تابعنا على لينكد إن

عند مناقشة مستقبل القيادة، تركز معظم الحوارات على الصفات الإيجابية للقادة فيكثر الحديث مثلاً عن الصفات التي على القائد امتلاكها كي تكون قيادته فعالة وعن تغيّر تلك الصفات مع تطور العمل والمنظمات والمجتمع. لكن هذه النقاشات على أهميتها لا تخبر إلا نصف القصة، هناك جزء آخر يتمحور حول ما لا يجب على القادة فعله، وهو ما يستوجب طرح سؤال عن كيفية تطور (أو تراجع) الجانب المظلم من القيادة في المستقبل.

خذ مثلاً حالة الرؤساء التنفيذيين النرجسيين. من ناحية، يتردد كثيراً القول بأنَّ أفضل القادة في العالم هم من يتصفون بالوعي الذاتي والتواضع- وهي عبارة تدعمها البيانات. لكن من ناحية أخرى، أغلب الرؤساء التنفيذيين الذين عايشناهم في عملنا هم من فئة المزهوين بأنفسهم والمصابين بجنون العظمة. هذه الهوة بين ما تنصح به كتب القيادة وبين الواقع مقلقة فعلاً. ففي عالم يتزايد فيه الوقت والمال المنفَق على اختيار وتطوير القادة، وخاصة للمناصب العليا، كان يجب أن تتحسن نوعية القادة بمرور الوقت. أضف لهذا أنه بما أنَّ من المنتظر من القادة الأقل نرجسية التفوق على نظرائهم الأكثر نرجسية يتوقع المرء أن ينتج عن تطور القيادة ليس فقط منظمة ذكية وتدار بشكل أفضل لكن أيضاً ثقافة تنظيمية يزداد التواضع فيها والنقد الذاتي. في نهاية المطاف، لشخصية الرؤساء التنفيذيين دور محوري في تشكيل ثقافة شركاتهم.

ومع ذلك يبقى الواقع بعيداً عن هذا. مستويات النرجسية آخذة بالارتفاع منذ عقود ما يعني أن هناك تزايداً في الأنانية والثقة والتضليل في عالمنا. كما أنَّ هذه الزيادات آخذة بالتفاقم بين القادة لأن من بيدهم زمام الأمور يخطؤون الحكم على الناس ويخلطون بين الثقة والكفاءة. ولنفس الأسباب، تحولَّ الأفراد القدوة في مجتمعنا من مشاهير موهوبين إلى منغمسين في ذواتهم غير موهوبين، قدرتهم الوحيدة (وهي قدرة تستحق التقدير) ترجمة الاعتداد بالذات إلى اهتمام على مستوى مختلف وسائل الإعلام. يأتي هذا البروز لثقافة المشاهير في وقت يشهد صعود نجم الرئيس التنفيذي الخارق. ومَن أكثر من النرجسية قدرة على تحويل الحياة المهنية لأحدهم إلى شكل من أشكال عروض المشاهير في برنامج تلفزيون الواقع.

لاحظ أن الرابط بين النرجسية والقيادة ليس جديداً. فقد أشار كل من شوبنهاور وفرويد منذ زمن بعيد إلى أنَّ هناك توتراً طبيعياً بين الدوافع الأنانية والاجتماعية للأفراد؛ البشر عادة يشبهون القنافذ من ناحية أنهم عندما يشعرون بالبرد في الشتاء يقتربون من بعضهم البعض كي يتدفؤوا، لكن الأمور تصبح شائكة بينهم إن اقتربوا من بعضهم أكثر من اللازم. نحن لا نستطيع العيش وحدنا، لكننا نهتم كثيراً بأنفسنا لدرجة لا نستطيع معها الاهتمام بالآخرين بشكل حقيقي. هذا التوتر بين رغبتنا بالتآلف مع الآخرين ورغبتنا في أن نتقدم عليهم هي الأحجية الأساسية للعلاقات البشرية. إدارة هذا التوتر ضمن فرقهم هو الدور الأساسي للقادة. فسلطتهم ورؤيتهم وشعورهم الأعلى بالغاية يوفر رسالة حقيقية للمجموعة تزيح بشكل مؤقت غريزة الأنانية لدى الأفراد بحيث يمكنهم التركيز على ما هو أفضل للمجموعة. بكلمات أخرى، يكبح القادة الأكثر فعالية نرجسية الأفراد من خلال إخضاعها لنرجسيتهم. عندما يشعر التابعون بالانجذاب نحو القادة أصحاب التغيير والكاريزما فإنهم بشكل أساسي يحبون أنفسهم عبر هؤلاء القادة، وهو انجذاب يشبه كثيراً حبنا لشريكنا العاطفي الذي هو شكل من أشكال حبنا لأنفسنا.

لسوء الحظ، هناك تكلفة تترتب على تقديرنا للقادة أصحاب الكاريزما: إدامة تكاثر القادة النرجسيين. وفي حين قد يعني تواجد رؤساء تنفيذيين رائعين من أمثال ستيف جوبز وجيف بوزوز (وفورد، وديزني قبلهم) أن النرجسية ميزة قيادية مفيدة، إلا أنَّ أغلب الرؤساء التنفيذيين المبالغين بالثقة بأنفسهم والمتسلطين والمغرورين ليسوا فقط غير فعالين بل هدّامين أيضاً- حتى عندما ينجحون في تحقيق مستوى معقول من النجاح. مثلاً، وجدت الدراسات أن الرؤساء التنفيذيين النرجسيين يدفعون سعراً أعلى عندما يستحوذون على الشركات مما يكلف مالكي الأسهم الكثير. أداء شركاتهم أيضاً غير مستقر ولا يمكن التنبؤ به ويتأرجح ما بين الانتصارات الكبيرة والخسائر الأكبر. هم كثيرو الانخراط في سلوكيات تعود بنتائج عكسية مثل الاحتيال. كما أنهم كثيراً ما يسيئون استخدام السلطة الممنوحة لهم ويستغلون مرؤوسيهم خاصة أولئك السذج أو المتذللين.

بهذا يكون السؤال الكبير ما إذا كانت معايير تقييم واختيار القادة ستتطور. لماذا مع كل هذه الإثباتات المتزايدة عن الآثار التدميرية للنرجسية والصفات المظلمة الأخرى في الشخصية نستمر في اختيار أشخاص لديهم تحديداً ذاك النوع من الصفات بدل استبعادهم؟ لعلها حقيقة أن نظرتنا للقيادة لا زالت نظرة غير واعية، ومتأصلة في نماذج جار عليها الزمان من حقبة ما قبل التاريخ وهو ما يفسر التفضيل العالمي للقائد القوي (والمستبد) والذكوري على القائد الضعيف والمنتقد للذات والأنثوي. (يجب ملاحظة أنه حتى بين النساء، تعتبر النرجسية ميزة قيادية). لكن الثقافة قادرة على تدجين التطور، والكثير من التحديات الحاسمة التي تواجه القادة اليوم مختلفة جداً عن تلك التي واجهت إنسان الكهف.

إن كنا جديين حيال إدارة المواهب اعتمادا على الإثباتات وأن نُتبع القول بالفعل، فإن القادة النرجسيين سيصبحون جنساً يواجه الانقراض.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz