالي لدى أحد رجال الأعمال الناجحين جداً. وكانت إحدى الشركات التي استثمر فيها هذا الرجل هي وكالة للإعلانات، وقد حصل اندماج بين شركة الأخوين ساتشي (Saatchi) وتلك الشركة. وكانوا بحاجة إلى مدير مالي لذلك انضممت إليهم وعملت معهم عام 1976.

قضيت تسع سنوات في شركة "ساتشي آند ساتشي" (Saatchi & Saatchi). وقد كان تشارلز وموريس مبدعين للغاية، لكنهما لم يكونا يتمتّعان بالانضباط في إدارة الأعمال وهو أمر حيوي جداً  إذا كنت تحاول تنمية شركتك من خلال عمليات الاستحواذ والاندماج، وهذه كانت سياستهما في تنمية الشركة. لكن طريقتهما في إدارة المصاريف كانت فوضوية، لذلك عملنا على ترشيد هذه الإدارة. فالناس يعتقدون بأن نجاح الوكالات الإعلانية أو فشلها يتوقف فقط على الجانب الإبداعي فيها، لكن الانضباط المالي هو أمر لا يقلّ أهمية على الإطلاق عن الجانب الإبداعي. ونتيجة لمراقبتي لأداء الأخوين ساتشي، بدأت أتعلّم كيف أضع استراتيجية ورؤية واضحتين.

في جميع هذه الوظائف التي شغلتها في مرحلة مبكرة من حياتي، كنت أعمل عن كثب مع مجموعة جيدة من رواد الأعمال وكنت أتعلم منهم. فقد كان والدي يخبرني على الدوام بأنني يجب أن أبني سمعتي في قطاع معين قبل أن أنشئ شركتي الخاصة. وبحلول العام 1985، كنت قد بلغت الأربعين من العمر، وكان لدي حصة تبلغ قيمتها مليوني دولار في شركة "ساتشي آند ساتشي"، وكنت قد بنيت السمعة التي أحتاج إليها.


عمليات الاستحواذ المبكرة


حاولت، بالاستعانة بأحد متداولي الأسهم، البحث عن شركة صغيرة مدرجة في البورصة، يمكنني الاستحواذ عليها لتكون الواجهة التي أستطيع استخدامها للنمو من خلال عمليات الاستحواذ، وذلك بهدف التحوّل إلى شركة تسويق رئيسية وعالمية. وقد استقر بنا الأمر على شركة "واير آند بلاستيك بروداكتس" (Wire and Plastic Products) التي تعرف اختصاراً باسم "دبليو بي بي" (WPP) والتي كانت متخصصة بصنع عربات التسوّق وعدد من الأشياء الأخرى. كانت قيمة الشركة في ذلك الوقت تبلغ 1.3 مليون دولار تقريباً. وبطريق المصادفة، كان أحد مستشاري الشركة قد عمل سابقاً مع الأخوين ساتشي، وكان يعلم طبيعة الأعمال التي أنجزتها لصالحهم سابقاً. وقد أوصى مالكي الشركة بالموافقة على الخطة فكان له ما أراد. وفي ذات اليوم الذي أعلن فيه عن الاستحواذ على حصتنا في الشركة، قفز سهمها بأكثر من الثلث، وكان ذلك مرتبطاً إلى حدٍ كبير بسمعتي الطيبة.

خلال العامين الأولين فقط أنجزنا أكثر من 18 عملية استحواذ. وقد ركّزنا على الشركات المتخصصة بما يسمى "التسويق المباشر" (BTL). ففي عالم الإعلان، يُعتبر "التسويق غير المباشر" (ATL) هو المجال الجذاب والمبدع، كعمل دون درابر في مسلسل (Mad Men). أما التسويق المباشر، فهي الأمور الأقل جاذبية مثل التغليف والتصميم والعروض الترويجية. وبالنسبة للوكالات المتخصصة بالتسويق المباشر، فهي لا تحظى بالكثير من الاهتمام، لكنها قادرة على أن تكون شركات جيدة. وقد اشترينا 15 شركة من هذه الشركات في المملكة المتحدة وثلاث شركات في أمريكا، حيث اعتمدنا في الغالب على أسهمنا من أجل تمويل هذه العمليات، وقد أصبحنا أكبر شركة على ضفتي المحيط الأطلسي. وقد أعجبت أسواق الأسهم باستراتيجيتنا وظلت قيمتنا السوقية تواصل ارتفاعها.

في العام 1987، تقدّمنا بعرض للاستحواذ على شركة "جاي ولتر تومسون" (J. Walter Thompson) أو "جاي دبليو تي" (JWT)، التي كانت تمتلك وكالتين إعلانيتين كبيرتين وشركة للعلاقات العامة. ومن حيث الإيرادات، كان حجمها يفوق حجمنا بمقدار 13 مرة. كانت قيمة "دبليو بي بي" تبلغ ما يُقارب 250 مليون دولار، في حين أننا عرضنا مبلغ 566 مليون دولار مقابل "جاي دبليو تي"، حيث دفعنا نصف المبلغ نقداً، والنصف الثاني على شكل أسهم. ونتيجة لهذه الصفقة أصبحنا مديونين. ولكن الأمر لم يحتمل أي تردد برأيي. فواحد من أهم تفاصيل هذه الصفقة كان امتلاك شركة "جاي دبليو تي" لمبناها في العاصمة اليابانية طوكيو، حيث كانت اليابان تشهد طفرة عقارية هامة في ذلك الوقت. وقد بعنا هذا البناء مقابل 100 مليون دولار الأمر الذي سمح لنا فوراً باستعادة نصف ما اقترضناه تقريباً للقيام بعملية الاستحواذ.

بعد عامين، استحوذنا على شركة "أوجيلفي آند مايذر" (Ogilvy & Mather) في صفقة أكبر حجماً من الصفقة السابقة حيث بلغت قيمتها 850 مليون دولار. وقد سدّدنا نصف المبلغ نقداً بينما النصف الثاني كان على شكل أسهم ممتازة قابلة للتحويل. وقد كان هذا السهم يفرض علينا دفع توزيعات أرباح كل ثلاثة أشهر، وعندما دخل الاقتصاد في حالة ركود، اكتشفنا بأن مديونيتنا كانت مرتفعة. لم نتخلّف يوماً عن سداد أي قسط مستحق، لكننا كدنا نتخلّف في ذلك الحين. وقد أعدنا التفاوض على ديوننا. لقد كانت هذه الأحداث بمثابة ناقوس الخطر بالنسبة لنا وأجبرتني على إعادة النظر فيما يتوجّب علينا فعله لكي نحقق النمو المطلوب بقوة.

إدارة المواهب والعقارات


لقد دفعتنا هذه التجربة الصعبة إلى إجراء مراجعة دقيقة لوضع المؤسسة. وقد توصلنا إلى خلاصة مفادها أننا كنا بحاجة إلى تبرير وجود الشركة الأم؛ وإلا فإن المنطق كان يقتضي تقسيم المجموعة.

أثناء تفكيرنا بالطريقة الأنسب لإضافة القيمة، ركّزنا على استثماراتنا، حيث أن 60% من إيرادات "دبليو بي بي" اليوم تُستثْمَر في الموظفين وهي النسبة المئوية ذاتها التي لم تتغير منذ تسعينيات القرن الماضي. أما ثاني أكبر استثماراتنا منذ ذلك الوقت وحتى الآن، فهو في العقارات المنتشرة في أنحاء العالم (في تسعينيات القرن الماضي كانت النسبة هي 10% أما اليوم فهي تبلغ 7% تقريباً). كما اتبعنا أسلوباً مشابهاً في مجال المشتريات والبرمجيات والأجهزة الحاسوبية.

كان هذا القطاع يفتقر إلى البرامج التدريبية. وعندما كانت أي شركة تحتاج إلى تعيين الموظفين، كانت "تسرقهم" من الشركات المنافسة. لذلك أدركنا بأن إدارة المواهب هي واحدة من المجالات التي يمكن للشركة الأم أن تضيف القيمة فيها لصالح الشركات التي تنضوي تحت لوائها. وفي العام 1995، أطلقنا برنامجاً تدريبياً تقوم بموجبه شركة "دبليو بي بي" بتعيين طلاب الجامعات والدراسات العليا وتقديم الإرشاد والتوجيه لهم بحيث يداومون ويتنقلون بين مختلف الشركات، وذلك بهدف الوصول إلى أشخاص يمتلكون مواهب في عدد من الاختصاصات المتقاطعة التي تحتاج إليها شركاتنا. ويعتبر هذا البرنامج بمثابة المعيار الذهبي في قطاعنا والالتحاق به أصعب من الدخول إلى كلية هارفارد للأعمال.

وبعد تجريب عدّة أنماط من برامج التعويضات والرواتب والأجور، مهّدنا الطريق أمام خطة أطلقنا علينا اسم "LEAP" وهي الخطة المخصصة لاستحواذ القياديين في الشركة على أسهم فيها، والتي نقدّم بموجبها لكبار المدراء في شركاتنا والشركة الأم الفرصة لاستثمار أموالهم الخاصة في أسهم "دبليو بي بي" حيث يحصلون على أرباح متواصلة على هذه الاستثمارات على مدار عدد من السنوات وذلك "إذا" تفوّق سهم "دبليو بي بي" على أقرانه من الأسهم. هذا الأمر جعل الناس يبذلون قصارى جهدهم في العمل فهم سيستفيدون من نجاحه في نهاية المطاف.

أطلقت "دبليو بي بي" عدداً من البرامج الهادفة إلى رعاية المواهب والاستبقاء على الأشخاص الموهوبين فيها. فهناك برنامج يسمى (The X Factor) والذي صُمّم لتطوير الشخصيات القيادية من النساء وتحضيرهن لاستلام مناصب أرفع في الشركات التابعة لشركة "دبليو بي بي". كما أن برنامجنا المسمّى "خطة الملكية العالمية" يمنح أكثر من 84,500 موظف الخيار بتملك أسهم في الشركة لتشجيعهم على بذل قصارى جهدهم في شركة يمتلكون حصة فيها.

في العام 1996، أطلقت "دبليو بي بي" ما اسمته "برنامج الفضاء" (Space Program) ليكون برنامجاً لإدارة العقارات. وكان من الطبيعي أن يصل هذا البرنامج إلى ذروته من خلال افتتاح مقرات كبيرة مشتركة في كل من سنغافورة وشنغهاي وقريباً في مدريد. فنحن لدينا مجموعة من الشركات الأصغر حجماً التابعة لنا في عدد من الأسواق في أنحاء العالم. وبالتالي فإن ذلك لا يقلّل من تكاليفنا فحسب، وإنما يقرّب الناس أيضاً من بعضهم فعلياً ليكونوا على تماس مباشر، الأمر الذي يسهم في زيادة التعاون فيما بينهم.

وقد سعينا إلى إضافة القيمة في عدد من المجالات الأخرى أيضاً. وكانت "دبليو بي بي" قد عيّنت أول شخص مسؤول عن المشتريات فيها قبل 20 عاماً، وهي باتت تمتلك الآن قسماً معنياً بشراء السلع والخدمات بطريقة كفوء نيابة عن الشركات التابعة لنا. وفي مجال المعلوماتية، درسنا إمكانية استعمال ذات البرمجيات والأجهزة الحاسوبية في جميع شركات المجموعة وقد تحقق ذلك من خلال توقيع اتفاقية للمشتريات مع شركة "آي بي إم". كما أنشأنا وحدات تسمح لشركاتنا بتبادل المعارف والخبرات والموارد مثل "المتجر" (Store) (وهو القسم المتخصّص بدعم أعمالنا في مجال تجارة التجزئة العالمية) و(WPP Digital) (القسم المتخصّص بتسريع التطور الرقمي على مستوى الشركات التابعة للمجموعة)، إضافة إلى القسم الخاص بالعمل مع المؤسسات الحكومية والخاصة وغير ذلك من الوحدات.

في بادئ الأمر، أبدت وكالاتنا مقاومة لهذه التغييرات. فقد كانت المنافسة محتدمة فيما بينها على اقتناص الزبائن، وكان من المنطقي أيضاً أن تحاول كلٌ منها المحافظة على هوياتها الذاتية. ففي تسعينيات القرن العشرين، على سبيل المثال، شعر الموظفون بالانزعاج لأن المكاتب التابعة لكل من "جي دبليو تي" و"أوجيلفي" في نيويورك كانت ستتشارك بالمقسم الهاتفي ذاته (أي الخانات الثلاثة الأولى من رقم هاتف محلي) الأمر الذي قد يشكّل إرباكاً للزبائن. لكننا تجاوزنا هذه المشكلة. كما كانت الوكالات تعتقد بأن استخدامها لأنظمة المعلوماتية الخاصة بها يعطيها ميزة تنافسية، لكنها باتت الآن تدرك بأنّها ستكون أفضل حالاً لو تركتنا نستفيد من كِبَر حجم مجموعتنا ونوقّع صفقات كبيرة جماعية.

جاذبية "العمل بطريقة أفقية"


لقد سمحت لنا هذه الطريقة الأكثر مركزية في العمل بالتركيز على القضايا التي ستساعدنا حقاً على تحقيق النمو بطريقة استراتيجية في القرن الحادي والعشرين. وأحد هذه القضايا هو التوسّع على المستوى العالمي. فقد كنا واحدة من أوائل شركات التسويق التي تفكر بالعمل في دول مجموعة البريكس (البرازيل وروسيا والهند والصين). فبحلول العام 2000، كانت 12% من إيراداتنا تأتي من هذه الدول. أما اليوم فإن ثلث الإيرادات يأتي مما نسميه "دول النمو السريع"، ولدينا مكاتب منتشرة في مختلف أصقاع الكرة الأرضية من كولومبيا إلى بنغلادش. ونحن ندرس حالياً التبعات التي قد تترتّب على انفتاح كوبا، وما الذي سيعنيه ذلك بالنسبة لقطاع الأعمال، كما أننا نساعد وكالاتنا على التخطيط للنمو في أسواق جديدة.

كما قمنا بمساعدة الشركات التابعة لنا على مواكبة التحوّل الحاصل في الأسواق الرقمية. فقبل 20 عاماً، كان واضحاً أن ما يعرف باسم "قانون مور" (Moore’s Law) سوف يؤثّر على قطاعنا. فبغضّ النظر عن الطريقة التي يعرّف بها المرء "القطاع الرقمي" فإن هذا القطاع بات يشكّل اليوم ما يصل إلى 40% من إيراداتنا؛ وفي يوم من الأيام ربما تصل هذه النسبة إلى 100%. وفي هذا المجال أيضاً، حاولنا الاستفادة من كبر حجمنا لكسب بعض الميزات الإضافية. فعلى سبيل المثال، تشمل المجموعة التابعة لشركة "دبليو بي بي" شركات متخصصة بالأبحاث والدراسات (ونحن نطلق عليها الآن اسم شركات إدارة الاستثمارات الخاصة بالبيانات) والتي تزايدت أهمية قدراتها بما أن استهداف المستهلكين الأفراد بات أسهل. وفي العام 2007، اشترينا شركة "24/7 ريل ميديا" (24/7 Real Media) الإعلامية. وقد حصل اندماج بينها وبين منصتنا البرامجية (Xaxis)، والتي أصبحت منافساً رئيسياً لكل من خدمة (DoubleClick) من شركة غوغل وخدمة (Atlas) من فيسبوك، مستفيدةً من الشراكة مع (AppNexus).

أما التحوّل الكبير الآخر في هيكليتنا التنظيمية فقد جاء نتيجة لجهدنا الرامي إلى "العمل بطريقة أفقية"، وهي فلسفة بدأنا بانتهاجها منذ تسعينيات القرن الماضي، لكن استخدامها تسارع في العقد الماضي. لقد أدركنا بأن كبار زبائننا لا يريدون بالضرورة اختيار وكالة وحيدة؛ وإنما يريدون الاستفادة من أفضل المواهب والأفكار الموجودة ضمن صفوف مختلف شركات المجموعة. لذلك قمنا بتعيين مسؤول تنفيذي لكل زبون من زبائننا الخمسة والأربعين، يتولى إدارة العلاقة مع هذا الزبون والاستعانة بالموارد من مختلف الوكالات التابعة للمجموعة. ففي حالة شركة فورد للسيارات، على سبيل المثال، قمنا بإنشاء وكالة ضمن مجموعة "دبليو بي بي" وهي لا تعتمد فقط على الوكالات الإعلانية مثل "جي دبليو تي"، و"أوجيلفي"، و"واي آند آر"، وإنما تعتمد أيضاً على موظفي العلاقات العامة في كل من شركتي "بورسون-مارستيلر" (Burson-Marsteller) و"هيل أند نولتون" (Hill+Knowlton)، وعلى المتخصصين في أبحاث السوق والبيانات في شركة "كانتار" (Kantar). ونفعل الشيء ذاته مع شركة "كولغيت" والعديد من الشركات الأخرى. ويبلغ عدد موظفي "دبليو بي بي" المسخّرين لخدمة كبار زبائننا من هذه الشركات 38 ألف شخص حيث تبلغ القيمة الإجمالية لأعمالنا مع هذه الشركات 7 مليارات دولار.

لقد أولينا اهتماماً خاصاً للعثور على طرق لخدمة زبائننا بشكل أفضل، ولاسيما ضمن الظروف الاقتصادية الحالية. فبعض زبائننا يواجهون تحديات تزعزع أعمالهم بسبب شركات ناشئة من قبيل "إير بي إن بي" (Airbnb) وأوبر. وبعضهم الآخر استحوذت عليه شركات استثمارات خاصة تطبّق نظام الموازنة التي تراجع كافة المصاريف المطلوبة عن كل فترة من جديد، وتدقّق بشدة على الأموال التي تُنفق على التسويق، إضافةً إلى الضغوط من المستثمرين الناشطين. فالرئيس التنفيذي يقضي عادة خمس أو ست سنوات وسطياً في منصبه، لكن مسؤولي التسويق لا يبقون في مناصبهم وسطياً سوى 24 شهراً. كما أن الإدارات تركّز على المدى القصير وهي تخفّض حجم الأموال المخصّصة للأبحاث والتطوير والإعلان علماً أن هذه الاستثمارات هي استثمارات طويلة الأجل بطبعها. وأنا اتّفق مع دومينيك بارتون من شركة "ماكينزي" (McKinsey) ولاري فرانك من شركة "بلاك روك" (BlackRock) اللذين يقولان بأن هذه الطريقة في التفكير خاطئة. لكنه توجّه قوي سائد، ويجب علينا أن نتكيف معه. وبالتالي فإن إعطاء الزبائن إمكانية الوصول إلى طيف واسع من الموارد الموجودة في الشركات التابعة لمجموعة "دبليو بي بي" يساعدنا على تنمية أعمالنا في قطاع يعاني من محدودية النمو في الأرباح.

عندما ألتفت إلى الوراء وتحديداً إلى الثلاثين عاماً ونيّف التي قضيتها في إدارة "دبليو بي بي"، أدرك بأن الحظ كان له دور في نجاحاتنا. وأدرك أيضاً بأن أي شخص يخلفني في منصبي سينجز المهام الملقاة على عاتقه بأسلوب مختلف بل ربما سيكون أفضل في أدائها مني. فعندما استثمرت في هذه الشركة في البدايات، قامرت بالمبلغ الذي كان في حوزتي وهو 325 ألف دولار. أمّا اليوم فإن قيمة مجموعة "دبليو بي بي" وصلت إلى 30 مليار دولار، وأنا أملك 2% منها. لقد كانت المرة الوحيدة التي بعت فيها أسهماً أملكها هي عندما احتجت للمال لتمويل طلاقي من زوجتي، لذلك فإن كل ثروتي موجودة في "دبليو بي بي"، وهذا ما أرغب به.



أن تتمتع بروحٍ ريادية يعني أن تجازف بأموالك الخاصة، وليس بأموال الآخرين. لذلك من المهم جداً بالنسبة لي أن استثمر أموالي الخاصة وأضعها على المحك. مدراء الثروات يعتقدون بأن هذا الأمر هو ضربٌ من الجنون، لكن والدي كان يقول لي دائماً بأنني يجب أن استثمر في الأمور التي أعرفها وأفهمها تماماً. وبالنسبة لي، لا يمكنني أن أعرف عن أي شيء أكثر مما أعرفه عن الشركة التي بنيتها على مدار ثلاثة عقود.
هذا المقال متاح للمشتركين. للاشتراك يمكنك الضغط هنا

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!