الذكاء الاصطناعي يغيّر وجه العمل، وعلى القادة أن يواكبوا مستجداته

5 دقائق
الذكاء الاصطناعي يغيّر وجه العمل
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: أجري “مختبر واتسون للذكاء الاصطناعي بالشراكة بين معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (إم آي تي) وشركة آي بي إم” (MIT-IBM Watson AI Lab) بحثاً تجريبياً مؤخراً توصّل من خلاله إلى رؤية جديدة حول الذكاء الاصطناعي وأثره في تغيير وجه العمل. ويرسم مؤلف المقالة استناداً إلى نتائج هذا البحث خارطة طريق للقادة العازمين على تطوير أداء قوة العمل في شركاتهم لتمكينهم من مواكبة المستجدات وإعادة تخصيص رؤوس الأموال بالتوازي مع تحقيق الربحية أيضاً. ويرى أن كلمة السر لإطلاق العنان أمام الإمكانات الإنتاجية مع تحقيق أهداف العمل تكمن في 3 استراتيجيات رئيسية: إعادة موازنة الموارد، والاستثمار في صقل مهارات قوة العمل، والتوسع في تطوير نماذج جديدة للتعليم والتعلم مدى الحياة.

 

يتزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في أماكن العمل ومختلف أوجه الحياة اليومية، ومن المنتظر أن يغيّر أسلوب حياتنا وطريقتنا في ممارسة عملنا بصورة جذرية، ولكن تداعيات هذا التحوّل الذي تلوح بوادره في الأفق تثير الكثير من المخاوف. فقد أثبت استقصاء أُجري مؤخراً شمل 5,700 خريج في “كلية هارفارد للأعمال” أن 52% من أفراد هذه النخبة المتميزة يعتقدون أن الشركات الاعتيادية ستوظف عدداً أقل من العاملين بعد 3 سنوات من الآن.

وقد فرض ظهور الذكاء الاصطناعي نشوء تحديات جديدة أمام قادة الشركات لم يسبق لهم أن واجهوها من قبل. إذ يجب عليهم مواصلة تحقيق أعلى مستويات الأداء المالي بالتوازي مع ضخ استثمارات هائلة في تعيين كوادر بشرية جديدة وتدريب قوة العمل الحالية واعتماد أحدث التقنيات التكنولوجية التي تدعم الإنتاجية والنمو. ويبدو أن تضارب أهداف الشركة وغاياتها يؤدي إلى اتخاذ قرارات قيادية صعبة ومؤلمة في كثير من الأحيان.

وتوصّل البحث التجريبي الذي أجراه فريقنا مؤخراً في “مختبر واتسون للذكاء الاصطناعي بالشراكة بين معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (إم آي تي) وشركة آي بي إم” (MIT-IBM Watson AI Lab) إلى رؤية جديدة في ظل هذه المعطيات حول الذكاء الاصطناعي وأثره في تغيير وجه العمل. وحينما ندرس مدلولات هذه النتائج، يمكننا آنذاك أن نرسم خارطة طريق للقادة المصممين على تطوير أداء قوة العمل في شركاتهم لتمكينهم من مواكبة المستجدات وإعادة تخصيص رؤوس الأموال بالتوازي مع تحقيق الربحية أيضاً.

لكن الرهانات في هذه الحالة مرتفعة، إذ يُعتبر الذكاء الاصطناعي نوعاً جديداً تماماً من التكنولوجيا القادرة على توقع الاحتياجات المستقبلية وتقديم التوصيات لمستخدميه. ويرى قادة الشركات أن هذه التكنولوجيا الفريدة من نوعها لديها القدرة على زيادة إنتاجية الموظفين من خلال الاضطلاع بالمهمات الإدارية وتقديم التوصيات بأفضل الأسعار للبائعين وتبسيط عملية التوظيف، على سبيل المثال لا الحصر.

وفيما يحاول بعض قادة الشركات التعامل مع مسألة انتقال قوة العمل المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، فإن كلمة السر لإطلاق العنان أمام الإمكانات الإنتاجية مع تحقيق أهداف العمل تكمن في 3 استراتيجيات رئيسية: إعادة موازنة الموارد، والاستثمار في صقل مهارات قوة العمل، والتوسع في تطوير نماذج جديدة للتعليم والتعلم مدى الحياة.

الحل الأول: إعادة تخصيص موارد رأس المال

يقدم تقريرنا البحثي نافذة على الذكاء الاصطناعي وأثره في تغيير أماكن العمل من خلال إعادة التوازن وإعادة هيكلة الوظائف. وقد جرى استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة من قِبَل فريق “مختبر واتسون للذكاء الاصطناعي” لتحليل 170 مليون وظيفة عبر الإنترنت في الفترة بين عامي 2010 و2017. وخلصت الدراسة إلى عدد من النتائج، كان من أهمها: قد يستغرق تغير طبيعة المهن سنوات عدة، بل وعقوداً من الزمان، ولكن إعادة هيكلة المهمات الوظيفية تتم بوتيرة أسرع بكثير،

وما الوظائف إلا مجموعة من المهمات المتسلسلة. ولأن العاملين يتقلدون الوظائف في العديد من المهن والقطاعات، فإن المهمات التي يؤدونها هي التي تخلق القيمة. ومع تطور التكنولوجيا، سيتم استبدال بعض المهمات الحالية بالذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة. لكن بحثنا أثبت أن 2.5% فقط من الوظائف تتضمن نسبة عالية من المهمات المناسبة لتعلم الآلة. وتشمل هذه التخصصات العمل في وظائف، مثل المُرشِدين في المحال التجارية والمضيفين في ردهات الفنادق ومحصّلي التذاكر الذين تتضمن مهماتهم الرئيسية التحقق من أوراق الاعتماد والسماح للأشخاص المصرح لهم فقط بالدخول إلى أماكن معينة.

وسيظل البشر هم الوحيدين القادرين على أداء معظم المهمات على أفضل وجه، سواء كانوا من العمال الحرفيين مثل السباكين والكهربائيين والنجارين، أو أولئك المتخصصين في أعمال تتطلب الإلمام بالمعرفة التخصصية في قطاع معين، مثل أعمال التصميم أو التحليل. وستظهر مهمات جديدة تتطلب من العاملين اكتساب مهارات جديدة.

وسيحتاج قادة الشركات في ظل هذا التحول إلى إعادة تخصيص رأس المال بما يتناسب مع المتغيرات الجديدة. فقد يتطلب التوسع في استخدام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي زيادة حجم الإنفاق على أعمال البحث والتطوير. وسيتطلب تدريب الموظفين وصقل مهاراتهم استبعاد العاملين مؤقتاً من الأنشطة المدّرة للدخل.

ويجب أن تعكس الرواتب وغيرها من أشكال تعويضات الموظفين بصفة عامة القيمة المتغيرة للمهمات على مستوى الهيكل التنظيمي ككل. فقد أثبت بحثنا أن التكنولوجيا تقلل من تكلفة بعض المهمات لأنه يمكن إجراؤها جزئياً بواسطة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي تزداد القيمة التي يحققها العامل في المهمات المتبقية، حيث تتطلب هذه المهمات في الغالب التحلي بالمهارات الفكرية والإبداعية، وهو شيء لا يجيده الذكاء الاصطناعي مثل البشر.

وقد شهدت المهن عالية الأجور المتخصصة في قطاع الأعمال والماليات، على سبيل المثال، زيادة التعويضات في المهمات التي تتطلب معرفة تخصصية بأكثر من 6,000 دولار في المتوسط بين عامي 2010 و2017. وعلى النقيض من ذلك، انخفض متوسط التعويضات في مهمات التصنيع والإنتاج بأكثر من 5,000 دولار خلال الفترة نفسها. ومع استمرار الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل مكان العمل، سيكون النجاح حليف قادة الشركات الذين يتنبهون إلى هذا التحول المهم.

الحل الثاني: الاستثمار في تدريب قوة العمل

تعتبر الشركات اليوم مسؤولة ليس فقط عن زيادة القيمة السهمية للشركة، بل عن التأثير الإيجابي أيضاً على أصحاب المصلحة بمختلف أطيافهم من عملاء ومورّدين ومجتمعات وموظفين. علاوة على ذلك، تتزايد أهمية الاستثمار في المواهب وغيرهم من أصحاب المصلحة لتحقيق نتائج مالية طويلة الأجل. تنعكس هذه التوقعات الجديدة في بيان “جمعية بزنس راوند تيبل” المنقح والصادر مؤخراً حول حوكمة الشركات والذي يؤكد التزام الشركات بدعم الموظفين من خلال التدريب والتعليم “الذي يسهم في تطوير مهارات جديدة في عالم حافل بالتغيرات المتلاحقة”.

ويجب إعادة تدريب ملايين الموظفين أو صقل مهاراتهم بسبب تطور الذكاء الاصطناعي على مدى السنوات الأربع المقبلة، وذلك وفقاً لنتائج دراسة أجراها مؤخراً معهد “آي بي إم” حول القيمة التجارية للأعمال. سيكون التدريب الفني مكوناً ضرورياً بكل تأكيد. ونظراً لازدياد قيمة المهمات التي تتطلب مهارات فكرية وإبداعية وغيرها من السمات البشرية الفريدة، فيجب على المسؤولين التنفيذيين وكذلك المدراء أن يركزوا على تجهيز العاملين وإعدادهم للمستقبل من خلال تعزيز “مهارات التعامل مع الأشخاص” وتنميتها، مثل القدرة على إصدار أحكام صائبة والإبداع والقدرة على التواصل بشكل فاعل. ويستطيع القادة من خلال هذه الجهود مساعدة موظفيهم على التحول إلى الشراكة مع الآلات الذكية بالتوازي مع تغير المهمات ومفهوم القيمة.

الحل الثالث: التوعية بآفاق المستقبل منذ اللحظة الحالية

مع استمرار التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي داخل الشركات وفي شتى القطاعات، يتعين على المبتكرين وقادة الشركات فهم آثاره المترتبة ليس على إجراءات العمل فحسب، بل وعلى المجتمع ككل. فبالإضافة إلى الحاجة إلى الاستثمار في صقل المهارات داخل المؤسسات اليوم، يجب على المسؤولين التنفيذيين العمل جنباً إلى جنب مع صانعي السياسات وغيرهم من أصحاب المصلحة في القطاعين العام والخاص لتوفير الدعم للتعليم والتدريب الوظيفي وتشجيع الاستثمار في برامج التدريب وصقل المهارات لكافة العاملين.

وقد أثبت بحثنا أن التكنولوجيا الحديثة ستؤثر في معدلات الطلب على العاملين متوسطي الأجور وأرباحهم المحتملة، ولكن بنسب مختلفة، وهو ما سيتسبب في خلق ضغوط هائلة على الطبقة المتوسطة. فقد لاحظنا أن 4 مهمات تنتقل إلى الوظائف منخفضة الأجر ومهمة واحدة فقط تنتقل إلى الوظائف مرتفعة الأجر من بين كل 5 مهمات تتغير طبيعتها في الوظائف متوسطة الأجر. ونتيجة لذلك، ترتفع الأجور بشكل أسرع في الوظائف منخفضة وعالية الأجور عنها في الوظائف متوسطة الأجور.

ويمكن أن تسهم النماذج التعليمية الجديدة ومسارات التعلم المستمر في معالجة فجوة المهارات المتزايدة، ما يوفر لأفراد الطبقة المتوسطة، وكذلك الطلاب ومجموعة واسعة من المهنيين في منتصف حياتهم المهنية، فرصاً لاكتساب المهارات المطلوبة. ويُعد الاستثمار في جميع أشكال التعليم أمراً أساسياً: كليات المجتمع أو التعليم عن بعد أو التدريب المهني أو برامج مثل “بي-تك” (P-TECH) للتعليم الرقمي على المهارات التكنولوجية والمهنية بالشراكة بين القطاعين العام والخاص والمصمم لتأهيل طلاب المدارس الثانوية للوظائف التكنولوجية “المستحدثة” مثل الحوسبة السحابية والأمن السيبراني.

لن تكون التحولات الاقتصادية الأساسية سهلة بالمرة، سواء كان الموظفون هم المطالبين بتطوير مهاراتهم وأساليب عملهم، أو كان القادة هم المنوطين بإعادة التفكير في كل شيء، بداية من تخصيص الموارد إلى تدريب القوى العاملة. ولكن إذا كان للذكاء الاصطناعي دور في تغيير وجه العمل وكان له أن يفي بوعده ويؤدي إلى تحسين حياتنا العملية ورفع مستوياتنا المعيشية، فيجب أن يكون كبار القادة مستعدين لمواجهة التحديات المرتقبة.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .