تابعنا على لينكد إن

لا شك في أنّ عالمنا يواجه تحديات معقدة، من ارتفاع درجة حرارة الكرة الأرضية والانتفاضات العنيفة إلى عدم الاستقرار السياسي وتفشي الأمراض. ودفعت أعداد هذه الأزمات التي تظهر حالياً – والمترافقة مع استمرار حالة عدم اليقين الاقتصادي – العديد من القادة إلى إبداء أسفهم جرّاء تصاعد العنف، وعدم اليقين، والتعقيد، والغموض السائد في العالم. وبالتالي، يبدو أنّ القدرة على التكيف مع الأزمات والخروج منها بأقل الخسائر هي موردنا الوحيد.

ولكن ماذا لو كان بالإمكان التنبؤ بهذه الأحداث التي تزعزع الاستقرار قبل حصولها بوقت كاف؟ ما هي الإجراءات التي يمكن للقادة أن يتخذوها في ما لو كان التقاط علامات الإنذار المبكر أسهل؟ نعم، في هذا العقد وحده، وصلنا أخيراً إلى المقدار الحاسم من البيانات والقدرات الحاسوبية المطلوبة لصياغة مثل هذه الأدوات.

يقول فيكتور هوغو في روايته “الرجل الذي يضحك”: “ما هو التاريخ؟ إنه ليس سوى صدى الماضي في المستقبل”. وعلى الرغم من أنّ الأحداث المستقبلية لديها ظروفها الفريدة والخاصة بها، إلا أنها عادة تتبع الأنماط المألوفة للماضي. لكن التقدم في مجالات الحواسب، وتخزين البيانات، والخوارزميات الحاسوبية العلمية للبيانات يسمح لنا برؤية هذه الأنماط.

يقوم أحد الأنظمة الذي قضت أعمال تطويره خلال السنوات السبع الماضية، بتجميع المعطيات التاريخية الرقمية ذات الحجم الكبير، والموسوعات، وبيانات وسائل التواصل الاجتماعي الآنية والسلوك الإنساني على شبكة الإنترنت من أجل حساب تقديرات آنية لاحتمالات حصول أحداث مستقبلية. وبصورة أساسية، يجمع هذا النظام 150 عاماً من مقالات جريدة نيويورك تايمز، وموسوعة ويكيبيديا بأكملها، وملايين عمليات البحث على شبكة الإنترنت ومواقع الإنترنت من أجل وضع نموذج لاحتمال حدوث محصلات واردة الحصول على خلفية سياق من الظروف المحددة. فالخوارزمية تعمم سلسلة متعاقبة من الأحداث التاريخية المستخرجة من مجموعات البيانات الهائلة تلك، وتحاول تلقائياً تجريب كل الثنائيات الممكنة من الأسباب والنتائج، والعثور على ارتباطات إحصائية.

على سبيل المثال، قمنا مؤخراً بتطوير خوارزميات تنبأت بأول تفشي لمرض الكوليرا خلال 130 عاماً. ووجد النمط الذي استنتجه نظامنا أنّ احتمال تفشي حالات الكوليرا في المناطق الجغرافية غير المطلة على البحر أو المحيط أرجح بعد العواصف، ولاسيما عندما تسبقها من قبل حالة جفاف طويلة تصل إلى عامين. وهذا النمط لا يحصل إلا في الدول ذات الناتج المحلي الإجمالي المنخفض والتي تركّز فيها منخفض للمياه ضمن المنطقة. وهذا أمر مفاجئ، بما أنّ الكوليرا هي من الأمراض المنقولة بالمياه، والتي يتوقع المرء أن تتفشى في المناطق التي يوجد فيها تركّز أعلى للمياه. (أحد التفسيرات قد يكمن في الطريقة التي تعالج فيها حالات الكوليرا: فإذا ما عولجت حالة التجفاف لدى المريض بشكل عاجل، فإنّ نسبة الوفيات الناجمة عن الكوليرا تنخفض من 50% إلى أقل من 1%. وبالتالي، يكون الحال بأنّ الجائحة لم تحصل في المناطق التي تحتوي على ما يكفي من المياه النظيفة).

يمكننا القول أنّ النتيجة التي تقود إليها هذه التنبؤات، والمستنتجة تلقائياً بواسطة نظام إحصائي دائم التحديث، هي أنّ الفرق الطبية يمكن أن تحصل على تحذير قبل عامين تقريباً من أنّ هناك احتمالاً بحدوث جائحة كوليرا في منطقة معينة.

ويمكن أيضاً التنبؤ بجوائح أخرى بطريقة مشابهة. فالإيبولا لا زالت نادرة جداً إلى درجة يصعب معها استنتاج أنماط إحصائية. ومع ذلك، يقود استعمال بيانات الوفيات البشرية المستقاة من المطبوعات الطبية، والمقترنة بأحداث متكررة، إلى ظهور نمط بارز لحالات تفشي الإيبولا.

فقد أفادت مطبوعات عديدة عن وجود ارتباط بين حالات تفشي الإيبولا الحالية والسابقة وخفاش الفاكهة. ولكن ما الذي يجعل خفافيش الفاكهة يتلامسون مع البشر؟

حصل أول انتشار للإيبولا عام 1976 في زائير والسودان. وكان بركان قد انفجر قبل عام من ذلك في المنطقة، الأمر الذي دفع العديد من الناس للبحث عن الذهب والألماس هناك. وتسبب ذلك في إزالة الغابات. واستنتجت خوارزميتنا، من الموسوعات وغيرها من قواعد البيانات، بأنّ إزالة الغابات تتسبب في هجرة الحيوانات، ومن ضمن ذلك هجرة خفاش الفاكهة.

كما تنبأت الخوارزمية بحصول إبادة جماعية من خلال تحديد الاحتمال الأكبر لحصولها في حال لجأ القادة أو الأشخاص البارزون في بلد ما إلى نزع الصفة الإنسانية عن الأقليات في بلادهم. إلى جانب ذلك، استنتجت خوارزميتنا أنّ احتمال حصول الإبادة الجماعية يزداد أربعة أضعاف تقريباً إذا كان لدينا شخص أو مجموعة أشخاص يصفون مجموعة أخرى (بحسب تعريف التعداد العام للسكان وبيانات الأمم المتحدة) بأنها غير مرحب بها أو وجودهم سبب الأمراض، والمتحدث يفعل ذلك قبل ثلاث إلى خمس سنوات من ظهور المجموعة في نشرات الأخبار لعشرات المرات على الأقل وقبل العثور عليها في موقع ويكيبيديا بمادة مكتوبة باللغة المحلية.

بعد دراسة تجريبية أجريت على آلاف أحداث القرن الماضي، لاحظنا أنّ نظامنا يحدد 30% إلى 60% من الأحداث المقبلة وبنسبة دقة تصل إلى ما بين 70% و90%. والأمر هنا ليس قراءة في كرة سحرية. وإنما نحن إزاء نظام أفضل بكثير جداً وبمراحل مما عرفه البشر من قبل.

فما الذي سيعنيه للمؤسسات غير الحكومية، وشركات الإنشاء، والمؤسسات الصحية أن تعلم بأنّ حالات الجفاف التي تليها العواصف يمكن أن تقود إلى الكوليرا؟ وما الذي سيعنيه لشركات التعدين، والجهات الناظمة، والمؤسسات البيئية، والقادة الحكوميين بأنّ يعلموا أنّ التعدين والمناجم تقود إلى إزالة الغابات، وبأنّ هذه الإزالة تقود إلى هجرة خفاش الفاكهة، وبأن هجرات هذا الخفاش تزيد من خطر تفشي مرض الإيبولا؟ وماذا سنفعل جميعنا بالمعلومات التي تقول بأنّ بعض الخيارات اللغوية والتغييرات في السياسات يمكن أن تقود إلى انتشار للعنف على نطاق واسع؟ وكيف يمكن لنا جميعاً أن نبدأ بالتفكير بالمخاطر بطريقة مختلفة؟

نعم، “البيانات الكبيرة” (big data) وعمليات التحليل المعقدة تسمح للشركات بتحسين هوامش أرباحها بمقدار كبير جداً. لكن الجمع بين المعارف المستقاة من ملايين المقالات الجديدة، وآلاف المقالات المكتوبة في الموسوعات، ومواقع الإنترنت التي لا تعد ولا تحصى، من أجل تقديم تحليل متماسك للأسباب والنتائج هو أمر ينطوي على إمكانيات تتجاوز بكثير مجرد زيادة المبيعات. فهو يمكن أن يسمح لنا بتوقع حصول الأزمات التي لا يمكن التنبؤ بها قبيل حصولها بوقت كاف، ونفكر بطريقة أكثر استراتيجية تجاه المخاطر، كما يسمح بتسليح الإنسانية بنظرة إلى الوقائع المستقبلية استناداً إلى الدروس والعبر المأخوذة من الماضي ذي الصلة. وهذا يعني أننا يمكن أن نفعل شيئاً حيال كل التقلّبات، وعدم اليقين، والغموض والتعقيدات، التي تحيط بنا. كما أنّ ذلك يعني أنه في المرة المقبلة التي تحصل فيها أعمال شغب أو يتفشى مرض ما، لن يجلس القادة جانباً مكتوفي الأيدي.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الأزمات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz