عندما نفكر في الاختراقات التكنولوجية التي حدثت في مجال الرعاية الصحية، غالباً ما نستحضر صور التدخلات الطبية البطولية - مثل أول عملية زرع أعضاء والجراحة الروبوتية، وما إلى ذلك. لكن في الواقع، تحققت بعض الطفرات في صحة الإنسان بسبب تدخلات أكثر واقعية – كالتخلص الآمن من الفضلات البشرية من خلال مياه المجاري والصرف الصحي على سبيل المثال، أو غسل اليدين أثناء الولادة أو أثناء عمليات الولادة القيصرية. لدينا فرصة مماثلة الآن في الطب من خلال تطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، إذ نتجت توقعات هائلة عن المشاريع الطموحة للقيام بأمور تتعلق بعلاج مرضى السرطان أو مساعدة المرضى المصابين بالشلل على المشي من خلال الذكاء الاصطناعي. لكن الفرصة الأعظم للذكاء الاصطناعي على المدى القريب لن تأتي من الإنجازات المذهلة التي تتصدر عناوين الصحف، بل من خلال استخدام الحواسيب والخوارزميات للعمل بأقصى جهد ممكن. تُعد الأعمال الورقية الزائدة والبيروقراطية بمثابة "مياه المجاري" في الطب الحديث. إنّ النفقات المهدرة في مجال الرعاية الصحية والتي تُقدر بـ14 في المئة من إجمالي النفقات (ما يعادل 91 مليار دولار أميركي) ما هي إلا نتيجة للإدارة غير الفعالة. دعونا نكلف الذكاء الاصطناعي بمهمة تنظيف هذا الوحل الإداري غير المحبب قطعاً، فالإدارة غير الفعالة تمثل عائقاً في مؤسساتنا الطبية وتمتص قيمة اقتصادنا، وتصيب الأطباء حرفياً بالإجهاد والتوتر. إليكم مثالاً واحداً فقط على هذه الفرصة المباشرة: ما زال هناك نحو 120 مليون جهاز فاكس يُستخدم في تنفيذ أعمال أكثر من 100 ألف مزود خدمة في شبكة شركة أثينا هيلث (athenahealth)، شركة تكنولوجيا الرعاية الصحية التي أعمل مديراً تنفيذياً لها. نعم إنها أجهزة الفاكس. هل تتذكرونها؟ في مجال الرعاية الصحية، تظل رسائل الفاكس هي الطريقة الأكثر شيوعاً التي يستخدمها الأطباء الممارسون للتواصل مع بعضهم البعض؛ وبالتالي غالباً ما تحتوي على معلومات سريرية مهمة مثل: نتائج المختبرات، وملاحظات الاستشارات المتخصصة، والوصفات الطبية، وما إلى ذلك. ونظراً لأن معظم أرقام الفاكس الخاصة بمؤسسات الرعاية الصحية متداولة بين العامة، يتلقى الأطباء أيضاً أعداداً كبيرة من الرسائل التي تحتوي على قوائم الوجبات السريعة وعروض السفر وغيرها من الرسائل غير المرغوب فيها. إذ لا تحتوي رسائل الفاكس على أي نصوص منظمة؛ ولذلك يستغرق طاقم العمل الطبي متوسط دقيقتين و36 ثانية لمراجعة كل الوثائق وإدخال بيانات ذات الصلة في سجلات المرضى. ومن خلال مزيج من تقنيات التعلم الآلي و الاستعانة بمصادر خارجية للعمليات التجارية التي استُخدمت في تصنيف رسائل الفاكس آلياً، نجحنا في تقليل متوسط الوقت المستغرق في مراجعة كل رسالة فاكس إلى دقيقة و11 ثانية. ونتيجة ذلك، نجحنا خلال العام الماضي فقط في تقليل أكثر من 3 مليون ساعة من العمل في نظام الرعاية الصحية. وتلك مجرد البداية فقط لفريقنا المتخصص في الذكاء الاصطناعي. وفي العام المقبل، نأمل في تقليل الوقت الذي يستغرقه استخراج البيانات من رسائل الفاكس وإدخالها في سجل المريض إلى 30 ثانية. ونطوّر برمجيات يمكنها فحص نتائج المختبرات والإشارة إلى النتائج العاجلة لينتبه لها الأشخاص، بالإضافة إلى خوارزمية يمكنها المساعدة تلقائياً في وضع برنامج متابعات روتينية للمرضى ذوي الحالات الحرجة. لا تعود قراءة رسائل الفاكس ووضع جدول للمواعيد بالنفع على صحة المرضى، لكن هناك مجموعة أسباب وراء أهمية هذا النوع من العمل. أولها، نحن في خضمّ أزمة إرهاق تضرب الأطباء الأميركيين. إنهم يعانون من الأعباء الإدارية ويشعرون بأنهم يصبحون موظفين يخضعون للروتين بدلاً من كونهم أطباء. يشعر المرضى أيضاً بالضيق بسبب الأعمال البطيئة المطلوبة لمتابعة الإحالات وضمان وصول المعلومات السريرية الأساسية إليهم من خلال النظام الصحي. ويمثل تطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي في العمل الذي لا يطيقه الأطباء طريق الخلاص لصناعة تكنولوجيا المعلومات الصحية. وبالنسبة للعديد من الأطباء، أصبحت التكنولوجيا التي كانت ناجحة في ما سبق (مثل السجلات الصحية الإلكترونية) جزءاً من المشكلة، وأضافت إلى هذا العبء والإرهاق بدلاً من تخفيفهما. نحتاج إلى إعادة بناء الثقة في ما تعد به التكنولوجيا من توفير وقت مزودي الخدمات الصحية وتحسين تقديم الرعاية الصحية. هل ستسبب الخوارزميات وتقنيات الذكاء الاصطناعي توترات جديدة وغير متوقعة للأطباء في المستقبل؟ ربما. تعد تلك مخاطرة دائماً مع أي تقنية جديدة. لكن من واقع خبرتي، لا يخشى معظم الأطباء من الأتمتة، إنما يخشون من فقدان الاستقلالية؛ فاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتخفيف الأعمال المملة سيسمح لهم بالتركيز مرة أخرى على أكثر ما يحبونه وأين يحققون القيمة الأكبر: مقابلة المريض. أخيراً، إنّ تركيز الذكاء الاصطناعي على الهدف المتمثل في القضاء على الأعمال المملة والمزعجة بالطب الحديث قد يضع حجر الأساس لعلاج مرضى السرطان يوماً ما (وابتكارات الذكاء الاصطناعي المذهلة الأخرى). ووجد تقرير أخير لمجموعة جيسون (JASON) (وهي مجموعة نخبوية من العلماء تقدم الاستشارات للحكومة الأميركية في شؤون العلوم والتكنولوجيا) أنّ ضعف إدارة البيانات يظل عقبة رئيسية تواجه التطبيق السريري لتقنيات الذكاء الاصطناعي. ما زال هناك عمل كبير يجب القيام به لتحسين البيانات التي يعتمد عليها مستقبل الذكاء الاصطناعي، إذ نحتاج إلى إخراج البيانات من مخازنها، وبالتالي يمكن الوصول إليها والاستعلام عنها وتحليلها بسهولة. إنّ استخدام الذكاء الاصطناعي لتحديد وتصنيف ونشر المعلومات بشكل صحيح سيضع حجر الأساسي لتحقيق تحليلات هائلة في المستقبل. ما زال معظم المدراء في مجال الرعاية الصحية غير متأكدين من استراتيجية الذكاء الاصطناعي الخاصة بهم. إنهم يشعرون أنّ الذكاء الاصطناعي سوف يغير قواعد اللعبة، ولكنهم ليسوا متأكدين من كيفية حدوث ذلك. أحب أن يكون لدى مجال الرعاية الصحية طموحات بطولية لتكنولوجيا جديدة واعدة، حتى بعد سنوات من صيحات التكنولوجيا الفائقة المخيبة للآمال. لكن في الوقت الذي نحقق فيه تقدماً تقنياً هائلاً، دعونا ننظف الوحل الإداري الذي يعيقنا عن التقدم في الوقت الحالي؛ لنطلق العنان لإمكانياتنا في تطوير مجال الرعاية الصحية.

متابعة القراءة

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!