كيف يغير الذكاء الاصطناعي طريقة تعلمنا في العمل؟

5 دقيقة
طرق تعلم الموظفين
فريق عمل هارفارد بزنس ريفيو/ماليراباسو/غيتي إميدجيز

يشهد عالم العمل تحولات جذرية متسارعة بفعل الذكاء الاصطناعي الذي لا يغير طبيعة المهام فحسب، بل يعيد أيضاً تشكيل طرق تعلم الموظفين وتطوير خبراتهم وتشكيل هوياتهم المهنية.

  • على الرغم من أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يعد بتسريع التعلم وتعزيز الإنتاجية، فقد يقوض في المقابل التج…

خلال ورشة عمل حديثة، قال لي أحد كبار المسؤولين التنفيذيين: "لا أحد منا يعرف كيف سيتعلم الناس في هذا العصر الجديد".

يتردد هذا الرأي في مختلف القطاعات؛ إذ يدرك القادة أن الذكاء الاصطناعي يحدث تحولات جذرية في طبيعة المهام وسير العمل، لكنهم غير متيقنين من التغيير الذي سيوقعه على آليات تطور الأفراد، أي طرق اكتساب الخبرة وتنمية التعاطف، وتشكيل هوياتهم في العمل.

في مجال التعلم والتطور البشري، باتت وتيرة التغير التكنولوجي اليوم أعلى من قدرتنا على استيعابه وفهم تبعاته فهماً كاملاً. وفي مثل هذه اللحظات، يصعب الوصول إلى اليقين. لكن بالإمكان عقد محادثات تطرح فيها فرق القيادة أسئلة صعبة ويستمع فيها بعضها إلى بعض بانفتاح؛ أطلق على هذه المحادثات اسم "محادثات بناء المعنى".

ومن خلال عملي الاستشاري والتعليمي في الفترة الأخيرة، طورت 4 "محفزات فكرية" لدعم هذه المحادثات، وأرى أن على القادة طرحها ومناقشتها؛ فهي لا تقدم إجابات جاهزة، بل أسئلة موجهة تساعد القادة على استكشاف التغيير الذي يحدثه الذكاء الاصطناعي في ظروف التعلم والنمو البشري داخل مؤسساتهم.

ماذا يحدث عندما تختفي مسارات الإتقان بسبب الذكاء الاصطناعي؟

أبدأ بدعوة المسؤولين التنفيذيين إلى وصف مساراتهم الشخصية نحو الإتقان؛ وبقدر من الصراحة التي قد تكون قاسية أحياناً، يتحدثون عن ساعات لا تحصى من التدريب والممارسة والرؤى الثاقبة والدروس التي استخلصوها من الفشل، وعن موجهين قدموا لهم ملاحظات بناءة. يمثل ذلك كله تعلماً قائماً على التجربة، أسهم في تشكيل خبراتهم ومرونتهم وقدرتهم على التمييز، فضلاً عن تشكيل هوياتهم المهنية.

بعد ذلك، نتساءل عن الجوانب التي تختفي عندما يؤدي الذكاء الاصطناعي هذا العمل في مراحله الأولى. ويبرز نمط يتكرر على نحو متزايد، يتمثل في تنامي القلق من قدرة "اختصارات" الذكاء الاصطناعي على زعزعة هذه المسارات الطبيعية للإتقان وتجاوزها الصعوبات المطلوبة التي تصنع الخبرة. قال لي أحد كبار المصرفيين: "إذا لم يواجه محللونا الشبان صعوبات قط، ولم يعملوا ساعات طويلة مثلما عملنا نحن، فهل سيتعلمون التفكير حقاً؟". ويخشى كثيرون أن تكون التجارب نفسها التي شكلت مساراتهم المهنية، أي التدريب المتكرر والتعرض للإحباط وصقل المهارات، مهددة بالاستبعاد المتعمد من التجربة المهنية؛ فإذا صار الذكاء الاصطناعي هو الذي يصوغ مذكرة استراتيجية أو يحلل البيانات أو يولد أول 20 فكرة، فماذا سيحدث للعملية البطيئة الشاقة من التكرار والتعلم التي شكلت مسار الإتقان في السابق؟

وتبدأ الآثار التطويرية بالظهور؛ فلا شك في أن الذكاء الاصطناعي سيسرع التعلم، لكن التعلم المتسارع يختلف عن التطور. فالتسريع يزيد المخرجات، أما التطور فيغير الهوية؛ وهذان أمران مختلفان لا يصح الخلط بينهما.

في مثل هذه المحادثات، ينبغي أن ينصب الهدف على مناقشة كيفية الحفاظ على مسار التطور البشري في صلب التعلم المؤسسي، بدلاً من السماح للذكاء الاصطناعي بالاستحواذ على التجارب التي تصنع الإتقان. فهل سنحافظ على تلك التجارب، أم سنقع أسرى لطغيان الإنتاجية؟

هل نفقد الهدوء؟

هنا أطلب من المسؤولين التنفيذيين أن يستحضروا الدروس المستفادة من العمل خلال جائحة كوفيد-19، حين تبنت فرقهم ما يمكن تسميته بـ "تكنولوجيات الجائحة"، مثل زووم وتيمز ومنصات التعاون الرقمي؛ فيحدثونني عن أثر هذه التكنولوجيات في تمكين الأفراد من مواصلة العمل في ظل ظروف استثنائية، لكنهم يتوقفون أيضاً عند تبعاتها غير المقصودة؛ إذ ارتفع عدد الاجتماعات بنسبة 50%، وازدادت أعباء العمل، وتقلص الوقت المخصص للعمل العميق والمركز بدرجة ملحوظة. وما بدأ حلاً تكنولوجياً ضرورياً سرعان ما تحول إلى حالة من عبء العمل الزائد. كما أن سهولة جمع الموظفين وعقد الاجتماعات خلقت نشاطاً أكبر، لكن ليس بالضرورة تفكيراً أفضل، فتقلصت معه مساحة التأمل والعمل العميق.

ومع ظهور الذكاء الاصطناعي، نخاطر بتكرار هذا النمط على نطاق أوسع؛ إذا كانت تكنولوجيات الجائحة قد وسعت حجم الاجتماعات، فالذكاء الاصطناعي يزيد حجم المحتوى ويتيح إنتاج المزيد من العروض التقديمية والتقارير والمسودات بأقل قدر من الجهد أو الكلفة الذهنية. وقد بدأ المسؤولون التنفيذيون يرصدون بوادر مبكرة لهذه الظاهرة؛ إذ تتنامى العروض التقديمية والوثائق الملخصة التي ينتجها الذكاء الاصطناعي، وغالباً بوتيرة أسرع من قدرة الفرق على تفسيرها أو تحديد أولوياتها. ومثلما قال لي أحدهم: "ننتج أكثر لكننا نفكر أقل".

كان من المتوقع أن تؤدي أتمتة العمل المعرفي إلى ترك مساحة للعمل التأملي والإبداعي، لكن الواقع الذي يتشكل الآن يشير إلى أن هذا التضخم في المحتوى لا يؤدي سوى إلى خلق ضجيج يزاحم المقومات الأساسية للتعلم: الهدوء، والتأمل، والمساحة اللازمة للتفكير العميق. ويشير المسؤولون التنفيذيون على نحو متزايد إلى أن أيام عملهم باتت تغص بمحتوى يولده الذكاء الاصطناعي، مع تضاؤل الوقت المتاح لتفسير هذا المحتوى أو دمجه أو التحقق من صحته.

في مثل هذه المحادثات، يتمثل التحدي في تدفق سلس للمحتوى يطغى على الانتباه ويحجب الرؤية الدقيقة. فالذكاء الاصطناعي يسهل الكثير من الأمور، لكنه في الوقت نفسه قد يضعف التعلم ويزيد الضجيج. ولذلك لم يعد السؤال: "هل يستطيع الذكاء الاصطناعي فعل ذلك؟"، بل أصبح: "هل يضيف القيمة؟".

هل تتبلد إنسانيتنا؟

كثيراً ما يخبرني المسؤولون التنفيذيون أن القدرات التي يثمنونها أكثر من غيرها لدى موظفيهم هي أكثر القدرات التي يصعب تطويرها: القدرة على التمييز والحدس والاستدلال الأخلاقي، والأهم من ذلك كله التعاطف. وقد ثبت أن التعاطف قدرة يمكن بناؤها على نحو منهجي عبر التعرض المتكرر لتعقيدات المشاعر ودرجاتها، وعبر المحادثات والعمل الإنساني المباشر الذي يتطلب التعامل مع التوتر والغموض في العلاقات.

يبدأ الذكاء الاصطناعي بتغيير هذه الظروف التطويرية؛ إذ يرى القادة أن الذكاء الاصطناعي بات قادراً بالفعل على محاكاة جوانب من التعاطف المعرفي ("أستطيع أن أرصد ما تشعر به")، وعلى الاقتراب من التعاطف الوجداني ("أستطيع أن أحاكي مشاعرك"). غير أن البعد السلوكي، أي أن يهتم المرء بالقدر الكافي للعمل بناء على هذا التعاطف، لا يزال بعداً إنسانياً خالصاً، والأهم من ذلك أنه يكتسب بالتعلم.

وما أسمعه غالباً من المسؤولين التنفيذيين ليس خوفهم من أن يحل الذكاء الاصطناعي محل التعاطف، بل خوفهم من أن يحل محل السياقات التي يتطور فيها التعاطف؛ فالتعاطف ينمو بالممارسة: قراءة الإشارات الدقيقة، وإدارة الخلافات، وخوض المحادثات الصعبة، ودعم زميل تحت الضغط، وإظهار قدر من الضعف الإنساني داخل الفرق. هذه هي نقاط الاحتكاك التي تختبر القدرة العاطفية وتقويها، ومثلما قال لي أحدهم: "إذا تولى الذكاء الاصطناعي المحادثات الصعبة، فكيف سيتعلم الإنسان خوضها؟"، وقال آخر متأملاً: "مدرائي يتركون للأداة تفسير نبرة الحديث قبل أن يحاولوا فهمها بأنفسهم".

وعندما يتوسط الذكاء الاصطناعي عملية التفاعل الإنساني، فإنه يقلل التعرض للتجارب التي تنمي التعاطف. فسهولة الاستخدام التي توفرها التكنولوجيا تسلبنا التعرض والاحتكاك والتفاعل، أي الظروف نفسها التي تتشكل عبرها ملكات التعاطف والتمييز والقدرة على بناء العلاقات.

ولذلك يتمثل التحدي في مثل هذه المحادثات بتحديد تلك الظروف وحمايتها وتصميمها بوعي وفعالية. والسؤال الذي ينبغي طرحه هو: عند تبني الذكاء الاصطناعي، هل نحرم أنفسنا دون قصد من تجارب التعلم ذاتها التي تصنع التعاطف؟

هل نقوض الاختيار والهوية؟

مع تزايد تغلغل الذكاء الاصطناعي في سير العمل المؤسسي، بدءاً من توزيع المهام وصولاً إلى أنظمة التوصية، فهو لا يعيد تشكيل كيفية إنجاز العمل فحسب، بل يعيد كذلك تشكيل طرق تعلم الأفراد واتخاذهم القرارات. فثمة أدوات جديدة كثيرة مدعومة بالذكاء الاصطناعي توجه السلوك في اتجاهات معينة وتقترح الخطوات التالية أو تؤتمت القرارات. غير أنها، في المقابل، تنتزع من الأفراد قدرتهم على التأمل والاختيار وتحمل مسؤولية قراراتهم. بعبارة أخرى، يواجه الموظفون خطر فقدان فعاليتهم الذاتية، أي قدرتهم على الاختيار وتحمل تبعاته، وهي المحرك الأساسي للنمو والتطور الإنساني.

ويدرك المسؤولون التنفيذيون ذلك؛ ففي ورش العمل، يصفون مسارات التطور التي تبدو موجهة على نحو متزايد، مع تقلص المواقف التي تتطلب قدرة مستقلة على التمييز. ويصب قلقهم في جوهر التطور البشري: ماذا يحدث للاختيار الشخصي والفعالية الذاتية والهوية عندما تضعف عادة صياغة الفرد لمساره بنفسه؟ وقد سألني أحد المسؤولين التنفيذيين مؤخراً: "إذا كان النظام يعرف دائماً الخطوة التالية، فمتى يتعلم أفراد فريقي أن يحددوا خطواتهم بأنفسهم؟".

ولذلك يتمثل التحدي في هذه المحادثات بتصميم أنظمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي تحافظ على مساحة للاختيار البشري. ويتطلب ذلك الإبقاء عمداً على مواقف للتأمل واتخاذ القرار والاستكشاف. وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الجوهري: هل سنسلم فعاليتنا الذاتية للآلات، أم سنصمم أنظمتنا بما يضمن أن يظل الإنسان هو من يصوغ مساره بنفسه؟

سيؤدي الذكاء الاصطناعي إلى إحداث تحولات جذرية في العمل؛ لا شك في ذلك، لكن بمقدور الإنسان، بل عليه، أن يحدد إذا ما كان الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى إحداث تحولات جذرية في التعلم أيضاً. ولهذا تكتسب المحفزات الفكرية ومحادثات بناء المعنى التي تناولتها في هذا المقال أهمية بالغة. فنحن لا نعرف ما يخبئه لنا المستقبل، لكن الوقت قد حان لنفكر بجدية فيما نريده. والأهم من ذلك كله أن الوقت قد حان لطرح السؤال التالي: في عصر الآلات الذكية، كيف نضمن أن يواصل الإنسان تطوره ليصبح في أفضل حالاته من حيث الكفاءة والقدرة؟

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2025.

المحتوى محمي