تابعنا على لينكد إن

في دراسة حديثة، قال 70% من المشاركين فيها بأنّ الرؤساء التنفيذيين يركزون في النتائج المالية على المدى القصير، بينما قال 60% بأنهم لا يركزون كفاية على الآثار الإيجابية البعيدة المدى. وتأتي هذه النتائج لتعبّر عن الأصوات المتصاعدة في عالم الأعمال والأوساط الأكاديمية والتي تُشير إلى أنّ التركيز المفرط على المدى القصير يشكّل تهديداً رئيسياً للشركات.

من السهل إلقاء اللوم على الرؤساء التنفيذيين واتهامهم بالتركيز الزائد عن اللزوم على المدى القصير. لكننا نعتقد بأنّ معظم الرؤساء التنفيذيين لا يفتقرون إلى النوايا الحسنة. وإنّما كل ما في الأمر هو أنهم يفتقرون إلى خارطة طريق عملية لمواجهة هذه النظرة القصيرة المدى وبناء شركات قادرة على البقاء في المستقبل، بحيث تكون قادرة على توفير عوائد اقتصادية ممتازة، وتقديم إسهامات إيجابية إلى المجتمع، والفوز بثقة الناس.

في هذا المقال، نحاول عرض خارطة الطريق هذه، وهي عبارة عن نتاج لمشروع بحثي أُجري في مركز القيادة الطموحة، وشمل 25 رئيساً تنفيذياً والممارسات التي استعانوا بها لمواجهة الضغوط التي يتعرضون لها على المدى القصير، والعمل في الوقت ذاته على خلق قيمة اجتماعية واقتصادية بعيدة المدى، حتى في أصعب الظروف. وفيما يلي أبرز أربع ممارسات أظهرها هذا المشروع:

تحدّثوا عن قصّة أكبر من الأرباح الفصلية

كان الرؤساء التنفيذيون بارعين جداً في رواية قصة شركتهم. وعادة ما تكون القصص العظيمة بسيطة وذات مصداقية وثابتة على الدوام، وتتضمن مقاييس مالية وغير مالية على حدّ سواء، للربط بين الرؤية البعيدة المدى وقيم الشركة، فضلاً عن استراتيجية تجارية مميزة وأولويات تشغيلية مركزة. وثمّة عنصر أساسي في هذه القصة ألا وهو الغاية التي تسعى الشركة إلى تحقيقها. على سبيل المثال، كان فريد لينش، الرئيس التنفيذي لشركة “ماسونايت”، وهي شركة يبلغ عمرها 92 عاماً وتصنع الأبواب الداخلية وأنظمة أبواب المداخل، قد وضع فرضية تهدف إلى خلق القيمة على المدى البعيد وأطلق عليها اسم “قواعد العمل في ماسونايت”. وتضمّنت هذه الخطة التي لم تزد عن صفحة واحدة غاية الشركة، ورؤيتها، وقيمها، وأهدافها الاستراتيجية. وبحسب لينش، فإنّ الغاية من الشركة تكمن في الإجابة عن السؤال التالي: “لماذا يستيقظ الموظفون ويأتون إلى العمل صباحاً؟”

بالنسبة لموظفي “ماسونايت”، لا يقتصر الأمر على صنع الأبواب، بل يسهمون أيضاً في تحطيم الحواجز. والغاية المعلنة للشركة هي “مساعدة الناس على المرور عبر الجدران”. وبالتالي، لا تحقق شركة “ماسونايت” غايتها تلك من خلال صنع المنتجات التي لها علاقة بالأبواب فقط، وإنما من خلال تحطيم الحواجز التي تحول دون تطور الموظفين أيضاً، وذلك عبر برامج الشركة المكثفة في مجال التدريب والقيادة، ناهيك عن تقديم الشركة لخدمات كثيرة للمجتمع المحيط بها عموماً من خلال مساعدة طلاب المدارس الثانوية وكذلك المهاجرين الجدد في المنطقة التي تعمل الشركة فيها للعثور على وظائف ذات رواتب جيدة والوصول إلى الموارد التي يمكن أن تساعدهم على الازدهار والتطور.

كان الرؤساء التنفيذيون المشاركون في دراستنا من النوع الذي يكرر قصة شركته غالباً، ودون تغيير أمام جميع أصحاب الشأن، سواء كانوا الموظفين أو مجالس الإدارة أو الزبائن، أو الشركاء التجاريين، أو المجتمعات المحلية، أو عامة الناس. يقول داغ كونانت، الرئيس التنفيذي السابق لشركة “كامبيل سوب” التي تصنع الحساء: “أعلنت ما يجب علينا فعله، وكنت أكرر كلامي بذات الطريقة دائماً بمنتهى المصداقية وإلى درجة الهوس”. وحافظ كونانت على بساطة الموضوع من خلال وضع خمس استراتيجيات أساسية في خطته الطويلة الأجل، الأمر الذي ساعد الموظفين على تذكّر رسالته.

يشكل وجود قصّة خاصّة بخلق القيمة، خط الدفاع الأول الذي يحمي الرئيس التنفيذي من الضغوط التي يتعرّض لها بخصوص الإنجاز على المدى القصير. خصوصاً إذا كانت القصة  تستند إلى هدف محدّد ويرويها الرئيس التنفيذي بوضوح وقوّة. وعندما تتبلور هذه القصة وتتحوّل إلى واقع، فإنها تقود إلى حالة من الالتزام بين صفوف الموظفين والزبائن، وهي تضع “المدى القصير” والنتائج الفصلية المالية ضمن السياق المناسب بوصفهما عنصرين أساسيين مباشرين يسهمان في الوصول إلى الأهداف البعيدة المدى. وعندها يمكن الرجوع إلى هذه القصة والإشارة إليها لتبرير قرارات الشركة التي تستند إلى الأصول الأساسية التي تعتبر جوهر عملية بناء القيمة على المدى البعيد ألا وهي: العلاقات القائمة على الثقة والقدرات المميزة للشركة.

استجمع شجاعتك وضع أهدافاً واقعية

تُعتبر أسرع طريقة للوقوع في فخ التركيز على المدى القصير هي وضع أهداف مفرطة في طموحها، أي أهداف من النوع الذي يجعل الرئيس التنفيذي يبدو بطلاً في أعين المستثمرين المهتمّين بالمدى القصير، لكنّه يهدّد الخطط بعيدة المدى من خلال اتخاذ بعض الإجراءات من قبيل تخفيف عمليات الصيانة الدورية، وخفض الاستثمارات في الأبحاث والتطوير، وتقليص موازنات السفر والتدريب.

بدأ مارك بيرتوليني الرئيس التنفيذي لشركة “أيتنا” ولايته في العام 2010 بتخفيض الأهداف المالية المطلوب تحقيقها بأكثر من الثلث، في حركة واحدة جريئة. ولاحظ بيرتوليني بأنّ العديد من أقرانه كانوا يعدون بربحية سهم تبلغ 15%، حتى خلال الأزمة المالية لعام 2009. وعرف بيرتوليني بأنّ هذه الأهداف المالية غير الواقعية سوف تؤدّي إلى إثارة المشاكل. “إذا وعدتَ بهذا النوع من العوائد، فإنك سوف تقدم على فعل أشياء غبية في شركتك وسوف تضر بأساسيات الشركة لكي تنجح في الوصول إلى النسبة الموعودة 15%”.

درس بيرتوليني وفريقه القطاع الذي يعملون فيه دراسة وافية، وخلصوا إلى أنّ تحقيق نمو في الأرباح التشغيلية للسهم برقم ضئيل من خانتين مع مرور الوقت كان هدفاً مناسباً للشركة. وبما أنه أخبر المحللين الماليين في “وول ستريت” بألا يتوقعوا نمواً غير واقعي، استطاع التركيز على الاستثمار في النمو المستقبلي وتوفير دعم أكبر للزبائن والموظفين. وفي العام 2015، على سبيل المثال، رفع الراتب الأساسي للموظفين بمقدار 33% إلى 16 دولاراً في الساعة، وحسّن برنامج المكاسب والمزايا المقدّمة للموظفين الذين يقل دخل أسرهم عن 300% من خط الفقر الفيدرالي في أميركا، ما وفّر عليهم آلاف الدولارات سنوياً كانوا سينفقونها على الرعاية الصحية. وأعطت هذه الاستراتيجية الرامية إلى تحقيق نمو “إيتنا” والاستثمار في الموظفين أُكلها: فقد ارتفعت قيمة سهمها ثلاثة أضعاف خلال آخر خمس سنوات، فيما حققت إيرادات وأرباحاً قياسية في 2016.

يمتلك الرؤساء التنفيذيون قدراً كبيراً من السيطرة على الأهداف المالية التي يضعونها. ولكن بعد وضع هذه الأهداف، يتعيّن على الشركة أن تلتزم بها لكي تبني مصداقيتها في أوساط المستثمرين ولتحافظ على هذه المصداقية. وبالتالي، تُعتبر طريقة وضع أهداف مالية مرتفعة (أعلى من أن تكون مستدامة لفترة طويلة) طريقة مغرية لتحسين الأداء. لكنّ محاولة تحسين الأداء عن طريق هذه الأهداف المالية ربما يقود إلى اتخاذ قرارات سيئة وإلى إلحاق الضرر بمستقبل الشركة على المدى البعيد. ولا يكون وضع أهداف مالية واقعية ممكناً إلا بعد إجراء تحليل دقيق، كما أنّه أمر يحتاج إلى موافقة أعضاء مجلس الإدارة، إضافة إلى التحلي بالشجاعة من قبل الرئيس التنفيذي.

تبنّى ذهنية في الأداء تقوم على مبدأ (كلاهما/ أو)

لم يكن الرؤساء التنفيذيون الذين شاركوا في دراستنا يرون تناقضاً بين الأداء على المدى القصير وخلق القيمة على المدى البعيد. فقد كانوا يتبنّون ذهنية في الأداء تقوم على مبدأ (كلاهما/ أو)، حيث سعوا إلى تحقيق الأهداف الفورية بطريقة تسهم أيضاً في بناء مستقبل مستدام. وأوجز ديك غوتشناوير، الرئيس التنفيذي السابق لشركة “يونايتد ستيشنرز (إيسندانت)” الأمر ببراعة قائلاً: “يصل معظم القادة إلى قناعة مفادها بأنك لا تستطيع أن تفرّط في التركيز على هذا الجانب أو ذاك”.

لقد كان التحدّي الذي واجهه جميع الرؤساء التنفيذيين المشاركين في دراستنا يتمثّل في كيفية غرس ذهنية في الأداء تقوم على مبدأ (كلاهما/ أو) في جميع أنحاء المؤسسة.

تمكّن داغ كونانت من إقناع فريق كبار المدراء لديه بالتعاون معاً والعمل وفق مبدأ (كلاهما/ أو) معتمداً على قاعدة العدوى الإيجابية بين الزملاء. فقد وضع خطة تمتد على مدار ثلاث سنوات ضمّنها رؤيته الرامية إلى إحداث انعطاف إيجابي في الشركة. ثم تُرجمت هذه الخطة إلى خطط تشغيلية سنوية وفصلية، وإلى مسؤوليات نصف سنوية أوكلت إلى الفريق التنفيذي. يقول داغ واصفاً الأمر: “بعد ذلك كان يتعيّن على أعضاء فريقي أن يرسلوا إليّ كلّ يوم جمعة، وهو آخر يوم عمل في الأسبوع، تقريراً يبيّن مدى التزامهم بالتوقعات الفصلية، يليه اجتماع جماعي صباح الاثنين في بداية الأسبوع. كانت نقطة قوّة هذه العملية تكمن في أنني حصلت على انتباههم. لكنّ الجميل في الأمر هو أنّ هذه العملية تحوّلت إلى نظام يقود ذاته بذاته. وبعد مرور فترة من الزمن، رأيت المدير المسؤول عن الشؤون الدولية يقول للشخص المدير عن أميركا الشمالية: “ألم تقل الشهر الماضي بأنّ المشروع كان يجب أن يكون قد أنجز بحلول هذا الوقت؟، هل تغيّر أي شيء؟”. وفجأة أصبح فريقي بأكمله يقدّر خطتنا بعيدة المدى والطريقة التي كنا سنتّبعها للوصول إلى الهدف المنشود”.

شدّد الكثير من الرؤساء التنفيذيين في المقابلات التي أجريناها معهم على أهمية اختيار المقاييس الصحيحة لدعم عملية اتخاذ القرار التي تقوم على مبدأ (كلاهما/ أو). من جهته كان براد هيويت، الرئيس التنفيذي لشركة “ثريفنت”، وضع مؤشرات مبكّرة (leading indicators) تعطي إشارات على تحقيق هدفه الاستراتيجي البعيد المدى، ونظّمها على شكل طبقات، من المدى القصير (من سنة إلى ثلاث سنوات) إلى المدى المتوسط (من ثلاث إلى خمس سنوات). وصُممت المقاييس الخاصة بالمدى القصير لكي تكون مؤشراً مبكراً على تحقيق الهدف الاستراتيجي بعيد المدى، وهي مدمجة ضمن خطط الحوافز في الشركة. ويُعتبر العامل الرئيسي لإنجاح هذا النظام هو التأمّل والتعديل المتواصلين لضمان أن تكون المقاييس قصيرة المدى وطويلة المدى مؤشرات مبكرة حقيقية وصحيحة على الهدف الاستراتيجي البعيد المدى، وضمان ألا تشجّع على سلوكيات قصيرة الأجل غير مرغوبة.

التزم بقيمك التزاماً حقيقياً

أوضح الرؤساء التنفيذيون الذين شاركوا في دراستنا وبكل جلاء أنّ المطالب المفروضة عليهم لتحقيق نتائج معيّنة على المدى القصير يمكن أن تكون متوحشة وقاسية وصارمة، وبأنّ التصدّي لها يتطلب الكثير من الصبر ومعنويات قوية.

ولنأخذ مرة أُخرى مثالاً من حالة فريد لينش. فقبل وصول لينش، كانت شركة الاستثمارات الخاصة (KKR) قد اشترت شركة “ماسونايت” مقابل أكثر من 2.7 مليار دولار. وبعد فترة قصيرة من إبرام الصفقة، في 2005، بدأت “ماسونايت” تعاني وأعلنت إفلاسها بعد ذلك عام 2009.

وكان لينش الذي انضمّ إلى الشركة في 2007 كرئيس تنفيذي هو الشخص الذي قادها خلال عملية الإفلاس، حيث أجرى تخفيضاً كبيراً في النفقات فيما صرف نصف القوى العاملة من وظائفهم. ومهما كانت أي خطوة أقدم لينش عليها صعبة، إلا أنه سعى إلى التصرف بنزاهة. والتزاماً بقيم الشفافية والإنصاف التي كانت “ماسونايت” تؤمن بها، حيث جمّد أعضاء فريق الإدارة العليا رواتبهم وأخذوا إجازات. وكانوا في منتهى الصراحة مع الموظفين بخصوص وضع الشركة والحاجة إلى تسريح الموظفين. وحصل جميع الموظفين على إنذار قبل شهرين على الأقل من تاريخ صرفهم من العمل ومُنحوا تعويضات نهاية الخدمة.

أعطى هذا النوع من القيادة المستندة إلى القيم النتائج المرجوّة. فعوضاً من أن تحطّم الشركة معنويات الموظفين، بنت الثقة معهم خلال عملية التقشف والتسريح تلك، وكانت هذه الثقة هي حجر الأساس الذي ساعدها في العودة إلى تحقيق الربحية. وكما يقول لينش: “ربما كنّا مضطرين إلى حرق بعض الأثاث لكي نبقى على قيد الحياة، لكننا لم نكن قادرين على اقتلاع الأعمدة الأساسية من الجدران”. كان الحفاظ على ثقافة الشركة وعلى ثقة موظفيها هو الأمر الذي حمى الجدران من السقوط على المدى القصير، وثبّتها لدعم خطة لينش بعيدة المدى.

بعد أن استعادت شركة “ماسونايت” عافيتها المالية، دفع المستثمرون في صندوق التحوّط الخاص بالشركة باتجاه تبنّي مقاربة تركّز على المدى القصير، وحثّوا مجلس إدارة الشركة على زيادة الديون والموافقة على إعادة رسملة توزيعات الأسهم. ولكن بما أنّ لينش كانت لديه رؤية بعيدة المدى واضحة ولا تغيب عن ذهنه، فقد تحلّى بالشجاعة الكافية لكي يقاوم الضغوط، مخاطراً بمنصبه خلال تلك الظروف. “بوصفي كنت قائد الشركة، قلت بأنه من المستحيل أن نضع أنفسنا في ذلك الموقع مجدداً. لو كان مجلس الإدارة سيقدم على هذه الخطوة، لكان يتعيّن عليه البحث عن رئيس تنفيذي آخر، لأنني لم أكن موافقاً على تلك المقترحات. لحسن الحظ، كان أعضاء مجلس إدارتنا متوافقين معي في الرأي”.

تُعتبرُ هذه الممارسات المقترحة بمثابة نظام متكامل وهي تسير معاً. فوجود غاية هو أمر يحفّز الناس ويلهمهم لكي يعملوا على بناء علاقات طويلة الأجل تقوم على الثقة والالتزام المتبادل. أمّا الأهداف الواقعية فتساعد في تحقيق نتائج الأداء المطلوبة على المدى القصير وتُسهم في خلق القيمة على المدى البعيد. وبالنسبة للممارسات الداخلية، بقيادة الرئيس التنفيذي، فهي تعزّز ذهنية في الأداء تقوم على مبدأ (كلاهما/ أو). لكنّ هذه العناصر الثلاثة لن تنجح إلا إذا كان الموظفون داخل الشركة وخارجها يؤمنون بأنّ قادتها سوف يحمون قيم الشركة وسيحافظون على ثقة الناس فيها في السرّاء والضرّاء. وبالتالي فإنّ التركيز المفرط على المدى القصير يمكن التغلّب عليه، فصلاً بعد آخر.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz