وفقاً لشركة كونستيلاشن ريسرتش (Constellation Research)، من المتوقع أنّ الشركات عبر كافة القطاعات المختلفة ستنفق أكثر من 100 مليار دولار سنوياً على تقنيات الذكاء الاصطناعي بحلول العام 2025، وذلك بعد ما يقرب من 2 مليار دولار المسجلة في العام 2015. وبطبيعة الحال، لن يكون قطاع التسويق استثناء في هذا. يَعد الذكاء الاصطناعي بالكثير في ما يخص جعل التسويق أكثر ذكاء وفعالية وأكثر ملاءمة للمستهلك، وأخيراً: أكثر تأثيراً. لكن إن كنا أكثر دقة، فمن المرجح أن يتحول الذكاء الاصطناعي من ميزة "من المستحسن الحصول عليها" إلى ميزة "لا بدّ من الحصول عليها". يعتبر الذكاء الاصطناعي ببساطة أداة ضرورية لجعل مختلف أنواع البيانات مفهومة ومنطقية في سياقها (سواء أكانت هذه البيانات مرتبة أو غير مرتبة)، والتي تُجمع من نقاط البيع الرقمية التي أصبحت منتشرة لحد غير مسبوق، وذلك بغية استخراج رؤى تجارية قابلة للتنفيذ بسرعة لا يمكن للإنسان أن يصل إليها، كل ذلك لتقديم خدمة عملاء مخصصة، حيث أصبح التخصيص من ضروريات التجارة في الوقت الحالي. ومن المثير للاهتمام، في العديد من الحالات، أنّ تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي قد تقدم بالفعل بشكل أكبر وأسرع من قدرة معظم جهات التسويق على الاستفادة منها بشكل فعلي. من ناحية، هناك التحديات التقنية المتعلقة بجمع وترتيب مدخلات البيانات (جعل أنواع مختلفة من البيانات قابلة للمقارنة) ودمجها في رؤية موحدة للمستهلك ومن ثم تحويل القرارات المستندة إلى الذكاء الاصطناعي إلى إجراءات تنجز في العالم الواقعي. ومن ناحية أخرى، هناك أيضاً القرارات الفلسفية والأخلاقية، أو على الأقل قرارات السياسة العامة للجهة المسوقة بشأن تبادل القيمة الاقتصادية بين المسوّقين والمستهلكين عند مشاركة البيانات واستخدامها لتحسين التجارب التسويقية. إلا أنّ الخبر السار هنا يتمثل في أننا نشهد في قطاع التسويق تقدماً ملموساً في كلتا الناحيتين. وبهذا الصدد، هناك خطوات يمكن أن تتخذها الشركات التي تسعى إلى مواكبة الابتكار والاستفادة من الذكاء الاصطناعي. لكن قبل ذلك، هل هناك أمثلة عن الكيفية التي ساهم من خلالها الذكاء الاصطناعي في جعل عملية التسويق أكثر فعالية؟ استخدام الذكاء الاصطناعي في التسويق يقوم المسوقون الأذكياء بالتطوير والمشاركة في بناء أو دمج الذكاء الاصطناعي في ترسانتهم التقنية للحصول على أفضل ما يمكن الحصول عليه في أعمالهم. وفي هذا السياق، نجد أنّ الذكاء الاصطناعي يستخدم بالفعل في الإعلانات المستهدفة وتقسيم الزبائن إلى فئات، إلا أنّ هناك الكثير من الإمكانيات الأخرى غير المستغلة بشكل كافٍ مثل: الشات بوت (chatbots) المستندة إلى الذكاء الاصطناعي، والتي تستخدم جميع بيانات المستهلك للإجابة عن أسئلته وتقديم المشورة للمستهلكين الذين يفكرون في شراء أحد المنتجات. لنأخذ الشات بوت الموجود على منصة كيك والذي يدعى سيفورا (Sephora’s Kik bot) على سبيل المثال، يلقي هذا الشات بوت أسئلة متعددة على المستخدمات في ما يتعلق بتفضيلات المكياج التي تردهنّ ومن ثم تقدم لهنّ معلومات معينة عن المنتج المطلوب. من ناحية أخرى، يتيح بحث الصور الذي يدعمه الذكاء الاصطناعي للمستخدمين أن يرفعوا صور المنتجات المهمتين بها لإيجاد منتجات أخرى مشابهة يريدون شرائها. وفي هذا السياق نجد شركات مثل كام فايند (CamFind ) لديها تطبيق يتيح لك التقاط صورة لشيء ما في العالم الواقعي ومن ثم الحصول على المعلومات المتعلقة به. لنقل مثلاً أنك رأيت ملصقاً إعلانياً لأحد الأفلام التي تود مشاهدتها. يكفي أن تلتقط له صورة، ليعرض لك تطبيق كام فايند معلومات الفيلم وأوقات وأماكن عرضه وتوصيات الأفلام المشابهة. لنأخذ مثالاً آخر، يمكن لروتين التدريب المخصص ومعلومات التغذية أن تُنشئ بناء على البيانات التي قدمها مستهلكون آخرون لديهم نفس نمط الحياة. وبهذا الصدد، تستفيد شركة آندر آرمور (UnderArmour) من الذكاء الاصطناعي واتسون التابع لشركة إيه بي أم لإنشاء "مستشار صحي شخصي" يمكن أن يزود المستخدمين في الوقت المناسب وبشكل موثوق باستشارات في ما يخص النوم واللياقة البدنية والنشاط والتغذية. من جهة أخرى، يستخدم الإعلان المحسّن الذكاء الاصطناعي لاتخاذ قرارات بناء على البيانات المتوفرة له - بما في ذلك البيانات غير المرتبة مثل مشاعر ومزاج العميل. ولنأخذ شركة إيه بي أم كشركة تسويق هذه المرة، التي تعاونت مع شركة ميديا ماث (MediaMath)، (حيث أعمل بصفة كبير مسؤولي التسويق والرئيس التنفيذي للاستراتيجية هناك)، لتفعيل التسويق البرمجي المبني فعلاً على الذكاء الاصطناعي باستخدام موجه الأوامر المعرفي الخاص بواتسون، لاستخراج إشارات توقعية من تدفق كميات ضخمة من البيانات. كيف نجعل الذكاء الاصطناعي حيز التنفيذ؟ في وقتنا الحالي، هناك ثلاثة مجالات رئيسية يمكنك التفكير بها لمساعدتك للشروع في الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في قطاع التسويق وهي: تعزيز سياسات بيانات المستخدم في مؤسستك، تحويل بياناتك إلى رؤى تجارية قابلة للتنفيذ، واختيار شركة الذكاء الاصطناعي المناسبة.  والآن دعنا ننظر لكل مجال على حدة بمزيد من التفصيل: تعزيز سياسات بيانات المستخدم في مؤسستك: قبل أن تشرع في دمج الذكاء الاصطناعي في شركتك، من الضروري أن تتحقق من سياسات شركتك في ما يخص تعاملها مع بيانات المستخدمين، بما في ذلك شفافية الجمع والاستخدام والتحكم في البيانات. لا بدّ أن تتأكد من أنّ سياسات شركتك متوافقة مع القانون الجديد للاتحاد الأوروبي لحماية البيانات العامة. وفي هذا السياق، ينبغي على المستخدمين الذين يتفاعلون مع منتجاتك عبر مختلف الأجهزة المتصلة - من متصفحات الويب إلى الهواتف المحمولة إلى المساعدات الصوتية- أن يعرفوا أنّ بياناتهم الشخصية تستخدم بطرق نزيهة وبما يتوافق مع تفضيلاتهم وتوقعاتهم، التي وافقوا عليها على وعي وبوضوح قبل رغبتهم في استخدام منتجات شركتك. حوّل بياناتك إلى رؤى تجارية قابلة للتنفيذ: هناك ثلاثة محاور في هذا المجال لا بدّ من التفكير فيها وهي: المُعرّف المشترك: مع الزيادة الكبيرة للأجهزة المتصلة، أصبحت الهوية الرقمية في أيامنا هذه مشتتة جداً، ما يؤدي إلى تجارب مربكة ومحيرة، على سبيل المثال، يمكن أن تقدم صالة رياضية عرضاً جديداً رائعاً للعضوية، لشخص هو بالفعل مشترك لديهم! لتجنب ذلك، تتمثل الخطوة الأولى في إنشاء مُعرّف مشترك، يكون في العادة سلسلة من الأرقام والحروف، بحيث يظل ثابتاً عبر مختلف نقاط اتصال المستخدم بالشركة، وإنشاء قاعدة بيانات تسهم في إنشاء صورة موحدة عن المستخدم. وفي هذا السياق، نجد أنّ بعض الحلول التقنية الناشئة مثل تلك التي تقدمها شركة ديجي ترست (DigiTrust)، أداة مفيدة للمسوقين لضم مختلف نقاط الاتصال معاً بطريقة آمنة ومحترمة وقابلة للتوسع. جمع البيانات: يساعدك الذكاء الاصطناعي على جعل كافة البيانات التي جمعتها منطقية وفي سياقها المفهوم، كما يساعدك على استخراج رؤى تجارية وتحليلات مفيدة منها، لكن قبل ذلك لا بدّ عليك من جمع البيانات أولاً وترتيبها قبل أن يتاح لك ذلك. للقيام بذلك، اختر منصة إدارة بيانات (تعرف اختصاراً بـDMP)، توفر حلول توحيد الهوية التي ذكرناها آنفاً وتستطيع في ذات الوقت التعامل مع البيانات الواردة من مجموعة متنوعة جداً من المصادر، هكذا تستطيع جمع وترتيب وإدارة بياناتك في مكان واحد، ومن ثم تجزئتها إلى فئات مختلفة من شرائح العملاء وتفعيلها قبل أن تطلق حملاتك التسويقية في الوقت الحقيقي. بيانات النقاط الطرفية: تتقاطع أفضل تجارب العملاء مع نقاط الاتصال، سواء أكانت هذه النقاط "مدفوعة" (مثل الإعلانات الرقمية والتلفزيونية الإلكترونية والصوتية الرقمية) أو "تملكها" (مثل متاجرك الإلكترونية ومواقعك ومراكز الاتصال خاصتك) أو "المكتسبة" (مثل شبكتك من العلاقات العامة، ومقالاتك على المدونة، وحساباتك في قنوات التواصل الاجتماعي). ومع أنه لا يوجد الآن إلا عدد قليل من المنصات التي تتيح لك إطلاق حملاتك التسويقية عبر كافة نقاط الاتصال، إلا أنّ التقنية المستندة إلى السحاب مثل تقنية يونيفرسال بزنس إكسشينج (Universal Business Exchange) التابعة لشركة إيه بي أم يمكنها أن تستخدم المعرّف الموحد والبيانات المجموعة لإطلاق حملات تسويق مستمرة عبر مختلف المنصات والأدوات. اختيار شركة الذكاء الاصطناعي المناسبة: تصبح شركتك جاهزة لاستخدام الذكاء الاصطناعي لاتخاذ أفضل ما يمكن من القرارات وتحسين أداء عملك التجاري بالفعل عندما توفر السياسات الممتثلة لقوانين الشفافية والوضوح والقنوات المناسبة التي ستعلن فيها، وقواعد البيانات التي تملكها. ولكي تحصل على أفضل النتائج، في أسرع وقت وتكسب عائداً حقيقياً على استثمارك، تأكد من اختيارك للشركة المناسبة المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، وليس مجرد أدوات تتخذ القرارات بناء على قواعد تدرجها فيها، لأنه من المستحيل توسيعها لتشمل الكميات الكبيرة من البيانات والتفاعلات التي يتعامل معها المسوقون في أيامنا هذه. وبالإضافة إلى ذلك، تأكد من اختيارك لشركاء ذوي تجربة حقيقية في توفير ما تحتاجه بالضبط في عملك التجاري ولديهم خبرة في العمل مع الشركاء التقنيين الذين تستخدم منتجاتهم. وأخيراً، كما هو الحال في علاقات المورد-المستهلك الأخرى، تأكد من امتثال شركة الذكاء الاصطناعي التي اخترتها للقواعد الأخلاقية والفلسفية لاستخدام التقنية، بما أنّ هذه التقنيات الناشئة لا زالت في حاجة إلى حدود وقوانين معينة لتوفير نتائج فعالة بطريقة مسؤولة وأخلاقية. لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد موجة تقنية صاعدة، أو موضة، بل أصبح ميزة "لا بدّ منها"، تستطيع الآن أن تدمجها في عملك التجاري في قطاع التسويق بالطريقة التي ذكرناها أعلاه.

متابعة القراءة

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!