إن أردت إسعاد زبائنك حقاً، فعليك بالذكاء الجمالي

18 دقيقة
الذكاء الجمالي
shutterstock.com/Olivier Le Moal
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

أجرت هارفارد بزنس ريفيو مقابلة صوتية (بودكاست) مع بولين براون، الرئيسة السابقة لأعمال شركة “إل في إم إتش” (LVMH) ومؤلفة كتاب “الذكاء الجمالي: كيفية تعزيزه واستخدامه في مجال الأعمال وما سواه من المجالات” (Aesthetic Intelligence: How to Boost It and Use It in Business and Beyond).

تقول بولين براون التي تبيع السلع الفاخرة، في أميركا الشمالية، إنه فضلاً عن الذكاء التقليدي والذكاء العاطفي، يلزم القادة البارعون أيضاً اكتساب ما تطلق عليه الذكاء الجمالي. ويعني هذا المفهوم معرفة ماهية الذوق الرفيع والتفكير بشأن الكيفية التي تحث بها خدماتك ومنتجاتك جميع الحواس الخمس على صنع البهجة. وتقول بولين إنه في السوق المكتظة في الوقت الراهن، فإن هذا النوع من الذكاء الاصطناعي هو ما سيميز بين الشركات، وليس في قطاعات السلع الاستهلاكية والرفاهية فحسب. ويتعين على الشركات، سواء كانت تعمل في قطاع التعامل التجاري بين الشركات أو في قطاع البيع إلى المستهلكين، وسواء كانت صغيرة الحجم أو كبيرة الحجم، وسواء كانت شركات رقمية أو تقليدية، توظيف الأشخاص وتدريبهم للتفكير على هذا النحو.

وإليكم مقتطفات من هذه المقابلة الصوتية:

النص

أليسون بيرد: مرحباً بكم في برنامج “آيديا كاست” المقدم من “هارفارد بزنس ريفيو”. معكم أليسون بيرد.

لننظر في هذه القائمة من المنتجات والخدمات: متاجر البقالة “تريدر جوز” (Trader Joe’s)، ملاهي ديزني، مشروب فيوف كليكوت، طلاء الأظافر “أيسي” (Essie)، شامبو أفيدا (Aveda)، خدمات شركة “إير بي إن بي” (Airbnb) لتأجير أماكن السكن، ومنتجات شركة “ليغو” (LEGO). بصرف النظر عن أن جميع هذه المنتجات والخدمات تعتبر مشهورة ومربحة، فما الذي يُعد قاسماً مشتركاً بينها؟

تقول ضيفتنا لهذا اليوم إن جميع هذه المنتجات والخدمات صُنعت وفق ما تطلق عليه الذكاء الجمالي. بولين براون هي الرئيسة السابقة لأعمال شركة “إل في إم آتش”، التي تبيع السلع الفاخرة، في أميركا الشمالية، وقد عملت سابقاً أيضاً في شركة مستحضرات التجميل “إستي لودر” (Estee Lauder). لكنها تتحدث بخصوص أمر أكبر من مجرد إنتاج حقائب يد رائعة ومساحيق تجميل راقية. كما أنها أيضاً حاصلة على ماجستير إدارة الأعمال من كلية وارتون لإدارة الأعمال، وعملت سابقاً مستشارة في شركة “باين” (Bain) التي تقدم الخدمات الاستشارية، وكانت مديرة إدارية لشركة الأسهم الخاصة “كارلايل غروب” (Carlyle Group).

وبعد قضائها عقوداً في مجال الأعمال، توصلت إلى قناعة مفادها أن هذا النوع من الذكاء الاصطناعي الذي ابتكرت تسميته يمكن أن يساعد أي مؤسسة في أن تغدو أكثر نجاحاً. وهي تقول إن الذكاء الجمالي يمكن اكتسابه على جميع المستويات، حيث يمكن أن يكتسبه الأفراد والفِرق وجميع الشركات. بل إنها قدمت محاضرات حول هذا الموضوع في كلية هارفارد للأعمال.

بولين براون: شكراً لك على استضافتي يا أليسون.

أليسون بيرد: حسناً، نحن هنا في مجلة “هارفارد بزنس ريفيو”، نعلم بشأن الذكاء العاطفي والذكاء الاصطناعي والمعلومات الاستطلاعية عن السوق، بل وحتى الذكاء التصميمي. لكن ما طبيعة الذكاء الجمالي بالضبط؟

بولين براون: حسناً، باختصار هو الذوق. وما يؤسف له أن الذوق قد اكتسب مفهوماً سطحياً للغاية. فالذكاء الجمالي هو القدرة على استخدام حواس المرء لتقدير التجارب الممتعة والتماسها وتكرارها على حد سواء.

لذا، إذا أردت استخدام مثال عادي للغاية، فليكن هو الذهاب إلى مطعم فاخر. من الواضح أن المطعم الفاخر لا بد أن يشتمل على طعام شهي ولائحة طعام محكمة أو مثيرة للاهتمام. لكن الأمر يتعلق أيضاً بالتصميم والبيئة وأجهزة الصوت والإضاءة وكيفية توزيعها في شتى أرجاء المطعم، وحتى بمستوى اختيار الأدوات وكيفية تفاعلها مع الطعام الذي تتناوله، حيث إن المطعم الذي يقدم شرائح اللحم يتطلب تصميماً جمالياً للأدوات التي يستخدمها يختلف عن التصميم الجمالي لمطاعم السوشي. لكن في كلتا الحالتين، فإن القرار المتعلق بالتصميم الجمالي يعتبر من الأهمية بمكان لتجربة الزبائن.

أليسون بيرد: حسناً، أستطيع فهم الكيفية التي يمكن بها لمحلات بيع الطعام وشركات الأزياء والشركات التي تعمل في مجال العناية بالجمال إشراك جميع الحواس في منتجاتها أو في تجاربها التي تقدمها للأفراد. لكن كيف يمتد ذلك إلى المنتجات أو الخدمات الأكثر اعتيادية؟ مثل شركات تصنيع الإطارات أو شركات المحاسبة أو شركات البرمجيات؟

بولين براون: حسناً، جرت العادة على ألا يمتد أثر الذكاء الجمالي إلى القطاعات العادية، ويعتبر هذا الأمر جزءاً من المشكلة. وغني عن القول أنك إذا عملت في مجال السلع الفاخرة كما فعلت أنا، أو في مجال الأزياء، أو في مجال مستحضرات التجميل، فلن يكون لك وجود في هذه القطاعات دون الاسترشاد بمبدأ النواحي الجمالية هذا.

وعندما كنت في شركة “إل في إم آتش”، كنت أقول، من باب المزاح، بل في واقع الأمر من باب المزاح والجد معاً، إن شركة تحقق إيرادات أكثر من 40 مليار دولار في العام لا تنتج منتجاً واحداً يحتاجه الجميع. ولذا، فلماذا ينفق الأشخاص الكثير من المال في شراء منتجات شركة “إل في إم آتش” عبر 70 علامة تجارية وخمس قطاعات مختلفة؟

الإجابة هي أن السبب يعود إلى أن هذه الشركة بارعة في تقديم منتجات وخدمات وتجارب تتمحور حول هذه المنتجات والخدمات وتستثير السعادة الحقيقية لدى الزبائن. وبالتالي، عندما أفكر في القطاعات الأخرى التي لم تعتقد قط أن النواحي الجمالية تمثل عاملاً ينبغي حتى وضعه في الحسبان، أو إذا أخذته في الحسبان فقط من باب اعتباره تتويجاً للعملية فحسب، أجدني أقول إن السبب يعود إلى أننا عشنا في الحقبة الصناعية، التي يتمثل الدافع الأساسي فيها لهذه القطاعات في تحقيق النمو عن طريق التوسع والكفاءة والأتمتة، وجميع هذه العوامل تعتبر من ملامح الصناعة الضخمة التي ظهرت في القرن الماضي أو نحو ذلك.

وقد أفرطنا في استخدام هذا الدافع الأساسي إلى الحد الذي أعتقد، في واقع الأمر، أننا بتنا نعيش في حقبة نجابه فيها وفورات سالبة في الحجم. وحيث إن الشركات تدور في مدار محدد لا تخرج عنه، وتنجز أعمالها بشكل أسرع وأكبر وأكثر قوة، فإنها في الواقع تصبح في وضع غير مؤات مقارنة برواد الأعمال الذين يفعلون الأشياء بشكل مختلف ومثير للاهتمام.

وبالتالي، انتقلنا إلى هذه الحقبة المختلفة عن سابقتها، التي لم تتأقلم معها الشركات الكبرى، بل إنني أقول إن دراسة إدارة الأعمال لم تتأقلم من حيث لغتها ومفاهيمها مع الحقبة التي انتقلنا إليها.

أليسون بيرد: هل يمكنكِ ضرب بعض الأمثلة للمنتجات أو الخدمات السلعية التي طبقت الذكاء الجمالي لكي يتسنى لها الاستحواذ على اهتمام الزبائن؟

بولين براون: أوضح مثال بالنسبة إليّ هو ستيف جوبز وما قام به في إعادة ابتكار ليس الكمبيوتر فحسب، بل أي جهاز تكنولوجي يمكن أن يكون يبدو على المنوال نفسه بالنسبة إلى المستخدم، حيث كانت الحواسيب، قبل أن يضع لمسته الجمالية على جميع منتجات أجهزة ماك، تتعلق بقوة المعالجة الدقيقة فحسب. وكان هناك تسابق نحو القيام بالأشياء على نحو أسرع وأقل تكلفة.

بيد أن جوبز كان أول شخص غيّر رأيه حيال هذا الواقع قائلاً إننا ينبغي أن نفعل الأشياء بشكل سريع ويجدر بها أن تعمل على مستوى عال، لكننا لن نربح على هذا الأساس. بل سنربح عندما نقدم تجربة إنسانية ترتقي بالمستخدم على نحو لم يعتقد أي شخص آخر يعمل في هذا القطاع أنه حتى ممكن أو ذو قيمة.

والأمر المثير للإعجاب بشأن ستيف جوبز، بصفته مثالاً في توظيف النواحي الجمالية في الأعمال، هو أنه لم يكن فناناً، حيث لم يتطلب منه الأمر أن يكون فناناً لإعادة تعريف ما يمكن أن يبدو عليه الكمبيوتر حقاً. بل كان يتحلى فحسب بذكاء جمالي استثنائي.

والمثال الآخر في هذا الصدد هو ما فعله هوارد شولتز بشركته “ستاربكس”، حيث لم يكن كوب القهوة، قبل ظهور شركة “ستاربكس” يتعدى صفته كوباً من القهوة لا أكثر ولا أقل. لكن عقلية هوارد شولتز العبقرية أخذت ما كان يمثل أحد أكثر المنتجات ذات الطابع السلعي الموجودة في السوق، وهي البن، وخطط لبيعها بأسعار أعلى من أسعارها، ليس لأنك ستشتري قهوة، بل لأنك ستدلف إلى “فضاء ثالث”، كما أطلق عليه. وقد كان كل ما يتعلق بمثال شركة “ستاربكس” يستخدم المبادئ الجمالية إلى أقصى مدى.

أليسون بيرد: حسناً، سأواصل ضرب الأمثلة الصعبة. كيف تستخدم شركة تعمل عبر الإنترنت فحسب، حيث لا مكان في هذا الفضاء للذوق أو اللمس أو الرائحة، بل توجد المرئيات فحسب وربما بعض الصوتيات، الذكاء الجمالي؟

بولين براون: حسناً، من الصعب على هذا النوع من الشركات استخدام الذكاء الجمالي. لأنك إذا فكرت في النواحي الجمالية على النحو الذي عرّفته بها، المتمثل في أنها تتعلق بالتأثير في أكبر عدد من الحواس الإنسانية الخمس إذا لم تؤثر فيها جميعها، فإنك لن تؤثر إلا على حاسة واحدة ونصف حاسة في أفضل الأحوال عندما تعمل عبر الإنترنت.

وحتى المرئيات، التي من الواضح أنها تعتبر أقوى المؤثرات لفعل أي شيء في المحيط الرقمي، لا تعتبر بالقدر نفسه من القوة على غرار التجارب التقليدية على أرض الواقع لأنها، في نهاية المطاف، تجربة ثنائية الأبعاد. وقد أضحينا نرى الأشياء الرقمية بصورة ثلاثية الأبعاد.

كما أن الصوتيات تحسنت كثيراً، لكنني أقول إن هذه المؤثرات ليست جيدة بقدر الجودة التي تحصل عليها من تجربة حفل موسيقي مباشر. وعندما تستمع إلى موسيقى، مثلاً، عبر الإنترنت في مقابل الاستماع إليها من على أحد المسارح، فإنها تمثل تجربة إنسانية مختلفة للغاية.

ويتعلق أحد الأمثلة الرقمية التي أود أن أضربها نوعاً ما بالسبب الذي يجعل شركة “أير بي إن بي” الأقوى بين منافسيها. فلنفترض أننا قارنّاها بشركة “هوم أواي” (HomeAway) أو بشركة “في آر بي أو” (VRBO) أو بالشركة السابقة لهذه الشركات جميعها “كريغزليست” (Craigslist). إذ كانت شركة “كريغزليست” تنشر إعلانات عن منازل للإيجار حتى قبل عشر سنوات من ميلاد شركة “أير بي إن بي”.

ثم ظهرت شركة “أير بي إن بي”، واتخذت المسار نفسه، ولم تقدم – من منظور عملي – أي شيء يختلف عن المنافسين بشكل ملحوظ، لكن الأمر المثير للاهتمام بشأنها، على عكس جميع الشركات الأخرى في هذا القطاع، هو أن مؤسسَيْها الاثنين كانا في واقع الأمر خريجَي كلية رود آيلاند للتصميم (آر آي إس دي). أي أن هذه الشركة لم تخرج من صلب التقنية.

وقد تمكّنا بفضل المصفوفات القليلة التي بحوزتهما مع الفضاء الرقمي من صياغة أمر أضحى أكبر من مجرد إيجار للشقق، بل أصبح وسيلة مختلفة للاستمتاع بالسفر.

أليسون بيرد: إذن، ما وجه اختلاف هذا النوع عن الترويج التقليدي للعلامة التجارية والتسويق وخدمة الزبائن؟ وكيف يدفع هذه المجالات إلى الأمام؟

بولين براون: إذا عدتَ إلى أصل ترويج العلامة التجارية، فستجد أنه بدأ في واقع الأمر في عصر يمتد إلى ما قبل زهاء مائة عام، كان يتعين فيه على البائعين تسويق منتجاتهم إلى المشترين الذين لم يكونوا بالضرورة يسكنون أو يعملون بجوارهم. ولذا، فقد كانت هذه العملية تنطوي على عدم ثقة بين الطرفين. وفي حقيقة الأمر، كانت العلامات التجارية، فعلياً، بمثابة ماشية لكل منها علامتها الخاصة.

وما كانت عليه طبيعة العلامة التجارية في الحقيقة، هو أنها كانت تمثل ضماناً فحسب بمقتضى اسمي الموجود عليها، ولذا، فثمة أشخاص يعرفون جودة المنتجات التي أبيعها. وعندما تمضي بسرعة إلى الأمام نحو حقبة الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، مثلاً، فإنني أقول إن إحدى الشركات الرائدة في إدارة العلامة التجارية كانت هي شركة “بروكتر آند غامبل”، حيث بدا أنهم أخذوا فكرة التقدير والثقة ونوعاً من الضمانات التي تتمحور حول الاسم ورأوا أنها تمثل قدراً كافياً يمكن أن يمضوا به قدماً، وقد توسعوا فيها بالفعل عن طريق الإعلانات التجارية.

لكن عندما تنظر إلى الواقع الماثل الآن، في عام 2019، فستجد أن الإعلانات لم تعد تمثل قوة دافعة كبيرة مقارنة بما كانت عليه قبل عشرين عاماً فحسب. وأحد الأسباب الكامنة وراء ذلك هو أن سماع المرء عن العلامة التجارية، أو استخدام جدته لها سابقاً، لا يجعله يستحسنها بالضرورة. وفي واقع الأمر، إذا ألقيت نظرة على قطاعات مثل الأغذية، فستجد أن الحركة باتت باتجاه الاستكشاف المحلي بصفة خاصة. وأعتقد أننا نثق بأن حواسنا تتمتع بعنصر الاستحسان على نحو لم نكن نتمتع به قبل خمسين عاماً أو ستين عاماً.

وبالتالي، لم تعد جميع المفاهيم التي أسست نهج ترويج العلامة التجارية في العصر الحديث تجدي نفعاً. ولذا، أجدني أفكر في هذه المفاهيم باعتبارها تتمحور حول التجارب التي تسعد الزبائن. وقد أشرت أنت آنفاً في مقدمة البرنامج إلى التفكير التصميمي، لكن الفرق بين الاستراتيجيات الجمالية والتفكير التصميمي يتمثل في أن الأخير يستخدم، بصفة أساسية، مهارات التصميم المحكم لحل المشكلات.

لكن فوائد النواحي الجمالية لا تتمثل في حلها للمشكلات، بل في السعادة التي تقدمها للزبائن. والسعادة هي أمر لا يمكنك اختباره. وهي ليست أمراً بوسعك معرفته من خلال الأبحاث المتعلقة بالزبائن. لكنها تتسم بالقدر نفسه من الأهمية للمشتري في الوقت الحالي مثلما كانت قبل ألف عام وقبل 500 عام وقبل مائة عام وقبل 20 عاماً. وهذا ما تجهله الشركات الكبرى، وربما جميع الشركات لاسيما الكبرى منها، بالكامل.

أليسون بيرد: هل سبق لك العمل مع شركات كبرى، أو شهدتِ شركات كبرى، تمكنت من تغيير الحال وإرساء الذكاء الجمالي في بنيتها المؤسسية؟

بولين براون: نعم، عملت مع شركات كبرى نجحت في ذلك، لكنني أقول إن الأمر لم يكن يخلو من التحديات. وأعتقد أن من السهل على المرء العمل مع شركات ابتكارية حديثة العهد وسريعة النمو، ومع شركات قوامها من الموظفين الشباب الأقل تشبثاً بالطرق القديمة في فعل الأشياء.

بيد أنني لا أقول، في هذا المقام، إن الشركات الكبرى ستبقى بعيدة عن تطبيق الذكاء الجمالي، إذ من الواضح أنه توجد الكثير من المقدرات التي نعتمد عليها بغية أن نكون مجتمعاً رفيع الأداء. كما إنني لا أقول إن الشركات الكبيرة أو الصغيرة ستستغني عن البيانات الضخمة والتحليلات المحوسبة وجميع أنواع التفكير الكمي التي ظلت تمثل قوة دافعة لها منذ سنوات طويلة.

بل إنني أقول إن الأمر يتطلب تحقيق التوازن بينها وبين أنواع التفكير الأخرى. وذلك لأنه عندما تلقي نظرة على الأبحاث المنشورة في هذا الصدد، فستجد أن الغالبية العظمى من الأسباب التي تدفع أي شخص إلى شراء أحد المنتجات أو إحدى الخدمات دون سواها، أي بنسبة تتراوح بين 80% إلى 90% من قرار الشراء، تستند إلى مدى الشعور الذي يمنحه هذا المنتج أو الخدمة لهذا الشخص.

بيد أن قادة التسويق والباحثين يركزون في الغالب على رأي الزبائن بشأن كيفية تبرير مزايا المنتجات ووظائفها وتكاليفها وفوائدها. وهذه العوامل لا تمثل قوة دافعة تستحث قرارات الشراء، وعلى الرغم من ذلك فإننا فعلاً غير متطورين كسوق فيما يتعلق بفهم كيفية شعور الأشخاص والتعاطف مع هذا الشعور ومن ثم أخذه بعين الاعتبار بشكل فعلي، وتقديم المنتج أو الخدمة بسبلٍ أصيلة ومبهجة للزبائن.

أليسون بيرد: حسناً، دار أغلب حديثنا حتى الآن في إطار الزبائن مقابل الشركات. لكن هل ينجح الذكاء الجمالي في مجال التعامل التجاري بين الشركات أيضاً؟

بولين براون: أعتقد أن الذكاء الجمالي يجدي نفعاً لجميع الشركات، تقريباً. وربما لا ينطبق ذلك على قطاع النفط والغاز. لكن دعني أضرب لك مثالاً بالسنوات التي قضيتها في شركة “كارلايل”، حيث إنني كنت شريكة في فريق السلع الاستهلاكية والبيع بالتجزئة الذي يتخذ من نيويورك مقراً له.

ولطالما تساءلت بشأن السبب الكامن وراء ظفر شركة “كارلايل” ببعض الصفقات وظفر منافسيها اللدودين “باين كابيتال” و”كيه كيه آر” و”بلاك ستون غروب” بصفقات أخرى. والإجابة هي أن بعض أسباب ذلك تعود إلى أن الأمر كان، على الهامش، يتمحور حول التقييم، لكن إذا ما قمت بتفكيك نماذج أعمال هذه الشركات، فإنها – في الأساس – تقوم بالعمليات الحسابية نفسها، كما تتوفر لها سبل الحصول على شروط الإقراض نفسها، وهي تعمل تقريباً مع مجموعة شركات الإقراض “بلج براكيت” (Bulge Bracket) نفسها، وما إلى ذلك، وتتوفر لديها سبل الحصول على الصفقات نفسها، وهي تختار موظفيها من خريجي كليات إدارة الأعمال الثلاث نفسها، التي تعتبر إحداها كلية هارفارد للأعمال.

إذاً، ما وجه التمايز بينها ولماذا كنتُ سأختار، إذا كنت بائعاً يتبع لشركة جيدة في سوق تنافسية، شركة “كيه كيه آر”، مثلاً، دون شركة “كارلايل”؟ بحثت في النواحي الجمالية التي أرساها ديفيد روبنستاين، مؤسس شركة “كارلايل”، وهي إحدى هذه الشركات الثلاث، وكذلك في النواحي الجمالية التي صاغها هنري كرافيس، مؤسس شركة “كيه كيه آر”. حيث أتى هنري من بورصة “وول ستريت”، وفي جعبته ما يمكن أن نطلق عليه الخلفية المصرفية الاستثمارية التقليدية. وهو من هواة جمع الأعمال الفنية. وسترى، عندما تدلف إلى مكتبه، الأخشاب المتينة واللوحات الفنية تزين الجدران.

بينما إذا ذهبت إلى المقر الرئيس لشركة “كارلايل” في واشنطن، فسترى تعبيراً محضاً عن شخصية ديفيد ونظامه القيمي. إذ إن والده كان أحد عمال البريد من مدينة بالتيمور. وتمثل مظاهر ديفيد التعبيرية وخياره في النظارات الطبية واختياراته في البِدل التي يرتديها واختياره في الحيز المكتبي وكيف أرسى ذلك بأفضل طريقة اقتصادية، تعبيراً صارخاً عما يؤمن به ديفيد.

وثمة موظفون يتأملون شركة “كيه كيه آر” ويقولون في أنفسهم: “هذه هي الشركة الأفضل على الإطلاق، وأود أن ألتحق بها”. بينما يوجد موظفون آخرون ينظرون إلى شركة “كارلايل” ويقولون في أنفسهم: “هذه شركة واقعية تلتمس النهوض بالقيم ولا مجال للخسارة في الأمر، وهذا الوضع يناسبني”.

ويمكن أن يطلق على هذا، في مجال آخر، الثقافة، لكنني أعتقد في الواقع أنه من الصعب الإحاطة بالثقافة. وأحسب أن الثقافة مجال غير محدد المعالم بدرجة كبيرة. لكن النواحي الجمالية لبيئات العمل هذه، والأشخاص الذين يعملون على إرسائها، واضحة تماماً بالنسبة إلي.

أليسون بيرد: ينقلني ذلك إلى سؤالي التالي. فقد تحدثتِ، في نقطة من النقاط، عن الذوق الرفيع. سؤالي هو: هل ثمة اتفاق على نطاق واسع بشأن الأمور التي يبعث مظهرها وصوتها ورائحتها وذوقها والشعور الذي تخلقه، على البهجة، من الناحية الفعلية؟ وهل تدعم العلوم البيولوجية هذا الأمر؟ إذ توجد اختلافات بين تفضيلاتنا، وبالتأكيد تختلف طريقة تفكيرنا بين الثقافات المختلفة، أليس كذلك؟

بولين براون: النقاش بشأن ما إذا كان ثمة شيء اسمه الذوق الرفيع هو نقاش قديم العهد. ودائماً ما تكون إجابتي عن هذا التساؤل هي النفي. إذ توجد الكثير من الأذواق المختلفة، لكن يوجد شيء اسمه الذوق السيئ. ولا أعتقد أن أحداً، في تاريخ الجنس البشري أو في تاريخ البشرية الحديث، قد مرّ بجانب آلة ثقب الصخور وقال في نفسه: “كم يطرب هذا الصوت أذني!”. فالواقع أنه توجد بعض الأشياء التي لا تعتبر سوى مزعجة ومنفرة فحسب، وهي أشياء تشكل – لأسباب بيولوجية ولأسباب ثقافية – الأشياء التي نريد تفاديها.

ومن ثم، توجد طائفة واسعة من التجارب الإنسانية التي تعبّر عن الأشخاص بطرق مختلفة. ومنها حتى تجربة ستيف جوبز الذي كان يتسم للغاية بتأثير الاتجاهات التصميمية التي كانت سائدة في ولاية كاليفورنيا في منتصف القرن الماضي بشأن ما يبعث على الشعور بالسعادة بالنسبة إليه، وقد كانت تلك التجربة بمثابة الحد الأدنى. ولا يمثل هذا ذوقي الخاص لأن ذوقي تشكل بدرجة أكبر بصفتي يهودية أميركية من الجيل الأول تنتمي لعائلة أوروبية قوية تتسم بالكثير من أساليب العصر الفكتوري، التي ترعرعتُ في كنفها.

فأنا لديّ مفهوم مختلف للغاية بشأن الأمور التي تبعث على الشعور بالارتياح بالنسبة إلي وبشأن المجالات التي تجعلني أنبض بالحياة. وفي ضوء ذلك، أستطيع تفهّم وجود الكثير من الأذواق المختلفة. وأقول إن الأمر نفسه ينطبق على عالم الموسيقى. إذ يوجد الكثير من الأشخاص الذين يحبون موسيقى “الروك”، مثلما يوجد أشخاص آخرون يحبون موسيقى الريف “الكانتري”. ولا توجد أفضلية لذوق أحد الأشخاص على ذوق الأشخاص الآخرين. لكن الأمر المهم بالنسبة إلى الأشخاص يتمثل في معرفة ذوقهم الخاص.

أليسون بيرد: هل تتمثل الفكرة في أنه يتعين عليك معرفة أذواق زبائنك المثاليين وتصميم منتجاتك وخدماتك بغية اجتذابهم؟

بولين براون: لا، بالتأكيد.

أليسون بيرد: فهمت.

بولين براون: دائماً ما أقول إن الذكاء الجمالي لا يبدأ بالزبائن، بل يبدأ بنظام القيم في المؤسسة، الذي يبدأ فعلياً هو الآخر بمؤسسيها وقادتها، ومن ثم يتدلى إلى جميع المستويات الأدنى. ودعنا نعود إلى مثال ستيف جوبز. إذ إنه لم يجلس في غرفة اجتماعات مجلس الإدارة ويقول: “كيف يمكننا تصميم هذا المنتج بحيث يكون باعثاً لشعور شخص آخر بالسعادة؟”. بل قال: “كيف يمكننا تصميم هذا المنتج بحيث يبعث على شعوري أنا شخصياً بالبهجة؟”. ومن ثم حافظ على معايير واضحة للغاية تتمحور حول ذلك التصميم الجمالي، وهي مجموعة المبادئ الجمالية.

لذا، أعتقد أن الذكاء الجمالي في الشركات ذات الأسماء التجارية الراسخة يبدأ بشخص واحد يتحلى بالقوة كلها. ومن ثم، لتحقيق الاستمرارية على غرار الكيفية التي حافظت بها شركة “ديزني”، مثلاً، على مبادئها الجمالية، يتطلب الأمر وجود الأنظمة الصحيحة، والكثير من التوافق والتدريب، حيث إن والت ديزني قد توفي قبل عقود طويلة.

لكنه عندما كان موجوداً، كان لديه هذا النوع من المفهوم العميق بشأن كيفية إنشاء مدينة ملاهي غامرة للغاية بحيث إنها لا تتمحور فحسب حول ألعاب الركوب أو متجر الوجبات الخفيفة، بل تتعلق بهذا العالم الذي ستخطو إلى داخل محيطه. وقد واصلت الشركة، بعد كل هذه العقود الطويلة منذ رحيله، التحسّن بشكل مضطرد فيما يتعلق بنطاق انتشارها وقدرتها على الاستمرار في إسعاد الزبائن، حتى بالنسبة إلى الأشخاص الذي يرتادون ملاهيها مراراً وتكراراً. وهذا أمر من البراعة بمكان. وشركة “ديزني”، على هذا المنوال، هي مؤسسة ذكية من الناحية الجمالية بحق.

أليسون بيرد: وماذا عن الشركات التي لم تُظهر الذكاء الجمالي في الوقت الحالي؟ كيف يمكنها إرساؤه في بنيتها إذا كان مؤسسوها قد رحلوا منذ وقت طويل، وجميع مَن فيها الآن لديهم وجهات نظر مختلفة بشأن طبيعة النواحي الجمالية التي ينبغي أن تتسم بها الشركة؟

بولين براون: ثمة أسباب تكمن وراء وجود هذه الشركات واستمرارها لفترة طويلة الأمد. وتتمثل الخطوة الأولى في العودة إلى جذور ما كان مؤسسو هذه الشركات يؤمنون به، وجذور ما كان الأشخاص الأوائل الذين ارتبطوا بطليعة نشأتها، سواء كانوا موظفين أو شركاء أو زبائن، ينجذبون إليه والسبب في هذا الانجذاب. وكذلك، محاولة استكشاف الأشياء الأخرى التي تعتبر جزءاً من إرث هذه الشركات.

ومن ثم، فالمسألة الأخرى التي أود توضيحها تتمثل في أننا، في الشركات الكبرى، كثيراً ما نقلل من قيمة الأشخاص المبدعين. إذ إننا غالباً ما كنا نعزلهم، نوعاً ما، في القسم الفني. ودائماً ما أتساءل: لماذا نتوقع أن يكون الرؤساء التنفيذيون، في الشركات الكبرى، متمكنين في الشؤون المالية والعمليات وربما في الهندسة، ولكن بطريقة أو بأخرى، فإننا لا نعتقد أنهم ينبغي فعلاً أن يتحلّوا بالروح الفنية والوظائف الإبداعية بالقدر نفسه من الإجادة والمشاركة الذي يتمتعون به حيال الوظائف الأخرى.

أليسون بيرد: لديكِ خلفية صلبة في إدارة الأعمال. إذ إنكِ حاصلة على ماجستير إدارة الأعمال من كلية وارتون، وسبق لك العمل في شركة “باين”. فمتى بدأت التفكير بخصوص أن هذا المجال يعتبر عاملاً أساسياً في نجاح الشركات؟

بولين براون: يمكنني القول إنني قد بدأته في وقت مبكر. ويعود أحد الأسباب الكامنة وراء ذلك إلى أنني صُدمت في بادئ الأمر عندما تركت شركة “باين”، إذ إنني كنت ضمن فريق الاستراتيجية في شركات “إستي لودر”، وبدأت أدرك أن الكثير من الأشياء التي حصلت على تدربت بغية إجادة القيام بها، ابتداءً من كلية وارتون إلى شركة “باين”، لم تخدمني بشكل جيد في شركة مثل “إستي لودر”. وبدا أنه يجب عليّ نسيان أمر بعض هذه الأشياء التي تعلمتها.

حيث إن السبب وراء شراء الأشخاص لمستحضرات التجميل، على سبيل المثال لا الحصر، هو طبيعة الشعور الذي تمنحه لهم. إذ يود الأشخاص إطلاق العنان لأحلامهم وتطلعاتهم. وهذه هي الطبيعة البشرية. وتلك كانت هي الأشياء التي لم أكن مستعدة لتنفيذها بموجب الحصيلة المعرفية التي خرجت بها من كلية وارتون لإدارة الأعمال ومن شركة “باين”.

أليسون بيرد: عندما تطرحين هذه الأفكار على قادة الشركات خارج قطاعات الأزياء والرفاهية ومستحضرات التجميل والأغذية، هل تتلقين أسئلة بشأن العائد على الاستثمار، إذاً؟ حيث يعني إرساء الذكاء الجمالي أن الشركات تقوم بما يشبه التجربة الحسية للزبائن، فهي تستثمر في تجارب الأفراد التقليدية. لكن ما المساهمة التي يقدمها ذلك للنتائج المالية التي تحققها هذه الشركات؟

بولين براون: حسناً، يتمثل الخلل الأول في هذا السؤال، الذي يُطرح عليّ بين الفينة والأخرى، في أن القيام بما أتحدث عنه يتطلب الكثير للغاية من الموارد مقارنة مع عدم القيام به. لذا، دعنا نأخذ مثالاً بالمدرسة التقليدية، أو ربما المدرسة العامة. فالمدرسة العامة، يمكن أن أقول إنها ستكون، بشكل عام، ضعيفة للغاية فيما يتعلق بالنواحي الجمالية وبالاهتمام إزاءها، وهذا أمر شهدته بنفسي، حيث يختار الأشخاص، في هذه المدرسة، لون الطلاء للجدران والبلاطة للأرضية وحجم الخط للافتات المنصوبة في الواجهة الأمامية للمدرسة أو في الجزء الخلفي منها.

وهذه جميعها قرارات تُتخذ على نحو مستمر، لكن ما أطالب به هو اليقظة الذهنية عند اتخاذها. وتعني اليقظة الذهنية في هذا الصدد أنه إذا كنت ستختار نظام ألوان للجدران، فلمَ لا يكون نظاماً ساطعاً أو مبهجاً؟ وإذا كنت ستختار مصباحاً كهربائياً للسقف، فلن تتحمل تكلفة إضافية في الوقت الحاضر إذا ما اخترت مصباحاً يبث دفئاً أكثر قليلاً في انعكاسه، ويمكن أن يبدو أكثر ترحيباً مقارنةً بمصباح بارد بعض الشيء أو متوهج يعطي شعوراً بالجدب.

فهذه التفاصيل ذات أثر حقيقي، في حالة البيئة المدرسية، على كيفية استجابة الطلاب وعلى تفاعلهم وعلى الشعور الذي يراودهم عندما يكونون في البيت. لذا، لنبدأ بالقرارات الجمالية التي تتخذها بالفعل، لكنك لا تتخذها بانتباه ووعي.

وتتمثل النقطة الأخرى التي أود تناولها، وهي نقطة مهمة ينطوي عليها سؤالك الذي طرحته، في أن التحلي بذوق يتطلب إنفاق المال بكثرة. وعادة ما أقول إن الأشخاص الذين أعرفهم في عالمي الذين يتمتعون بأفضل ذوق لا يمتلكون أكبر قدر من المال. وفي واقع الأمر، أعتقد – في بعض الأحيان – أن الأشخاص الذين يمتلكون أكبر قدر من المال يتسمون بذوق أسوأ. حيث إن الأمر – بالنسبة إليهم – لا يتطلب مفاضلات.

أليسون بيرد: كيف السبيل إلى اتخاذ الذكاء الجمالي معياراً للتوظيف؟

بولين براون: حسناً، أعتقد أنه يتعين على صاحب العمل أن يبدأ بنفسه. فالأمر لن يجدي نفعاً إذا كنت سأوظف مديراً لقسم الفن وأطلب منه أن يفعل ما يلزم لجعل المنتج الفلاني يبدو رائعاً أو يمنح الزبائن شعوراً رائعاً، بينما أركز اهتمامي على الموقف المالي للشركة. والواقع هو أنه بوسعك التحلي بكل الذكاء الذي تبتغيه، لكنه لن يشق طريقه بمفرده، بل يتعين تمكينه.

على سبيل المثال، عندما كنت في شركة “إستي لودر”، كانت الشركة بمثابة مجموعة من العلامات التجارية، وليست علامة تجارية رئيسة، على الرغم من أن اسم “إستي لودر” كان اسم إحدى علاماتها التجارية الكبيرة. وكانت إحدى الصفقات الأخيرة التي عملت عليها عندما كنت في إدارة عمليات الاندماج والاستحواذ هي ترتيبات إبرام اتفاقية منح الترخيص مع توم فورد، الذي لم يكن بتلك الشهرة في ذلك الوقت (عام 2004)، حيث إنه كان قد رحل منذ بضع سنوات، وكان حينها كبير المصممين بشركة “غوتشي” (Gucci) التي تعمل في مجال الأزياء.

وقد قام توم بأشياء لم تفلح أبداً العلامة التجارية “إستي لودر” أو العلامة التجارية “كلينيك” (Clinique) التابعة للمجموعة نفسها في القيام بها. ويمكنني أن أخبر الشركات المبتدئة وهذه الشركات الكبرى، سواء كانت في القطاع المالي أو قطاع السيارات أو في أي مجال عمل آخر بأن تكف عن تفادي المجازفة لأنها بذلك تتسابق نحو القاع.

أليسون بيرد: هل بإمكان المدير الذي لا يشارك في التسويق أو ترويج العلامة التجارية أو في تطوير المنتجات وتصميمها تطبيق هذه الفكرة فيما يتعلق بكيفية أدائه لوظيفته؟

بولين براون: بالتأكيد يمكنه ذلك. فالنسبة إلى المبتدئين، يمكنهم تطبيق الذكاء الجمالي في مكاتبهم وفي المساحات الخاصة بهم. ولا أقصد بذلك أنه يتعين عليهم تعيين مهندس ديكور وتحويل المكاتب إلى شيء غير متسق بالمرة مع المكان الذي يعملون فيه ومع ما يفعله الأشخاص الآخرون، لكن جوهر الفكرة هنا هو لماذا أرى في الغالب، عندما أدلف إلى مكتب أحد المدراء التنفيذيين، نوعاً من النسق الصناعي الموحد؟ وربما مع وجود صورتين أو ثلاث صور تتبوءان مكانيهما على المكتب. وما يوحي به إليّ انعدام مظاهر التعبير الشخصي هو أن هؤلاء الأشخاص يكبحون هويتهم للغاية عندما يكونون في أماكن عملهم. لكن إذا ما ذهبت إلى منزل هذا المدير التنفيذي نفسه، وحتى إلى مكتبه المنزلي، فسأرى جانباً مختلفاً للغاية. وهكذا، فالخطوة الأولى متى ما تبوأت منصباً في مؤسسة، بافتراض أنك في المؤسسة المناسبة، تتمثل في إضفاء المزيد من هويتك الشخصية على مكتبك والمساحة الخاصة بك.

ويتعين على جميع الشركات، تقريباً، الابتعاد كثيراً عن تقديم القيمة وتقديم الميزات والوظائف وما شابه ذلك، والبدء فعلاً في ما أسميه: أن تصبح أكثر إنسانية في جميع ما تقوم به، وأن تصبح أكثر واقعية.

وربما بسبب أننا نرى ما يحدث للكوكب من حولنا، فقد صرنا نرغب في العودة إلى الطبيعة. وبالتالي، أعتقد أنه بات يتعين على الأشخاص في الشركات إيجاد الكثير من السبل التي تكفل لهم إضفاء الصبغة الطبيعية واستنساخ الطبيعة في الأشياء التي يقومون بها.

كما أعتقد أيضاً أنه سيكون هناك رد فعل عكسي على غرار ما بدأنا بالفعل في رؤيته ضد جميع الأشياء الرقمية، حيث استغرق منا الأمر بضع سنوات لإدراك أثر السجائر الإلكترونية على صحتنا. وأعتقد أن الأمر سيستغرق منا وقتاً أطول لإدراك أثر الحياة الرقمية على أنفسنا وعلى تطورنا البشري وعلى تطورنا المعرفي.

ولذا، أعتقد أن الأشياء مثل يوم الراحة من الحياة الرقمية وإجازات التفرغ ستكون أمراً أقرب إلى النهج الأساسي لدى البشر. وأحسب أن أي شيء يأخذ الأشخاص من الجلوس أمام شاشات الأجهزة الرقمية ويجعلهم يعيشون الحياة التقليدية مجدداً سيجد لديهم القبول.

أليسون بيرد: شكراً جزيلاً لكِ يا بولين على التحدث معي في حلقة اليوم.

بولين براون: شكراً لك يا أليسون. لقد استمتعت بها تماماً.

أليسون بيرد: كانت هذه بولين براون، الرئيسة السابقة لأعمال شركة “إل في إم آتش” في أميركا الشمالية، ومؤلفة كتاب “الذكاء الجمالي”.

أنتجت هذه الحلقة ماري دوي. وقدم لنا الدعم الفني روب إيكارت ومدير الإنتاج الصوتي لهذا البرنامج آدم باكولتز. شكراً لكم على إصغائكم إلى برنامج “آيديا كاست” من “هارفارد بزنس ريفيو”. معكم أليسون بيرد.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!