facebook
twitter
whatsapp
email
linkedin
messenger
shutterstock.com/MIA Studio

تحدث الكوارث الطبيعية في ظروف قد تكون متوقعة وأخرى غير متوقعة، ومع ذلك، غالباً ما يفشل البشر بالاستعداد لها على الرغم من التحذيرات التي تكون واضحة أمامهم، وكما أثبتت جائحة "كوفيد-19" فإن الاستعداد للأزمات وحسن إداراتها يُعد من أولويات الحكومات والمؤسسات، لاسيما أن الكوارث والأزمات لن تتوقف أياً كان نوعها.

حمّل تطبيق النصيحة الإدارية مجاناً لتصلك أهم أفكار خبراء الإدارة يومياً، يتيح لكم التطبيق قراءة النصائح ومشاركتها.

لا تتحقق منعة المؤسسات إلا بقدرتها على إدارة الأزمات بكفاءة ومرونة وصولاً إلى مرحلة التعافي. ما يتطلب تعزيز قدرتها على الإلمام بالموقف، والتخطيط السليم وإتخاذ الإجراءات اللازمة وتبني الأدوات والتقنيات للتغلب على التحديات المُقبلة.

ومع كثرة التحديات التي تحيط بنا، أصبح هناك اهتمام عالمي بدور تقنيات الذكاء الاصطناعي في تعزيز منعة المؤسسات من خلال ما توفره من إمكانيات وفوائد في إدارة الأزمات بفاعلية عالية. يعتقد العلماء أن الذكاء الاصطناعي من المرجح أن يكون حلاً للعديد من التحديات العالمية والمشاكل المعقدة التي تواجه عالم الأعمال، خاصة بعد أن قطعنا شوطاً لا بأس به في تطوير تقنيات تعلم الآلة.

وعلى الرغم من النجاحات التي حققها الذكاء الاصطناعي في العديد من المجالات، إلا أن هناك تساؤلات عن مدى نجاحه في التعامل مع الأزمات والكوارث، وبناء عليه فإن هذا المقال يلخص دور الذكاء الاصطناعي في إدارة الأزمات وكيفية استخدامه لمواجهة جائحة فيروس "كوفيد-19" وذلك عبر الإجابة عن مجموعة من التساؤلات مثل: هل وصلنا لمرحلة نستطيع فيها الاعتماد والثقة في استخدامات الذكاء الاصطناعي في إدارة الأزمات؟ وهل لعب الذكاء الاصطناعي دوراً فاعلاً في التعامل مع هذه الجائحة؟ وما هي التحديات التي نواجهها في هذا المجال؟ وكيف يمكننا التغلب عليها؟

إن إدارة المخاطر وإدارة الأزمات وجهان لعملة واحدة. فإدارة المخاطر تحاول التقليل من حدوث التهديدات، بينما إدارة الأزمات تتعامل مع التهديدات فور حدوثها. يوضح الشكل التالي المراحل المختلفة التي تمر بها الأزمة ودور تقنيات الذكاء الاصطناعي في كل مرحلة.

المراحل المختلفة في دورة المخاطر والأزمات ودور الذكاء الاصطناعي فيها

إن المؤسسات ذات المنعة العالية هي المؤسسات التي تدير المخاطر بشكل استباقي، وتستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي لاستشراف الأزمات والتنبؤ بها قبل حدوثها، وذلك لكي تضع حلولاً لتلافيها أو للتقليل من تأثيرها، وفي مرحلة الاستعداد للأزمات فإن لهذه التقنيات دور هام في تقييم الموقف. إذ تستطيع توفير المعلومات التي لم تكن متوفرة للمساعدة في اتخاذ قرارات حكيمة مبنية على البراهين. إضافة لدورها في تحليل الكم الهائل من المعلومات المتوفرة للوصول إلى نتيجة تفيد بمدى احتمال حدوث الأزمة.

أما في مرحلة الاستجابة للأزمات في حال وقوعها، فإن لتقنياتالذكاء الاصطناعيدوراً محورياً لا يقل أهمية عن المرحلة السابقة، حيث إن هذه التقنيات تُسخدم في تقييم الأضرار المادية للكارثة عن طريق تحديد وتصنيف الأشياء وكذلك في مراقبة الأزمة وتطورها لتقليل حالة عدم اليقين وتحسين حالة الوضوح، كما يتم من خلالها جمع كمية هائلة من المعلومات من مصادر عديدة على شبكة الإنترنت ومن ثم يتم توصيف المعلومات تلك والربط فيما بينها وهذا ما يعرف باسم الـ "أنطولوجيا" (Ontology) أو "دلالات الويب" وذلك من أجل تعجيل إجراءات الاستجابة.

لا شك أن استخدامات تقنيات الذكاء الاصطناعي والروبوتات تحسن من الكفاءة والفاعلية في إدارة المخاطر بجميع مراحلها، ولكنها في الوقت ذاته تفتح المجال للتساؤل عن مدى الثقة في هذه التقنيات والاعتماد عليها والتأكد من صحة ودقة مخرجاتها وعدم انحيازها في التنبؤات التي تنتج عنها، ولذلك يركّز العالم اليوم على الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي وتقنياته المتنوعة.

إن جائحة فيروس كورونا ليست كارثة صحية فقط، ولكنها كارثة اجتماعية-اقتصادية لا تزال تداعياتها تؤثر بشكل كبير على حياة البشر، وتهدد اقتصادات العالم. ومع حالة عدم اليقين التي ترافق هذه الجائحة، فإنها تمثل الاختبار الأصعب لاستخدامات الذكاء الاصطناعي في الكوارث والأزمات. فقد شهدنا تطبيقات عديدة لتقنيات تعلم الآلة والتعلم العميق ومعالجة اللغات الطبيعية في التعامل مع وإدارة هذه الجائحة مثل:

  • تقييم المخاطر والحالة الصحية للمصابين وتشخيص المرض فيهم.
  • النمذجة وأبحاث الأوبئة لدراسة كيفية انتشارها.
  • المراقبة العامة لضمان التقيد بتطبيق الإجراءات الاحترازية.
  • تسريع اكتشاف وتصميم اللقاحات والأدوية.
  • الروبوتات في التوصيل والتواصل مع الجمهور والتعقيم.

ويتفاوت مستوى نجاح هذه التطبيقات، فقد رأينا استخداماً جيداً لها في مجال تقييم مخاطر انتشار الأوبئة والتنبؤ بظهورها. إذ برز نظام شركة "بلودوت" (BlueDot) لمراقبة الأمراض المعدية، وهو نظام يستخدم تقنية تعلم الآلة ومعالجة اللغات الطبيعية للبحث عن الشيء غير المألوف في الأخبار والتقارير الصحية ليتنبأ باحتمال ظهور بوادر لمرض ما، ومن ثم يقوم الخبراء المختصون بشكل يومي بمراجعة هذه التنبؤات للتأكد منها أو لإجراء المزيد من الأبحاث، واستطاع هذا النظام التنبؤ بظهور مرض "كوفيد-19" في مدينة ووهان الصينية، حيث أعطى النظام تحذيراً لمستخدميه بظهور حالات التهاب رئوي غير طبيعي في 31 ديسمبر/كانون الثاني عام 2019، أي قبل 9 أيام من إعلان "منظمة الصحة العالمية" للخبر الأول عن فيروس كورونا.

وقد استخدمت تقنيات الذكاء الاصطناعي في تصميم وتطوير اللقاحات لمرض "كوفيد-19″، ولكن إلى الآن لا يمكننا الحكم على مدى فاعلية اللقاحات التي طُوِّرت بهذه الطريقة; حيث إن نتائجها لم تُثبت بعد، وخلصت دراسة حديثة في هذا المجال إلى أنه ما زلنا في مرحلة مبكرة من استخدام تقنيات تعلم الآلة في تصميم اللقاحات، وأن نماذج تعلم الآلة في مجال المناعة بحاجة إلى بيانات كبيرة لتعطي الدقة والنتائج المطلوبة، ومع ذلك فإن هذا الأمر قد يختصر مدة تطوير اللقاحات من سنوات إلى أشهر معدودة، وفي مجال طرق تشخيص المرض، فقد استخدمت كوريا الجنوبية تقنيات الذكاء الاصطناعي في الكاميرات الحرارية في الأماكن العامة والتي تستطيع قراءة حرارة الجسم من على بعد ثلاثة أمتار، ما يساهم بشكل فاعل في التعرف على الأشخاص المحتمل إصابتهم بفيروس كورونا بشكل سريع. إضافة لاستخدامها أجهزة المسح السريعة والدقيقة (RT-PCR) والتي تعطي نتيجة الفحص في أقل من ساعتين. وقد لعبت هذه التقنيات دوراً هاماً في سرعة احتواء كوريا الجنوبية لهذه الجائحة، وقد استخدمت شركة "علي بابا" تقنية التعلم العميق لفحص الصور المقطعية لتشخيص الإصابة بمرض "كوفيد-19" في مستشفيات شانغهاي ومقاطعة هوبي، وبلغت دقتها 96% في وقت مقداره 20 ثانية، وعلى الرغم من النسب العالية تلك، لا تتوفر كمية كبيرة ومتنوعة من البيانات التي تكفي لتدريب نماذج تعلم الآلة لإعطاء نتائج موثوقة حتى الآن، وبالتالي ينصح الباحثون استخدام هذه التقنية كطريقة ثانوية وليست أساسية في تشخيص الإصابة بالفيروس.

كما شاهدنا توجهاً متزايداً خلال هذه الجائحة لاستخدام برامج المحادثة (الشات بوتس) للرد على استفسارات المستخدمين، مثل تطبيق "الدكتور الافتراضي لكوفيد-19 "الذي أطلقته "وزارة الصحة ووقاية المجتمع" في دولة الإمارات العربية المتحدة والذي يقيّم الأعراض المرضية لمستخدمي التطبيق، وإذا كانت تلك الأعراض مرتبطة بمرض "كوفيد-19" سيقوم التطبيق بتحويل مستخدمه إلى الطبيب المختص مباشرة لمتابعة التشخيص، ويعتبر الربط بين التقنية والإنسان بهذه الطريقة من أفضل الممارسات، حيث تستخدم التقنية في الحدود التي يمكن الاعتماد عليها ودور الإنسان يأتي عندما يتطلب الأمر التدخل البشري.

وعلى الرغم من هذه الاستخدامات الناجحة لتقنيات الذكاء الاصطناعي في التعامل مع جائحة فيروس كورونا، إلا أن دراسة مشتركة لـ "منظمة الأمم المتحدة" و"منظمة الصحة العالمية" خلصت إلى أن عدداً قليلاً من تطبيقات الذكاء الاصطناعي وصل لمرحلة كافية من النضج والموثوقية لمواجهة مثل هذه الأزمة، وأن الأبحاث العلمية التي نُشرت عن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي للتعامل مع الجائحة لم يتم التحقق منها علمياً إلى حد الآن، وهناك أيضاً بعض التحديات التي تحجب الثقة في هذه التقنيات، ولمعالجة هذه التحديات يتطلب الأمر تطوير إطار لاستخدام الذكاء الاصطناعي بمسؤولية مثل الإطار الذي طورته شركة "بي دبليو سي" (PwC) والذي يحاول بناء الثقة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي من خلال وضع تقييم للمخاطر، وطرق تلافيها كما يحتوي هذا الإطار على 5 أبعاد تعالج العديد من التحديات الأخرى مثل: "الحوكمة، والأخلاقيات والتشريعات، والقدرة على تفسير وشرح النموذج والنتائج، والحيادية من التحيز في البيانات أو النموذج المستخدم".

ومع أن المؤسسات لا تزال تسعى لتطبيق مثل هذا الإطار أو غيره من الإطارات التي تضمن استخدام الذكاء الاصطناعي بمسؤولية، إلا أن العديد منها لم يصل بعد لمرحلة النضج في تطبيق هذا الإطار، وبهذا الصدد فإن للحكومات دوراً جوهرياً في تعزيز التعاون والتشارك الدولي لوضع أُطر لحوكمة الذكاء الاصطناعي. وأشير هنا إلى المبادرة الجديدة التي أُسست في شهر يونيو/حزيران من هذا العام في "الشراكة الدولية للذكاء الاصطناعي" (GPAI) والتي تهدف إلى تطوير استخدام الذكاء الاصطناعي بمسؤولية واستخدامه في الاستجابة لجائحة فيروس"كوفيد-19″ ومعالجة التحديات الدولية الأخرى في هذا المجال، وتضم هذه المبادرة تحالفاً من عدة دول مثل الولايات المتحدة الأميركية، والمملكة المتحدة وكندا وبعض من دول الاتحاد الأوروبي وأستراليا ونيوزلندا واليابان وكوريا الجنوبية والهند والمكسيك.

لا شك أن تقنيات الذكاء الاصطناعي ستلعب دوراً كبيراً في المستقبل القريب، وستساعدنا في إدارة الأزمات والاستجابة لها، وإن جائحة "كوفيد-19" ستسرع من تطوير هذه التقنيات، ولكن علينا أن نعلم أنه ليست التقنية التي ستصنع الفرق، ولكن المعرفة والإبداع الإنساني الذي يستخدم هذه الأداة ويضعها في إبتكارات خلاقة هو الفيصل في ذلك الأمر. ويبقى السؤال متى سيكون ذلك؟ أعتقد أننا في بداية الطريق وقطعنا شوطاً جيداً والمستقبل واعد ويبشر بخير.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!