يعتقد أغلب المديرين التنفيذيين وأعضاء مجالس الإدارة أن مهمتهم تكمن في زيادة عوائد المساهمين إلا أن الحقيقة ليست كذلك.

في خريف عام 2014، أصيب بيل أكمان، أحد مساهمي شركة أليرغان (Allergan) والمستثمر النشط في صناديق التحوط، بالإحباط من مجلس إدارة أليرغان. إذ صب جام غضبه على أعضاء المجلس بسبب فشلهم في القيام "بالمهمات التي يحصلون على 400 ألف دولار سنوياً من أجل القيام بها نيابة عن أصحاب الشركة"، حسب تعبيره. هذا الخطأ المزعوم الذي ارتكبه المجلس تمثل في: رفض التفاوض مع شركة فاليانت للصناعات الدوائية حول عرضها غير المرغوب فيه بالاستحواذ على أليرغان؛ وهو عرض ساعد في تدبيره أكمان نفسه في تحالف جديد بين صندوق تحوط وأحد المستحوذين المحتملين. ففي العروض التقديمية التي ساهمت في الترويج للصفقة، امتدح أكمان شركة فاليانت لما تتميز به من توزع نسب رأس المال بالشكل الملائم للمساهمين، ورواتب المديرين التنفيذيين المتماشية مع مصالح المساهمين، وتجنبها لأبحاث المراحل الأولى التي تحمل خطر الفشل. وأخبر المحللين أن استخدام ذات النهج في أليرغان قد يجلب قيمة كبيرة لمساهمي الشركة. كما ذكر خطة فاليانت لخفض ميزانية أليرغان للأبحاث بنسبة 90%، معتبراً إياها "الفرصة الحقيقية للشركة".

طمأن مايك بيرسون، المدير التنفيذي لفاليانت، المحللين قائلاً "كل ما نهتم له هو حقوق المساهمين". تعرض هذه الأحداث أسلوباً للتفكير فيما يتعلق بالحوكمة والإدارة في الشركات، وهو النهج المنتشر في الوقت الحالي في دوائر المجتمع المالي وكثير من جوانب عالم الأعمال. يرتكز هذا النهج على فكرة مفادها أن هدف الإدارة هو، أو ينبغي أن يكون، تعزيز حقوق المساهمين، إلا أنه يتناول طيفاً واسعاً من المواضيع؛ بدءاً من قياس الأداء وأجور التنفيذيين وحتى حقوق المساهمين، ودور المديرين، ومسؤولية الشركة. لم يقتصر اعتناق هذا النظام الفكري على المستثمرين في المحافظ الوقائية مثل أكمان، بل ظهر أيضاً في المؤسسات الاستثمارية عموماً، بالإضافة إلى كثير من مجالس الإدارة، والمديرين، والمحامين، والأكاديميين، بل وحتى بعض مشرعي القوانين والجهات الرقابية. وبالفعل صارت هذه المبادئ نموذجاً لـ "الحوكمة الرشيدة" ولنمط نشاط المستثمرين الذي تعرضه قصة أليرغان.

بيد أن الفكرة التي ترى أن على مديري الشركة أن يجعلوا هدفهم تعظيم حقوق المساهمين – وأنه ينبغي على مجلس الإدارة أن يضمن قيامهم بهذا – هي فكرةٌ حديثة نسبياً. إذ ترجع جذورها إلى ما يُعرف بنظرية الوكالة، التي طرحها اقتصاديون أكاديميون في سبعينات القرن الماضي. يحمل جوهر النظرية تأكيداً على أن المساهمين يمتلكون الشركة ولديهم، في ضوء وضعهم كمالكين، السلطة النهائية على أعمالها، ويحق لهم المطالبة بأن تُنفَّذ أنشطتها بالتوافق مع رغباتهم.

يبدو نسب ملكية الشركة إلى المساهمين أمراً منطقياً إلى حد كبير، إلا أن نظرة أقرب إلى هذا الوضع تكشف عن أنه ملتبس من الناحية القانونية، والأهم من هذا أنه يتضمن مشكلة صعبة تتعلق بالمساءلة. فالمساهمون لا يملكون واجباً قانونياً بحماية أو خدمة الشركة التي يملكون أسهمها، وهم محميون بفكرة المسؤولية المحدودة من أي مسؤولية قانونية متعلقة بديون تلك الشركات ومخالفاتها. علاوة على أنه يجوز لهم شراء وبيع الأسهم بدون قيود، ولا يُطلب منهم الإفصاح عن هوياتهم إلا في ظروف محددة. بالإضافة إلى أنهم يميلون لأن يكونوا بعيدين مادياً ونفسياً عن أنشطة الشركات التي يستثمرون فيها.

وهو ما يعني قلة الحوافز التي يجب على حاملي أسهم الشركات المتداولة وضعها في عين الاعتبار، بالإضافة إلى أن النظرة العامة نحوهم لا تُحملهم مسؤولية آثار الأفعال التي فضلوها للشركة، والأطراف الأخرى، والمجتمع بصورة أوسع. لم تعالج نظرية الوكالة حتى الآن آثار غياب المساءلة الناجم عن قبول الفرضية المركزية – والخاطئة من وجهة نظرنا – والتي تعتقد أن المساهمين يمتلكون الشركة. تبدو آثار هذا التجاهل مقلقة. إذ إننا قلقون من أن نموذج الحوكمة والإدارة القائم على نظرية الوكالة تجري ممارسته بطرق تضعف الشركات، بل ويمكن أن يكون – إذا جرى تطبيقه على نطاق أوسع، حسب ما يتنبأ الخبراء – مضراً للاقتصاد عموماً. نحن قلقون على نحوٍ خاص من آثار ذلك على استراتيجية الشركة وتخصيص الموارد فيها. على مدى العقود القليلة الماضية، قدم نموذج الوكالة تسويغاً منطقياً لمجموعة من التغيرات في ممارسات الحوكمة والإدارة التي عززت، في مجموعها، من سلطة وتأثير أنواع محددة من المساهمين على أنواع أخرى منهم، والأكثر من ذلك أنها أعلَت من أهمية مطالبات تقدم بها حاملو أسهم فوق مطالبات دوائر هامة أخرى، بدون تأسيس أي مسؤولية أو مساءلة على عاتق المساهمين الذين يمارسون هذه السلطة.

نتيجة لهذا الوضع، يتعرض المديرون لضغط متزايد كي يحققوا عائدات أسرع وأضمن، وكي يقلصوا الاستثمارات الأخطر التي تهدف إلى الوفاء بالاحتياجات المستقبلية وإيجاد حلول خلاقة للمشاكل التي تواجه الناس حول العالم.

لا تسيئوا فهمنا: فنحن رأسماليون حتى النخاع. إننا نعتقد أن المشاركة واسعة النطاق في الاقتصاد عبر ملكية الأسهم في الشركات التي تطرح أسهمها للتداول العام – هو شيء مهم للنسيج الاجتماعي، وأن الحماية القوية للمساهمين أمر ضروري. لكن سلامة النظام الاقتصادي تعتمد على الاستيعاب الصحيح لدور المساهمين. إذ إن النظرة المتطرفة المتمركزة حول المساهمين وحقوقهم هي مخطئة في فرضياتها، وملتبسة من الناحية القانونية، وذات أثر سلبي من الناحية العملية. يمكن أن يسمح أحد النماذج الأفضل بإدراك المهمة الحساسة لحملة الأسهم، وعليه أيضاً أن يأخذ على محمل الجد فكرة أن الشركات كيانات مستقلة تخدم أهدافاً عديدة ويمنحها القانون إمكانية الاستمرار بمرور الوقت. كما يمكن أن يقر المبادئ القانونية المقبولة التي تفترض أن القادة والمديرين لديهم واجبات تجاه الشركة مثلما لديهم واجبات تجاه المساهمين. بعبارة أخرى، قد يكون هذا النموذج الأفضل متمركزاً حول الشركة لا حول المساهمين.

وقبل أن نأخذ بعين الاعتبار أي بديل، دعونا نلقي نظرة عن كثب على النموذج المعتمِد على الوكالة.

أسس النموذج


يمكن الاطلاع على الأفكار التي يتضمنها النموذج المعتمد على الوكالة في المقالة الشهيرة التي كتبها ميلتون فريدمان في مجلة نيويورك تايمز عام 1970، والتي تستنكر "المسؤولية الاجتماعية" للشركات، معتبراً إياها عقيدة اشتراكية. ينظر فريدمان إلى ملكية المساهمين للشركة على أنها من المسلمات. كما يؤكد على أن "المدير هو وكيل عن الأفراد الذين يمتلكون الشركة" والأكثر من هذا، أن المسؤولية الرئيسية للمدير "هي تسيير العمل تماشياً مع رغبات (المالكين)". كما يصف المدير التنفيذي بأنه "وكيل يخدم مصالح رئيسه". تطورت هذه الأفكار أكثر من ذلك في مقال نُشر في مجلة (Journal of Financial Economics) عام 1976، وحمل عنوان "نظرية المؤسسة" (Theory of the Firm) للكاتبين مايكل جينسن وويليام ميكلنغ، اللذين وضعا الفرضيات الأساسية للنظرية:

  • يمتلك المساهمون الشركة وهم مشرفون بسلطة أصلية لإدارة أعمال وشؤون الشركة.

  • يشكل المديرون سلطة لاتخاذ القرارات مخولة من قبل مساهمي الشركة، وعليه فإنهم "وكلاء" للمساهمين.

  • باعتبارهم وكلاء للمساهمين، يلتزم المديرون بتسيير أعمال الشركة بالتوافق مع رغبات المساهمين.

  • يريد المساهمون أن يسير العمل بطريقة تعزز من عوائدهم الاقتصادية (الافتراض بأن المساهمين مجمعون على هذا الهدف يبرز ضمنياً خلال سطور المقال).


لا يناقش جينسن وميكلنغ رغبات المساهمين فيما يتعلق بالمعايير الأخلاقية التي ينبغي على المديرين التقيد بها خلال تسيير العمل. لكن فريدمان يقدم رؤيتين في مقالته المنشورة في مجلة نيويورك تايمز. إذ يذكر أولاً أن المساهمين عموماً يريدون من المديرين "أن يربحوا أقصى قدر ممكن من الأموال، بينما يتماشون مع القواعد الأساسية للمجتمع بشقيها: الأول الذي يجسده القانون والثاني الذي تجسده الأعراف الأخلاقية".ويقترح لاحقاً أن المساهمين يريدون أن يستخدم المديرون الموارد ويسعون نحو تحقيق الأرباح من خلال الانخراط "في منافسة مفتوحة وحرة بدون خداع أو احتيال". يتفق جينسن وميكلنغ مع فريدمان في أن الشركات لا ينبغي عليها أن تشارك في أنشطة تتعلق بـ "المسؤولية الاجتماعية".

ركزت معظم الأعمال الأكاديمية، التي تناولت نظرية الوكالة على مدى العقود التالية لذلك، على التأكد من أن المديرين يسعون إلى رفع عائدات المساهمين؛ وبصورة أساسية عن طريق مواءمة مصالحهم مع مصالح المساهمين.

تطورت هذه الأفكار إلى نظرية المؤسسة، حيث يمكن للمديرين (بل وينبغي عليهم) غرس الاهتمام بمصالح المساهمين عن طريق التفويض الملائم "لاتخاذ القرارات" وإيجاد بواعث وحوافز ملائمة. كما أسفرت أيضاً عن رؤية مجالس الإدارة باعتبارها آلية تنظيمية تهدف إلى التحكم فيما يعرف بـ "تكاليف الوكالة"؛ وهي تكاليف المساهمين المرتبطة بتفويض السلطة إلى المديرين. ومن هنا نشأت الفكرة التي تفيد بأن الدور الرئيسي للمجلس (والذي ينبغي أن يكون عليه) هو مراقبة الإدارة، وأن المجالس يجب أن تحدد أجور المديرين التنفيذيين كي تتماشى مصالح الإدارة مع مصالح المساهمين.

عيوب النموذج


لنلق نظرة إلى النقاط التي تضل فيها هذه الأفكار.

1- تختلف نظرية الوكالة مع قانون الشركات في بعض النقاط: فمن الناحية القانونية، لا يمتلك المساهمون حقوق "ملاك" الشركة، كما أن المديرين ليسوا "وكلاء" للمساهمين.

وفقاً لما أشار إليه باحثون وكتاب آخرون، فإن الفكرة التي مفادها أن المساهمين يمتلكون الشركة تقع بين وصفين يصفانها بأنها في أفضل الأحوال فكرة محيرة، وفي أسوأ الأحوال فكرة خاطئة. من وجهة نظر قانونية، يعتبر المساهمون مستفيدين من أنشطة الشركة، لكنهم لا يمتلكون "سلطاناً" على أية قطعة من الممتلكات. ولا يتمتعون بحق الدخول إلى مباني وأراضي الشركة أو استخدام أصولها. فما يملكه المساهمون فعلياً هو أسهمهم. يمنحهم ذلك بعض الحقوق والامتيازات المتنوعة، بما في ذلك الحق في بيع أسهمهم وفي التصويت على مسائل محددة، مثل انتخابات قادة الشركة، وتعديلات لائحة الشركة، والبيع الفعلي لجميع أصول الشركة. علاوة على أن القانون في ولاية ديلاوير – وهي المقر القانوني لأكثر من نصف شركات قائمة فورتشن 500 والمرجع الرئيسي لقانون الشركات – يمنح حق إدارة أعمال وشؤون الشركة إلى مجلس الإدارة الذي ينتخبه المساهمون. ويفوض المجلس هذه السلطة إلى مديري الشركة.

وفي ظل هذا الإطار القانوني، يعتبر القادة والمديرون مؤتمنين بدلاً من اعتبارهم وكلاء؛ وهم ليسوا مؤتمنين على حقوق للمساهمين فقط، بل على الشركة أيضاً. يعتبر الفارق بين التعبيرين جوهرياً هنا. إذ إن الوكلاء ملتزمون بتحقيق رغبات مرؤوسيهم، بينما يتمحور التزام المؤتمنين حول ممارسة الحكم المستقل نيابة عن المستفيدين. بعبارة أخرى، يعتبر الوكيل متلقيَ أوامر، فيما يُتوقع من المؤتمن أن يتخذ قرارات بناء على ما يراه هو الأنسب. ومن الجانب القانوني، يمتلك المديرون واجباً ائتمانياً بالتصرف من أجل تحقيق أعلى قدر من مصالح الشركة، وهو الأمر الذي يختلف تماماً عن تنفيذ أوامر المساهمين.

2- لا تتوافق النظرية مع مسار  الاستخدام الاعتيادي: المساهمون ليسوا مالكين للشركة بأي معنى تقليدي للعبارة، وليس لأي منهم دوافع الملاك التقليدية التي  تدفعهم للاهتمام

وتعد هذه الملاحظة أصحّ في يومنا هذا مما كانت عليه حينما أبداها أدولف بيرل وغاردينر مينز في دراستهم البارزة "الشركة الحديثة والملكية الخاصة" (The Modern Corporation and Private Property) التي قدماها عام 1932. إن 70% من أسهم الشركات المسجلة في الولايات المتحدة تمتلكها صناديق مشتركة، وصناديق التقاعد، وشركات التأمين، والصناديق السيادية، ومؤسسات استثمارية أخرى، التي تديرها نيابة عن مستفيدين آخرين مثل العائلات والمتقاعدين وحاملي بوليصات التأمين، والحكومات. في كثير من الحالات، يكون المستفيدون غير معروفين للشركة التي تمتلك المؤسسات أسهمها. ويحصل المهنيون الذين يديرون هذه الاستثمارات في المعتاد على تقييمهم ومكافآتهم كل ربع سنة على أساس العائد من إجمالي الاستثمارات التي يتم إدارتها.

وتكون النتيجة عائد دوران أعلى للأسهم (الذي يتضح في الملحق "متوسط فترة الاحتفاظ بأسهم الشركات العامة)، والذين ينتج أيضاً عن تداول ضمن مستويات مرتفعة الوتيرة من قبل المضاربين.

تنشأ قرارات مديري الأصول والمضاربين من التوقعات المتعلقة بسعر السهم خلال فترة قصيرة نسبياً. وعندما يمر الاقتصاد عبر دورات، تتحرك أسهم الشركات في جميع قطاعات الصناعة صعوداً وهبوطاً. على الرغم من أن المساهمين المسجلين في أي لحظة مفترضة قد يصوتون على موضوع طرأ أمامهم، فهم ليسوا في حاجة إلى أن يعرفوا أو يكترثوا بالشركة التي يمتلكون أسهماً فيها. علاوة على ذلك، الحقيقة التي تفيد بأنهم يستطيعون اتباع السياسة الوقائية مع أسهمهم أو بيعها فوراً، متجنبين التعرض للآثار طويلة الأجل لهذا التصويت – تجعل من الصعب اعتبارهم ملاكاً للشركة وفق أي اعتبار وجيه.

أتاح إخفاء الهوية لأصحاب الأسهم المستفيدين أن يزيد من إضعاف علاقاتهم بالشركات التي يمتلكون أسهمها. إذ إن 85% من أسهم التداول العام في الولايات المتحدة تُمتلك باسم مؤسسات تؤدي دور الوساطة – وهي ما يعرف باسم السمسار القائم بالشراء – نيابة عن نفسها أو عن عملائها. ومن بين النسبة النهائية لهذه الأسهم، طلب ما يقرب من 75% من حاملي هذه النسبة من الأسهم بألا تكشف الشركات الوسيطة عن هوياتهم للشركة المصدرة للأسهم.

3- النظرية محفوفة بالمخاطر الأخلاقية: المساهمون لا يحاسبون باعتبارهم مالكين لأنشطة الشركة، وليس لديهم المسؤوليات التي تقع على كاهل المديرين لحماية مصالح الشركة.

تتفاقم مشكلة التعامل مع المساهمين على أنهم مالكون بسبب غياب سمة تقليدية أخرى للملكية: وهي المسؤولية تجاه الأملاك والمساءلة – بل وحتى المسؤولية القانونية في بعض الأحوال – على الأضرار التي تصيب الغير نتيجة لطريقة استخدام تلك الأملاك. لا يتحمل المساهمون مثل هذه المسؤولية. فوفقاً لفكرة المسؤولية المحدودة، لا يمكن تحميلهم مسؤولية شخصية عن ديون الشركة أو أفعال الشركة أو التقصير الذي يضر الغير. ويحق للمساهمين، مع قليل من الاستثناءات، أن يتصرفوا كلياً من أجل مصلحتهم في سياق حدود قوانين الأوراق المالية. على عكس المديرين، الذين يُتوقع منهم أن يمتنعوا عن التداول لمصلحة شخصية، يستطيع المساهمون أن يتصرفوا بحرية على كلا جانبي أي عملية يكون لهم مصالح فيها. ولنضع في عين الاعتبار التنافس بين فاليانت وألرغان. فقد يمتنع أحد أعضاء مجلس الإدارة لشركة أليرغان، الذي يمتلك أسهماً في شركة فاليانت، عن التصويت على الصفقة أو عن التشجيع على عرض فاليانت.

إلا أن حاملي أسهم أليرغان الذين يمتلكون مصلحة في كلا الشركتين كانوا أحراراً في البيع والشراء، والتصويت ما داموا يرونه ملائماً لهم، بدون أي التزام بالتصرف لصالح أي من الشركتين. عادةً ما تتحرك المؤسسات الاستثمارية، التي تمتلك أسهماً في آلاف الشركات، لعقد الصفقات التي ترى فيها مصالح كبيرة لهم على الجانبين.



في أي اقتصاد منظم، تتماشى الحقوق والمسؤوليات مع بعضها. إذ إن إعطاء المساهمين حقوق الملكية، وإعفاءهم في الوقت ذاته من المسؤوليات – يفتح الباب أمام الانتهازية والخداع وإساءة استخدام أصول الشركة. وتكون المخاطرة أقل عندما لا يسعى المساهمون للتأثير على القرارات الرئيسية للشركة، إلا أن الخطورة الحقيقية تظهر عندما يفعلون ذلك. إذ تتجلى المشكلة في أوضح صورها عندما يتدخل الملاك المؤقتون لكمية كبيرة من الأسهم في إعادة تشكيل مجلس إدارة الشركة، وتغيير إدارتها، أو إعادة هيكلة مواردها المالية في محاولة لرفع سعر أسهمها، وذلك من أجل بيعها فقط والتحرك إلى هدف آخر بدون أي مساءلة على تأثير تدخلهم على الشركة والأطراف الأخرى.

4- تنشر فكرة الانحياز في هذه النظرية مخاطر أخلاقية عبر الشركة: وتضيق من مدى رؤية الإدارة. مثلما يسفر غياب المساءلة عن جعل المساهمين أكثر ميلاً لعدم المبالاة بالاعتبارات الأوسع والاعتبارات طويلة الأجل للشركة، فإن المحاباة بين مصالح المديرين ومصالح المساهمين، التي توصي بها نظرية الوكالة، يمكن لها أن تنحرف بوجهة الشركة بأكملها. عندما "تنحاز" مصالح الطبقات المختلفة من الإدارة بهذه الطريقة، قد تصير الشركة منحازة للغاية تجاه المصالح الضيقة للمساهمين الحاليين مما يجعلها تفشل في الوفاء بمتطلبات عملائها أو الدوائر الأخرى. وفي الحالات المتطرفة، قد يكون هذا الانحياز شديداً إلى درجة يحول دون أداء الشركة لوظائفها بفعالية. إن قصة انهيار شركة إنرون تفصح بدقة عما يمكن أن يلحق بالشركة بأكملها.

كما أن الفكرة التي تقول إن أسلوب الإدارة الذي يسير في صالح الشركة هو نفس أسلوب الإدارة الذي يسير في صالح أسهمها – تُفهم تماماً على أنها خيال نظري حتّمته النماذج الرياضية التي يفضلها كثير من الاقتصاديين. من الناحية العملية، يوجد (أو يمكن أن يكون هناك) اختلاف كبير. فبمجرد أن حوّلت إدارة أليرغان بوصلة تركيزها من وجهة تحقيق النمو المستدام طويل الأجل ووجهتها نحو رفع سعر سهم الشركة ليصل إلى 180 دولاراً للسهم – وهو الهدف الذي أرادت الشركات الاستثمارية أن تصل أسهمها إليه – تغيرت أولوياتها وفقاً لذلك، فخُفضت ميزانية الأبحاث واستُبعدت الاستثمارات وتم الاستغناء عن عدد من الموظفين.

5- فرضية النظرية التي تقول إن المساهمين متوحدون في جملتهم تتنافى مع الواقع: لا يمتلك جميع المساهمين نفس الأهداف ولا يمكن أن يتم التعامل معهم على أنهم "مالك" واحد. تفترض نظرية الوكالة أن جميع المساهمين يريدون أن تسير الشركة بطريقة تعزز من عوائدهم الاقتصادية. يفيد هذا الافتراض المبسط في أغراض محددة، إلا أنه يخفي اختلافات هامة. يختلف المساهمون في الأهداف الاقتصادية، والمواقف تجاه المخاطر، والآفاق الزمنية للاستثمار. قد تسعى صناديق التقاعد نحو تحقيق عوائد آنية والمحافظة على رأس المال.  وقد تسعى صناديق المنح نحو تحقيق نمو طويل الأجل. وقد يقبل صغار المستثمرين مخاطر أكبر مما قد يسمح به الكبار منهم. وتشير سجلات التصويت بالوكالة إلى أن المساهمين يكونون منقسمين حول القرارات التي توضع أمامهم.

فبعد أشهر من إعلان فاليانت عن عرضها، قابل مسؤلو أليرغان شريحة عريضة من المؤسسات الاستثمارية. يقول مايكل غالاغر، كبير المديرين المستقلين لألرغان "إن تعدد الآراء كان على أوسع نطاق ممكن"؛ بدءاً من هؤلاء الذين عارضوا إتمام الصفقة ولم يريدوا على الإطلاق الحصول على أسهم فاليانت (تضمن العرض أموالاً وأسهماً في فاليانت)، وحتى الآخرين الذين وجدوا فيها فرصة العمر ولم يستطيعوا أن يتفهموا عدم جلوس أليرغان مع فاليانت على الفور.

نموذج الوكالة في الواقع العملي


على الرغم من هذه المشكلات، جذبت نظرية الوكالة قطاعاً عريضاً من التابعين لها. فقد قدمت مبادؤها المنطق الفكري للعديد من التغيرات في الواقع العملي، لتعزز – في جملتها – من قوة المساهمين وينشأ على أثرها نموذجٌ للحوكمة والإدارة يلتزم بمركزية المساهمين وحقوقهم. تحمل السطور القادمة بعضاً من الميادين التي يمكن رؤية آثار هذه النظرية فيها:

أجور المديرين التنفيذيين. كانت أفكار نظرية الوكالة فعالة في التحوّل من أحد الأنظمة التي تعتمد على السيولة النقدية في المقام الأول إلى نظام آخر يعتمد في الغالب على أسهم رأس المال. جادل أنصار هذا التحول بأن الأجر المعتمد على أسهم رأس المال سوف يجعل مصالح المديرين التنفيذيين متسقة مع مصالح المساهمين. استُخدمت نفس الجدلية من أجل حشد الدعم لصالح ربط الأجر بأداء الأسهم بشكل أوثق، ومن أجل دفع الحوافز الضريبية لتشجيع مثل هذه الترتيبات المعتمدة على نموذج "الأجر مقابل الأداء". ومن خلال اتباع هذا المنطق، تبنى الكونغرس تشريعاً عام 1992 يجعل الأجور التي تتجاوز مليون دولار قابلة للخصم فقط إذا كانت "معتمدة على الأداء". وفي الوقت الحالي، يُقدر ما يقرب من 62% من أجور المديرين التنفيذيين أنها في صورة أسهم، بالمقارنة مع النسبة التي كانت موجودة عام 1980، والمُقدرة بـ 19%.

الإفصاح عن أجور المديرين التنفيذيين. يساند تعريف نظرية الوكالة للأداء، وعقيدة توافق المصالح الخاصة بها، القواعد التي اقترحتها هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية عام 2015، والتي تطالب الشركات بتوسعة نطاق المعلومات المتعلقة بأجور المديرين التنفيذيين وعوائد المساهمين التي تُعرض في بيانات الوكالة (التفويض) السنوية. تطالب القواعد المُقترَحة الشركات بالإعلان عن إجمالي عوائد المساهمين السنوية الدورية، بالإضافة إلى الأرقام المتعلقة بإجمالي عوائد المساهمين لمجموعة نظرائها، وأن تقدم الشركات توصيفاً للعلاقة بين إجمالي عوائد المساهمين وأجور المديرين التنفيذيين، وبين إجمالي عوائد المساهمين لها وإجمالي عوائد المساهمين لنظرائها.

حقوق المساهمين. لطالما كانت الفكرة التي تقول إن المساهمين ملّاكٌ مركزية من أجل الدفع نحو منحهم دوراً أكبر في تعيين وانتخاب مديري الإدارة العليا ولتسهيل قدرتهم على الدعوة لعقد اجتماعات خاصة، والتصرف عن طريق الموافقة الكتابية، أو إقالة أحد مديري الإدارة العليا. تشير البيانات الواردة من شركة "فاكتسيت" للبحوث ومن مصادر أخرى إلى أن نسبة الشركات في مؤشر ستاندرد آند بورز 500، التي تصوت بالأغلبية على تعيين مديري الإدارة العليا، ارتفعت من 16% عام 2006 ووصلت إلى 88% عام 2015. فيما ارتفعت نسبة الشركات التي تعتمد طريقة عقد الاجتماعات الخاصة لانتخاب المديرين من 41% عام 2002 إلى 61% عام 2015. كما ارتفعت نسبة الشركات التي تمنح المساهمين حقوق التصويت على اختيار مديري الإدارة العليا من 0.5% عام 2013 لتصل إلى حوالي 39% في منتصف 2016.

سلطة مجالس الإدارة. دفعَ فكر الوكالة أيضاً بالجهود الساعية لإلغاء فكرة المجالس المتعاقبة لصالح إجراء انتخابات سنوية لاختيار جميع مديري الإدارة العليا ولمنع استراتيجية "حبوب السم" (poison pills)، الذي يمكّن المجالس من الإبطاء أو منع "الملاك" من التصويت على أي عرض ممتاز لشراء الشركة. منذ عام 2002 وحتى عام 2015، انخفضت أسهم شركات قائمة ستاندرد آند بورز 500 ذات المجالس المتعاقبة من 60% إلى 40% (قد تواصل بعض الشركات تبنّي أي إجراء استجابةً لأي عرض غير مرغوب فيه؛ مثلما فعل مجلس إدارة ألرغان استجابةً لعرض فاليانت).

اتجاهات الإدارة. جرى تبني مفهوم نظرية الوكالة لمسؤوليات الإدارة على نطاقٍ واسع. ففي عام 1997، أصدرت مجموعة بزنس راوندتيبل (Business Roundtable) بياناً أعلنت فيه أن "الواجب الأسمى لطاقم المديرين ومجلس الإدارة يكون لصالح مساهمي الشركة"، وأن "الهدف الرئيسي لأي منشأة تجارية هو إدرار العوائد الاقتصادية لصالح ملاكها". وقد صدر هذا البيان نتيجة للضغط القادم من المؤسسات الاستثمارية، ليعدل البيان الموقفَ السابق لمجموعة بزنس راوندتيبل ، والداعي لوجوب "حصول المساهمين على عائد جيد ولكن ينبغي أيضاً أن تُولَى المخاوف المشروعة للدوائر الأخرى  الأهمية الملائمة". يقترح عدد من الدراسات طرقاً يكون المديرون في ضوئها أكثر استجابة للمساهمين. إذ تشير الدراسات، على سبيل المثال، إلى أن الشركات التي تحظى بتصويت الأغلبية (بدلاً من الأكثرية البسيطة) على اختيار مديري الإدارة العليا تكون أكثر عرضةً لتبني مقترحات المساهمين التي تحشد دعم الأغلبية، وأن كثيراً من كبار المسؤولين الماليين يكونون على استعداد للتخلي عن استثمارات في مشروعات يُتوقع أن تكون مربحة على المدى الطويل؛ لكي يحققوا تقديرات الأرباح ربع السنوية التي يضعها المحللون. فوفقاً لدراسات استقصائية أجراها معهد أسبن ينظر كثير من خريجي كليات إدارة الأعمال إلى تعظيم حقوق المساهمين باعتبارها مسؤوليتهم الأولى.

سلوك المستثمر. مهدت أفكار نظرية الوكالة الطريق أمام نشاط المستثمرين، وشرعنة قواعد صناديق التحوط التي تعمل على تعبئة رؤوس الأموال من أجل الغرض الصريح لشراء أسهم الشركة واستخدام مواقفهم بوصفهم "المّلاك" للتأثير على التغيرات الهادفة لتوليد قيمة مضافة للمساهمين (يعرض صندوق "قواعد لعبة المستثمرين النشطين" كيف طبقت أفكار نظرية الوكالة في الواقع العملي). يتدخل هؤلاء المستثمرون بوتيرة أعلى ويعيدون تشكيل أسلوب الشركة في تخصيص الموارد. وفي ضوء هذه العملية يعيدون تشكيل السياق الاستراتيجي الذي تُتخذ فيه القرارات عن طريق جميع الشركات ومجالسها.

وقد يكون لأي تغيير، مثل تصويت الأغلبية لتعيين مديري الإدارة العليا، ما يبرره. غير أنه بالنظر إلى العوامل الأخرى في جملتها، فإن هذه التغييرات قد تساعد في خلق بيئة يوضع المديرون فيها تحت ضغط متزايد لتقديم نتائج مالية قصيرة الأجل، كما تُستحَث مجالس الإدارة نحو "التفكير بعقلية المستثمرين النشطين".

الآثار التي تلحق بالشركات


لكي تقدر قيمة الآثار الاستراتيجية لأي نشاط استثماري تقليدي، فمن المفيد استخدام أداة طُورت في ستينات القرن الماضي على يد "مجموعة بوسطن الاستشارية" لإرشاد عملية تخصيص الموارد. ساعدت الأداة، التي تعرف بـ "مصفوفة حصة النمو" (مصفوفة بوسطن)، المديرين لينظروا إلى شركاتهم على أنها محفظة من المشروعات التجارية ذات الخصائص المختلفة. قد تكون مجموعة من المشروعات ناضجة وتتطلب استثمارات فقط من أجل أهداف التوسع المتواضع والتطوير التدريجي. وبافتراض امتلاكهم لحصة سوقية قوية بالمقارنة مع أقرب منافسيهم، تكون هذه المشروعات مربحة على الأرجح ومدرة للسيولة النقدية. وقد تحظى مجموعة أخرى بمراكز متقدمة ولكن في الأسواق سريعة النمو، فهذه الأنواع من المشروعات هي أيضاً مربحة لكنها تتطلب استثمارات ضخمة لكي تحافظ على حصتها السوقية أو تزيدها. ثمة مجموعة ثالثة ربما تكون في حالة تنافسية ضعيفة في الأسواق الناضجة؛ حيث تحتاج هذه المشروعات إلى السيولة النقدية لكي تستمر، ولكنها لا تمتلك آفاق النمو أو زيادة الأرباح. قد تكون آخر هذه المجموعات في أسواق جديدة سريعة النمو، حيث تتنافس العديد من الشركات كما أن احتمالات النجاح كبيرة لكنها ترتبط بمخاطر عالية.

يطلق واضعو هذه المصفوفة على هذه المجموعات الأربعة تصنيفات لوصف كلٍ منها، وهي على التوالي: الأبقار الحلوب (Cash Cows)، والنجوم (Stars)، والكلب الكسول (Dogs)، والآفاق المشرقة (Bright Prospects). كان هذا التقسيم معنياً بضمان أن البقرة الحلوب باقية، وأن النجوم تحظى بتمويل كامل، وأن الكلاب يحظى نموذجها بالانضباط اللازم لوضعها، وأن عدداً قليلاً من الآفاق المشرقة تختار لاحتمال تحولها إلى نجوم على المدى الطويل (انظر الملحق "مصفوفة حصة النمو"). عندما لا تدير الشركات محفظة المشروعات وفقاً لهذا الأسلوب الشمولي، تميل التمويلات إلى كونها تنتشر بالتساوي عبر المشروعات على أساس العوائد المتوقعة للمشروعات الفردية.

إنها أداة بسيطة، إلا أن استخدامها ليس بسيطاً على الإطلاق. إذ إن إدارة بقرة حلوب كي تبقى ناجحة، ورعاية المشروعات النجوم التي تواجه المنافسين الجدد، وإصلاح المشروعات غير الواعدة أو التخلص منها، وأيضاً اختيار مشروع أو مشروعين بآفاق مشرقة للنمو – تحتاج جميعها إلى مديرين تنفيذيين موهوبين قادرين على تأدية وظيفتهم باعتبارهم فريق عمل. يمكن للشركات التي تنجح في إدارة هذا التحدي المستمر من تخصيص الموارد أن تنمو وتعيد ابتكار نفسها باستمرار مع مرور الوقت.

توضح مصفوفة حصة النمو الخيارات الاستراتيجية التي يواجهها المديرون عندما يسعون إلى خلق قيمة بغض النظر عن الأجل المحدد في المستقبل. كما تعتبر مفيدةً أيضاً لإظهار كيفية رفع سعر سهم الشركة على المدى القصير. فلنفترض أن إحدى الشركات كانت ستبيع مشروعات الكلاب الكسولة، وتتوقف عن تمويل مشروعات الآفاق المشرقة، وتخفض تكاليف التسويق والبحوث والتطوير اللازمة لمشروعات النجوم. تعتبر هذه طريقة للوصول إلى زيادةٍ دراماتيكية في الأرباح، والتي سترفع بدورها من سعر السهم. لكن الشركة قد تفقد مشروعات الآفاق المشرقة التي كان من الممكن أن تتطور وتصير مشروعات نجوم ومشروعات مثمرة في المستقبل.

يقدم المقترح الذي تقدم به المستثمر النشط نيلسون بيلتز عام 2014 من أجل شركة "دو بونت" مثالاً على هذه الفكرة. كان جوهر خطته التي تستغرق ثلاثة أعوام لزيادة عوائد المساهمين يدور حول شطر الشركة إلى ثلاثة مشروعات مستقلة والتخلص من وظيفتها المركزية المتعلقة بالأبحاث. كانت إحدى الشركات الجديدة، وهي "جروث كو"، ستتكون من مشروعات دو بونت الزراعية، والصحية، ومشروعات التغذية، والمشروعات البيولوجية الصناعية. أما الشركة الثانية، وهي "سايكليكال كو/ كاش كو"، فكانت ستضم مشروعات الإلكترونيات، ومشروعات المواد الأساسية والسلامة، وجميعها من المشروعات منخفضة النمو لكنها تدر عائدات كبيرة. كانت الثالثة هي وحدة الكيماويات الأساسية، وتدعى "كيمورس"، التي كانت دو بونت قررت بالفعل تأسيسها منفصلة عنها. في عُرف مصفوفة حصة النمو، كانت خطة بيلتز، في مضمونها، تدور في سياق تجزئة دو بونت إلى مشروعات مثمرة، ونجوم، وكلاب كسولة والتخلص من بعض مشروعات الآفاق المشرقة التي قد تتطور عن طريق الابتكارات التي تنتجها البحوث المركزية. اقترح بيلتز أيضاً خفض التكاليف "الفائضة"، وإضافة ديون، وتبني سياسة أكثر ملائمة للمساهمين لتوزيع الأموال من "سايكليكال كو/ كاش كو"، وإعطاء الأولوية للعوائد المرتفعة من رأس المال المستثمر في مبادرات "جروث كو"، وتقديم نموذج حوكمة أكثر ملائمة للمساهمين، بما في ذلك زيادة التوفيق بين أجور المديرين التنفيذيين وعوائد المساهمين. كانت هذه الخطة ستفكك دوبونت وتجعل مستقبلها غير واضح لصالح مضاعفة مأمولة في سعر السهم.

توليد القيمة أم تحويل القيمة؟


لا يزال السؤال حول ما إذا كان المساهمون يستفيدون من مثل هذا النشاط الاستثماري، بعيداً عن أي حالة تخبط أو عثرة استهلالية في سعر السهم، بدون إجابة. وذلك في ظل المشكلات المنهجية التي تعاني منها الدراسات التي تتناول هذا الموضوع. ولا شك أن المستثمرين النشطين في بعض الحالات قد لعبوا دوراً هاماً في إيقاظ أي مجلس خامل أو قيادة تغيير في الاستراتيجية أو الإدارة. رغم هذا، من المفيد أن نذكر أن كثيراً مما يطلق عليه المستثمرون النشطون توليد القيمة هو أقرب صحة لأن يوصف بأنه تحويل للقيمة. عندما تُدفع الأموال للمساهمين بدلاً من استخدامها في تمويل الأبحاث، وإطلاق المشروعات الجديدة، ونمو المشروعات الحالية، فإن القيمة حينئذ لم تُولد. ولم يُولد أي شيء. بل إن الأموال التي كان يُفترض أن تُستثمر لتوليد عوائد مستقبلية دفعت ببساطة إلى المساهمين الحاليين. إن فترة التأجيل بين وقت اتخاذ مثل هذه القرارات والوقت الذي تتضح فيه آثارها على الأرباح – تتجاوز الأطر الزمنية للنماذج المالية القياسية، لذا فإن احتمالية إضرار الشركة والمساهمين المستقبليين، ناهيك عن ذكر المجتمع على النطاق الأوسع، يمكن أن يمر دون ملاحظته.

ولنفترض كم من الوقت تستغرق رؤية ثمار أي جهود بحثية كبيرة (استغرق تصنيع رقاقة أحدث هواتف آيفون من آبل ثمانية أعوام)، تتضح في ضوء هذا الخطورة التي يتعرض لها البحث والابتكار من جراء هؤلاء المستثمرين النشطين الذين يجبرون على إحداث تخفيضات عميقة في التكاليف من أجل رفع سعر السهم ثم بيعه قبل أن تجف قنوات إدرار المال. وهو ما لا يساعد النماذج المالية، كما أن أسواق المال رديئة للغاية فيما يتعلق بتقدير الإبداع. بعد أن وُضعت ألرغان في مواجهة لعبة عن طريق العرض الذي تقدمت به فاليانت وشركة "بيرشينج سكوير كابيتال مانجمنت" لإدارة صناديق التحوط التي يمتلكها أكمان، ارتفع سعر سهم الشركة بنسبة 30% مع شراء صناديق تحوط أخرى للأسهم. باعت بعض المؤسسات أسهمها كي تحقق مكاسب فورية، وكانت إدارة ألرغان على وشك أن تواجه الضغط من المؤسسات الباقية كي تسرع التدفق النقدي و"تجلب الأرباح". في محاولة للإبقاء على هؤلاء المساهمين، قلصت الشركة من حجم العمالة بدرجة أكبر مما كان مخططاً له من قبل، وقلصت أيضاً برامج أبحاث المراحل المبكرة. وقد توصلت الدراسات الأكاديمية إلى أن نسبة كبيرة من تدخلات صناديق التحوط تتضمن زيادات كبيرة في الرافعة المالية (Leverage) وانخفاضات كبيرة في الاستثمارات، ولا سيما الاستثمارات المرتبطة بالبحث والتطوير.

كما أن مزاعم المستثمرين النشطين بشأن توليد القيمة تغشاها المزيد من الشكوك، فالمؤشرات ترى أن جزءاً من القيمة المزعوم توليدها من أجل المساهمين هي في الحقيقة قيمة مُحوَّلة من أطراف أخرى أو من العامة. لكن هنالك نقص في الأبحاث التي تعتمد على بيانات ضخمة في هذا الصدد، إلا أن إحدى الدراسات تشير إلى أن العائدات الإيجابية غير الطبيعية المرتبطة بالإعلان عن تدخل أي محفظة وقائية تكون، في جزء منها، تحويلاً للثروة من العمال إلى المساهمين. وتوصلت الدراسة إلى أن ساعات عمل العمال قلت وأجورهم تضاءلت في الأعوام الثلاثة التالية لأي تدخل. وتوصلت دراسات أخرى إلى أن بعضاً من الأرباح التي يحصل عليها المساهمون تكون على حساب حملة السندات. ولا يزال ثمة دراسات أكاديمية أخرى تعتبر بعض حالات الدفع المجحفة بناء على أداء سعر السهم (aggressive pay-for-stock performance) من الجرائم التي تضر بالمستهلكين، وتدمر البيئة، وتسبب مخالفات في التقارير المحاسبية والمالية.

لسنا على اطلاع على أي دراسة تفحص التأثير الشامل لتدخلات صناديق التحوط على جميع المساهمين والمجتمع في العموم. ولكن مما لا شك فيه أنه لا تزال تُحوَّل أرباح المساهمين أحياناً إليهم من جيوب العامة، مثلما يحدث عندما تزيد الإدارة من الأرباح عن طريق تحويل مقر دفع الضريبة إلى دائرة أو بلد ذي ضرائب أقل؛ وهو التحرك الذي يكون غالباً في صالح المستثمرين النشطين، وهو أيضاً أحد المقترحات الذي تقدمت به فاليانت لألرغان. وبالمثل، فإن تخفيضات الميزانية التي تستبعد الأبحاث الاستكشافية الهادفة للتعامل مع أصعب التحديات قد تعزز من الأرباح الحالية، ولكن على حساب المجتمع وأيضاً على حساب آفاق الشركة من أجل المستقبل.

يشير نشاط صندوق التحوط إلى بعض المخاطر التي تتأصل في منح مزيد من السلطة إلى "ملاك" غير مسؤولين. ومثلما يشير تحليلنا لمقدمات نظرية الوكالة، تعد مشكلة المخاطر الأخلاقية حقيقية، كما أن العواقب جادة. بيد أن الممارسين يستمرون في تبني عقيدة النظرية، كما تستمر الجهات التنظيمية في تضمينها داخل السياسة. فيما تقع مجالس الإدارة والمديرين تحت ضغط متزايد من أجل تحقيق عائدات قصيرة الأجل. وفي هذا السياق، يتوقع الخبراء القانونيون استمرار الاتجاه نحو زيادة تمكين المساهمين. بالنسبة إلينا، فإن الاحتمالية التي تشير إلى أن الشركات العامة سوف تدار بأسلوب أشد اتساقاً مع نموذج الوكالة تعد مقلقة. فالالتصاق الصارم بالنموذج من قِبل الشركات بطريقة موحدة عبر قطاعات الاقتصاد – يمكن أن ينتج بسهولة ضغطاً أكثر من أجل تحقيق الأرباح الحالية وتقليل الاستثمارات في البحوث والتطوير وأيضاً الاستثمار في الأشخاص. وقد ينتج عنها أيضاً كمية أقل من الاستراتيجيات التحويلية ونماذج الأعمال الابتكارية. وعلى الجانب الآخر سينتج عنها مزيد من تدفقات الثروة في اتجاه المستثمرين المحنكين على حساب المستثمرين العاديين وعلى حساب كل شخص آخر.

نحو نموذج يرتكز على الشركة


سيحمل أحد النماذج التي نقدمها هنا، في جوهره سلامة الشركة بدلاً من أن ينظر إلى العوائد قصيرة الأجل للمساهمين. وسيبدأ مثل هذا النموذج عن طريق إدراك حقيقة مفادها أن الشركات هي كيانات مستقلة يكفل لها القانون إمكانية الاستمرار لأجل غير محدد. ومن خلال الإدارة السليمة، يمكن إدارتها من أجل خدمة الأسواق والمجتمع على مدى فترات طويلة من الزمن. تتجاهل نظرية الوكالة الملامح المميزة للشركة والقيّمة من الناحية الاجتماعية، كما تتجاهل التحديات المرتبطة بالإدارة على المدى الطويل، على أساس أن الشركات هي "شخصيات اعتبارية". في مقالتهما الابتكارية، حذر جينسن وميكلنغ من "السقوط في فخ" طرح تساؤل حول ما ينبغي أن يكون عليه هدف الشركة، أو ما إذا كان لدى الشركة مسؤولية اجتماعية. فمثل هذه التساؤلات، حسبما يجادلان، تفترض بالخطأ أن أي شركة هي "فرد" بدلاً من كونها مجرد بنية قانونية ملائمة. وفي سياق متصل، يؤكد فريدمان على أنها لا يمكن أن يكون لديها مسؤوليات لأنها "شخصية اعتبارية". في واقع الأمر، تعتبر الشركات بكل تأكيد بنية قانونية، إلا أن ذلك لا يجعلها تحت أي مسمى "اعتبارية". بل إنها هيئات اقتصادية واجتماعية فوضت الحكومات لتأسيسها من أجل تحقيق أهداف لا يمكن تحقيقها عن طريق النماذج التنظيمية الأكثر محدودية مثل الشراكات والملكيات. إذ يعكس تاريخ تطورها البالغ 400 عام الدور المهم الذي لعبته في المجتمع. كانت أهداف الشركة في الأساس توضع داخل لائحتها – على سبيل المثال: شقّ قناة وإدارتها – إلا أن هذه الأهداف اتخذت شكلاً أكثر عمومية في نهاية المطاف حتى يمكن استخدام الشركات لتحقيق قطاع واسع من الأهداف التي تختارها إداراتها والجهات الحاكمة. ومع نمو حجمها ونطاقها، تنمو أيضاً سلطتها. يمكن أن تتسبب القرارات التي يتخذها صناع القرار داخل الشركات في تحويل المجتمعات، كما يمكن أن تمس حياة ملايين، إن لم يكن مليارات، من البشر حول العالم.

فالنموذج الذي نحن بصدده سيقرّ بحقائق إدارة هذه المؤسسات على مدى الوقت، وقد يكون متجاوباً مع احتياجات جميع حملة الأسهم؛ وليس فقط هؤلاء الأكثر صخباً في لحظة معينة. ونعرض فيما يلي ثمانية مقترحات تقدم مجتمعة أساساً مختلفاً وأكثر واقعية، من أجل حوكمة الشركات وشكل انخراط المساهمين.

1- تعتبر الشركات مؤسسات معقدة يعتمد أداؤها الفعال على مديرين وقادة موهوبين. يتعلق نجاح القائد بالدوافع الذاتية، والمهارات، والقدرات، والشخصية أكثر من تعلقه بما إذا كان أجره أو أجرها مرتبطاً بعوائد المساهمين أم لا. فإذا كان القادة غير مجهزين للوظيفة، فإن إشراكهم في "مزيد من الخطر" لن يحسن من الوضع بل قد يجعله أسوأ (يكمن جزء من مشكلة دفع الأجر عن طريق الأسهم في أنها تخلط بين مهارة المدير التنفيذي والحظ). تواجه إدارة الشركة تحديات كبيرة (والتي تتنوع بين صياغة الاستراتيجية، وبناء مؤسسة قوية، وتطوير مديرين تنفيذيين موهوبين وتحفيزهم، وتخصيص الموارد بين مشروعات الشركة المتنوعة من أجل إدرار العوائد الآنية والمستقبلية). ومع التركيز على الحوافز باعتبارها العامل الرئيسي لضمان وجود قيادة فعالة، تقلل نظرية الوكالة من هذه التحديات ومن أهمية تطوير الأفراد الذين يستطيعون مواجهتها.

2- تستطيع الشركات أن تزدهر على المدى البعيد فقط إذا كانت بنفسها قادرة على التعلم، والتكيف، والتحول المنتظم. في بعض القطاعات في يومنا الحالي، قد تحتاج الشركات إلى إعادة ابتكار ذاتها من جديد كل خمسة أعوام لتتماشى مع التغيرات التي تطرأ على الأسواق، أو المنافسة، أو التكنولوجيا. تزداد صعوبة التغيرات من هذا النوع، والتي هي صعبة في الأساس، من جراء الفكرة التي تفيد بأن الإدارة تتعلق بتخويل الأفراد حقوقاً ثابتة لاتخاذ القرارات، وإعطائهم أهدافاً محددة، وتقديم الحوافز إليهم من أجل تحقيق هذه الأهداف، ثم سداد أجورهم (أو لا) استناداً إلى تحقق هذه الأهداف من عدمه. تفترض هذه النظرة مسبقاً درجة من القدرة على التنبؤ والتسلسل الهرمي والاستقلالية في تنفيذ المهمة، وهي نادرة في مؤسسات العصر الحالي. تتضمن أغلب المهام تعاوناً عبر الخطوط التنظيمية، مما يصعّب من ترسيخ رابط واضح بين إسهامات الأفراد والنتائج المحددة.

3- تؤدي الشركات وظائف عديدة في المجتمع. إحدى هذه الوظائف هي تقديم فرص الاستثمار وتوليد الثروات، لكن الشركات تنتج أيضاً خدمات وبضائع، وتقدم وظائف، وتطور صور التكنولوجيا، وتدفع الضرائب، وتقدم إسهامات أخرى للمجتمعات التي تعمل فيها. لذا فإن تمييز أحد هذه الوظائف واعتبارها "الغرض من الشركة" قد يكشف الكثير عمن ينادي بهذا الطرح أكثر مما يكشف طبيعة عمل الشركة. ينجذب اقتصاديو نموذج الوكالة، على ما يبدو، نحو تعظيم ثروة المساهمين باعتبارها الهدف المركزي. يميل العاملون في التسويق إلى تفضيل العملاء. فيما يتكئ المهندسون على الابتكار والتميز في أداء المنتج. ومن المنظور الاجتماعي، قد تكون السمة الأهم للشركة أن يتم أداء جميع هذه الوظائف معاً بمرور الوقت. وبوصفها مسألة تاريخية، كان الهدف الرئيسي للشركة – الذي انعكس في المناقشات حول المسؤولية المحدودة وتشريعات التأسيس العامة – هو تسهيل النمو الاقتصادي من خلال تمكين المشروعات التي تطلبت استثماراً طويل الأجل والمشروعات ذات النطاق الواسع.

4- تمتلك الشركات أهدافاً مختلفة واستراتيجيات مختلفة لتحقيق هذه الأهداف. يختلف الهدف من الشركات (في العموم) من المنظور المجتمعي عن هدف كل شركة (على وجه التخصيص) الذي يراه مؤسسوها أو مديروها أو الجهات المسؤولة. مثلما تتنوع الأهداف والاستراتيجيات لكل شركة على حدة تنوعاً كبيراً، فينبغي أيضاً أن تتنوع مقاييس الأداء المتعلقة بها. علاوة على ذلك، تتغير استراتيجيات الشركات بشكل مستمر مع تغير الأسواق. كما أن أي صورة من صور المبالغة في التأكيد على عوائد حقوق المساهمين باعتبارها وسيلة للقياس ولمقارنة أداء الشركة – يمكن أن تحرّف تخصيص الموارد وتقوض قدرة الشركة على تحقيق استراتيجيتها المختارة.

5- ينبغي أن تحقق الشركات قيمة للدوائر المتعددة. في أي نظام سوق حر، تنجح الشركات فقط إذا كان العملاء يريدون شراء المنتجات، وإذا كان الموظفون يرغبون في العمل لديهم، وإذا كان الموردون يريدون أن يدخلوا معهم في علاقات شراكة، وإذا كان المساهمون يريدون شراء أسهمهم، وإذا كانت المجتمعات تريد وجودهم. ويشكل إدراك طريقة للإبقاء على هذه العلاقات وتحديد التوقيت الذي يكون من الضروري فيه إجراء المقايضات بين مصالح المجموعات المتنوعة – تحدياً أمام إدارة الشركة. تبسّط طريقة اتخاذ القرار التي تتضمنها نظرية الوكالة – التي تقول أن المديرين ينبغي عليهم دائماً أن يرفعوا من حقوق المساهمين – من هذا التحدي تبسيطاً مبالغاً فيه وتؤدي في نهاية المطاف إلى التقصير بشكل ممنهج في الاستثمار في علاقات أخرى هامة.

6- ينبغي أن تكون لدى الشركات معايير أخلاقية لضبط شكل التفاعل بين جميع دوائرها، بما فيها المساهمين والمجتمع عموماً. يعد الالتزام بهذه المعايير، التي تتجاوز مسألة التسامح مع الاحتيال والتواطؤ، جوهرياً من أجل كسب الثقة التي تحتاجها الشركات لأداء وظيفتها بنجاعة مع مرور الوقت. على الجانب الآخر، يمكن أن تتسبب ازدواجية نظرية الوكالة، فيما يتعلق بمبادئ الشركة، في تعريض الشركة للسلوكيات التدميرية بل والإجرامية؛ التي تولد حاجةً للوائح التنظيمية المكلفة التي ينتقدها بشدة مناصرو نظرية الوكالة.

7- تندمج الشركات في نظام سياسي واجتماعي اقتصادي تُعد سلامته ضرورية لاستمرارها. لقد كتبنا في أماكن أخرى عن العواقب المدمرة، التي تكون في الغالب مدمرة ذاتياً، نتيجة للامبالاة التي تبديها الشركة أمام العوامل الخارجية السلبية التي تنتجها أنشطتها. وقد توصلنا أيضاً إلى أن المشكلات المجتمعية والمشكلات التي تطرأ على مستوى النظام يمكن أن تكون مصدراً للخطورة والفرصة أيضاً أمام الشركات. ولننظر مثلاً إلى حملة "إيكوماجينيشن" التي أطلقتها شركة "جنرال إلكتريك" للتعاطي مع التحديات البيئية، أو استراتيجية شركة "تشاينا موبايل" لتوفير شبكات الاتصال في الأماكن الريفية، التي ساعدت في تضييق الفجوة الرقمية بين سكان الريف وسكان المدن في الصين، كما دعمت نمو الشركة لما يقارب نصف عقد من الزمن. فإصرار نظرية الوكالة على أن الشركات (لأنها شخصيات اعتبارية) لا يمكن أن تكون لديها مسؤوليات اجتماعية وأن المشكلات المجتمعية خارجة عن اختصاصات المشروع (وينبغي أن تُترك إلى الحكومة) – ينتج عنه ضيق في الرؤية تمنع قادة الشركة من رؤية المخاطر والفرص، عدا عن التصرف حيالها.

8- تختلف مصالح الشركة عن مصالح أي مساهم محدد أو مجموعة دوائر محددة. في بدايات عام 1610، أدرك قادة شركة الهند الشرقية الهولندية أن المساهمين الذين سيبقون حاملين للأسهم لمدة عشر سنوات قد يكونون غير متحمسين بشأن استثمار الشركة لمواردها في المشروعات طويلة الأجل التي يُحتمل أن تبدأ في إدرار الأموال في الدورة الزمنية الثانية – من أصل دورتين زمنيتين تستغرق كل منها عشر سنوات – والتي تسمح بها اللائحة الأصلية. وكان الحل، الذي اقترحه أحد المسؤولين، هو عدم التركيز على مستثمري السنوات العشر الأولى، بل على الأهداف الاستراتيجية للشركة، التي تعني في هذه الحالة الاستثمار في المشروعات طويلة الأجل كي تبقي على وضع الشركة في آسيا.  فالفكرة التي تقول إن جميع المساهمين يمتلكون نفس المصالح وأن هذه المصالح هي في حد ذاتها مصالح الشركة تنضوي على اختلافات جوهرية. كما أنها تقدم غطاءً نظرياً للمساهمين الأقوياء الذين يسعون إلى تحويل الشركة كي تسير وفقاً لأهدافهم الخاصة بينما يزعمون أنها تتصرف نيابة عن المساهمين.

تؤكد هذه المقترحات على الحاجة لإيجاد منهج حوكمة يأخذ الشركة على محمل الجد بوصفها مؤسسة ضمن المجتمع ويتأسس وفقاً للأداء المستدام للشركة. وتشير أيضاَ إلى دورٍ قويٍ تضطلع به مجالس الإدارة، وإلى نظام مساءلة للمجالس والمديرين التنفيذيين يشمل مساءلة المساهمين، بل ويكون أوسع من ذلك. في هذا النموذج الذي تتضمنه هذه المقترحات، ستتبنى المجالس وقادة المشروعات نهجاً مختلفاً اختلافاً جوهرياً لمثل هذه المهام الرئيسية التي تتكون من تطوير الاستراتيجية، وتخصيص الموارد، وتقييم الأداء، ومشاركة المساهمين. على سبيل المثال، قد يُتوقع من المساهمين أن يستغرقوا وقتاً أطول من أجل النظر في صياغة استراتيجية وتخصيص الموارد.

لم يُطوَّر النموذج الجديد كلياً بعد، إلا أن الأسس المفاهيمية يمكن أن تذكر جملة بدون تفصيل. مثلما هو موضح في الملحق "مقاربات متباينة لحوكمة الشركة"، يقتفي النموذج المرتكز على الشركة، والذي ارتأيناه، أثر قانون الشركات الأساسي في الافتراض بأن الشركة هي كيانٌ مستقل، وأن سلطة الإدارة تأتي من الهيئة الإدارية للشركة وتأتي في نهاية المطاف من القانون، وأن المديرين مؤتمنون (وليسوا وكلاء) وبالتالي هم ملتزمون بالتحرك من أجل تحقيق أفضل مصالح الشركة ومساهميها (التي لا تشبه تحقيق رغبات حتى أغلبية المساهمين). يقرّ هذا النموذج بتعددية أهداف المساهمين والأدوار المتنوعة التي تلعبها الشركة في المجتمع. إننا نؤمن أنها تتوافق، بصورة أفضل من الصورة التي تتوافق بها نظرية الوكالة، مع حقائق إدارة الشركة من أجل تحقيق النجاح بمرور الوقت، ومن ثم تكون أكثر اتساقاً مع الهدف الأصيل للشركة والإمكانية الفريدة بوصفها وسيلة للمشروعات التي تتضمن استثمارات طويلة الأجل وعلى نطاق واسع.

تعتبر آثار نموذج الحوكمة المرتكز على الشركة بعيدة المدى. إذ إننا نتوقع أن نرى بعضاً أو ربما كل هذه الخصائص في مجالس الإدارة التي تتبنى هذا النهج:

  • احتمالية أكبر لوجود مجلس متعاقب ليسهل استمرار وتحويل المعرفة المؤسسية.

  • المزيد من إيلاء الاهتمام على مستوى المجلس لتخطيط تعاقب الموظفين وتطوير القيادة.

  • المزيد من الوقت الذي يكرسه المجلس من أجل استراتيجيات الشركة لاستمرار نمو الشركة وتجديدها.

  • روابط أقرب بين أجور المديرين التنفيذيين وتحقيق الأهداف الاستراتيجية للشركة.

  • المزيد من إيلاء الاهتمام لتحليل المخاطر ودرجات عدم الاستقرار السياسي والبيئي.

  • نهج استراتيجي (بدلاً من أن يكون مالياً صرفاً) بشأن تخصيص الموارد.

  • تركيز أكبر على الاستثمارات في الابتكار والقدرات الجديدة.

  • استخدام أكثر تحفظاً للرافعة المالية باعتبارها تدبيراً احترازياً أمام تقلبات الأسواق.

  • الاهتمام بواجبات المواطنة التي تلتزم بها الشركة وأيضاً المسائل الأخلاقية التي تتجاوز الامتثال للقوانين.


لن يؤدي نموذج الحوكمة المرتكز على الشركة إلى إعفاء الشركات من الحاجة إلى تقديم عائد خلال فترة زمنية، والذي يعكس تكلفة رأس المال. ولكنه سيسمح لها بالمزيد من الانفتاح أمام مجموعة من المواقف الاستراتيجية والآفاق الزمنية، بالإضافة إلى سهولة جذب المستثمرين ذوي الأهداف المشتركة. سوف يسعى المضاربون على الدوام إلى استغلال التغيرات في سعر السهم، ولكن لا شك أنهم سوف يؤثرون على جميع نماذج حوكمة الشركات. يقتصر الأمر على أن نظرية الوكالة، ممزوجةً مع نظريات أخرى للاقتصاد الحديث، محت الفروق بين المستثمرين وحولتنا جميعاً إلى مضاربين. وإذا قُبل نموذجنا سيكون لدى المضاربين فرصة أقل لتحقيق الربح عن طريق تحويل أوراق اللعب طويلة الأجل إلى مصادر لتحقيق أرباح مرتفعة ولرفع سعر السهم على المدى القريب. إذ إن الآراء التي تشرعن الهجوم على مثل هذا النموذج من قبل أطراف غير مسؤولة، من ذوي الممتلكات المبهمة – ستفقد زخمها. يمكننا أن نتخيل سلالة جديدة من المستثمرين ومديري الأصول الذين سيركزون صراحة على الاستثمار طويل الأجل. قد يطورون نماذج تقييم جديدة تتطلع إلى نظرة أوسع لآفاق الشركة أو تجعل اختصاص التقييم مُنصباً على الابتكارات والآفاق غير الملموسة التي يصعب تقييمها – وأيضاً العوامل الخارجية المكلفة – والتي يجري تجاهلها في النماذج المعاصرة. قد يريدون أن يحصلوا على أسهم في الشركات التي تتعهد بثبات واستمرار العوائد، وتتصرف هذه الشركات باعتبارها شركات مواطنة صالحة. قد يظهر مستشارو الوكالة لخدمة مثل هؤلاء المستثمرين. كما سنتوقع أيضاً أن نجد دعماً أكبر للتدابير اللازمة لتعزيز قضية مساءلة المساهمين. على سبيل المثال، قد يُعامَل المساهمون النشطون، الذين يسعون وراء إحداث التأثير الكبير أو الرقابة، على أنهم مؤتمنون على الشركة أو على أنهم محدودو القدرة فيما يتعلق بالبيع أو وقاية قيمة أسهمهم. وقد تميل الجهات التنظيمية نحو الدعوة إلى المزيد من الشفافية فيما يتعلق بالمالكين المستفيدين من الأسهم. وعلى وجه الخصوص، قد يُطلب أن تفصح صناديق الاستثمار النشطة عن هويات مستثمريها وأن تقدم معلومات إضافية حول طبيعة الحوكمة الخاصة بها. وقد تغلق الجهات التنظيمية نافذة العشرة أيام المتاحة حالياً بين حيازة إحدى صناديق التحوط لحصة يمكن الإفصاح عنها وبين الوقت الذي يجب أن يُفصَح فيه فعلياً عن الحيازة. حتى هذه اللحظة، واجهت جهود غلق هذه النافذة معارضة من أنصار نظرية الوكالة الذين يجادلون بأنها ضرورية كي تعطي صناديق التحوط الحافز الكافي للانخراط في الجهود المكلفة كي تتخلص من المديرين منخفضي الأداء.

لقد حان الوقت لتحدي نموذج حوكمة الشركات القائم على نظرية الوكالة. إذ إن شعار تعظيم حقوق وعوائد المساهمين يشتت انتباه الشركات ويشتت انتباه قادتها بعيداً عن الابتكار والتجديد الاستراتيجي والاستثمار في المستقبل، وهو جوانب تتطلب قدراً أكبر من الاهتمام. لقد أثبت لنا التاريخ أنه من خلال الإدارة المستنيرة والتشريعات الرشيدة، يمكن للشركات أن تلعب دوراً مفيداً في مساعدة المجتمع على التكيف مع التغيير المستمر. بيد أن ذلك لا يمكن أن يحدث إلا عندما يمتلك أعضاء الإدارة العليا والمديرون التنفيذيون حرية التصرف الكافية كي يتوصلوا إلى رؤية أوسع وأطول مدىً من أجل الشركة ومشروعاتها. وطالما يواجه قادة اليوم احتمالية حدوث هجمة مفاجئة من "ملّاك" غير مسؤولين، فلن يكون أمامهم سوى القليل من الخيارات التي تقتصر على أن يركزوا على المكان والزمان الحاليين.

قواعد لعبة المستثمرين النشطين


ليس هناك مكان ننظر إليه أفضل من إحدى حملات المستثمرين النشطين، لكي نستوعب نموذج الوكالة في الواقع العملي. يحوز المستثمر النشط، في أولى خطواته، أسهماً في الشركة المستهدفة، والتي تكون في المعتاد من 5% إلى 10% ولكنها أحياناً تكون أقل من 1%. وبعد حيازة الأسهم، يحصل على الحق في إصدار التوجيهات (من أجل زيادة هذه السلطة، سوف ينبه المحافظ المتحوطةالأخرى بأفعاله). تلعب لغة الملكية في المعتاد دوراً بارزاً. فعلى سبيل المثال، هاجم بيل أكمان، مالك شركة "بيرشينج سكوير كابيتال مانجمنت" لإدارة المحافظ الوقائية، مجلس إدارة شركة ألرغان لفشلهم في القيام بالشيء الذي تُدفع الأموال للمديرين من أجل القيام به "باسم ملاك الشركة"؛ وكان تصرفه يمهد الطريق لعملية استيلاء فاليانت للصناعات الدوائية على ألرغان.

قد يتحدى المستثمر النشط مهنية المجلس من خلال مناشدة قواعد نظرية الوكالة في الإدارة. ففي إحدى الخطابات المُرسلة إلى مجلس ألرغان، قال أكمان "لقد أضاعت أفعالكم موارد الشركة، وأجلت إمكانات توليد قيمة كبيرة لصالح المساهمين، وهي محرجة لكم على الصعيدين المهني والشخصي". على الرغم من أن الشركات تختلف في تفاصيلها، تعتبر قواعد لعبة المستثمرين النشطين من أجل زيادة حقوق المساهمين قياسية نسبياً. ووفقاً لما وثقه زملاؤنا إيان غاو وسوراج سرينيفاسان (مع آخرين) في دراستهم التي أُجريت على 800 حملة في شركات أمريكية خلال الفترة منذ عام 2004 وحتى عام 2012، يميل المستثمرون النشطون إلى التركيز على هيكل رأس المال، والاستراتيجية، والحوكمة. كما أنهم ينادون عادة بإجراء مزيج من خفض التكاليف، وإضافة الديون، وإعادة شراء الأسهم، وإصدار  توزيعات الأرباح الخاصة، واستبعاد المشروعات، وإعادة تشكيل مجلس الإدارة، واستبدال الرئيس التنفيذي، وتغيير الاستراتيجية، وبيع الشركة أو أصولها الأساسية.

يعتبر تقليل الضرائب أحد العناصر الأخرى في برامج هؤلاء المستثمرين. إذ إن أي مستثمر نشط يتم تجاهل مطالبه قد يبدأ معركةً بالوكالة في محاولة لتغيير أعضاء مجلس إدارة حاليين، واستبدال مديرين بهم يكونون أكثر استعداداً لتنفيذ دعوات هذا المستثمر. وفي أمثلة قليلة، عرض المستثمرون النشطون مكافآت خاصة على مرشحيهم المختارين في مجلس الإدارة لكي يترشحوا للانتخابات، أو عرضوا عليهم في أمثلة أخرى حوافزاً إضافية لزيادة حقوق المساهمين من مواقعهم الإدارية. تشير معظم الدلائل إلى أن المحافظ المتحوطة حققت نجاحاً كبيراً في تفعيل التغييرات التي سعوا إليها. ووفقاً لما أبلغت به المؤسسات الصناعية، زاد عدد الشركات المستهدفة – بلغ عددها 473 شركة على مستوى العالم في النصف الأول من عام 2016 (بما في ذلك 306 شركة في الولايات المتحدة) بعد أن كان عددها 136 شركة فقط في عام 2010 – كما أن مطالبات هؤلاء المستثمرين تُلبَّى في كثير من الأحيان.

ففي الولايات المتحدة عام 2015، تم تلبية 69% من المطالب ولو بصورة جزئية على أقل تقدير، وهي أعلى نسبة منذ عام 2010. يكتسب المستثمرون النشطاء أيضاً نفوذاً في مجالس الإدارة، حيث فازوا بـ 397 مقعداً في الشركات الأميركية عامي 2014 و2015. على الرغم من أن المحافظ الوقائية لهؤلاء المستثمرين شهدت تدفقات نقدية خارجة تُقدر بحوالي 7.4 مليار دولار في الثلاثة أرباع الأولى لعام 2016، قُدرت الأصول الواقعة تحت إدارتهم بأكثر من 116 مليار دولار في أواخر 2016، والتي ارتفعت من 2.7 مليار في عام 2000.
هذا المقال متاح للمشتركين. للاشتراك يمكنك الضغط هنا

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!