تَعْرِف الشركات المزعزعة أكثر من أي أحد أننا جميعاً عرضة لزعزعة أعمالنا، وبأسرع حتى مما نتخيل. كلنا بحاجة إلى فصل ثانٍ وربما حتى ثالث. تحتل المسرحيات وحيدة الفصل مكانتها في المسرح، غير أنها عموماً ليست واسمة محببة لمشوار العمل أو تاريخ الشركة. التحدي الذي يلوح في الأفق هو التوقيت؛ فغالباً ما نحتاج إلى الانتقال إلى الخطة البديلة بينما ننشغل بتنفيذ الخطة الرئيسة. وما أن تلوح في الأفق حقاً شركة مزعزِعة لنمط مزاولة الأعمال، وإذا لم نكن قد مضينا قدماً بالفعل في الهيمنة على نطاق جديد، فسنجد أنفسنا محاصرين.

لننظر إلى شركة كوستكو Costco كمثال، وهي عبارة عن متجر ضخم حقق نجاحاً منقطع النظير ويعمل تحت مظلة شركة أخرى تُعرف ببساطة باسم "كوست" COST أو حتى Sam’s Club أيضاً، ذراع أعمال متجر وولمارت المُؤَسَّس على النمط عينه. ولقد مر على مزاولة هذيْن المتجريْن الكبيريْن لأعمالهما ثلاثة أو أربعة عقود إلى الآن، حيث زعزعا تجارة التجزئة وأجبرا المنافسين على التكيف مع الثورة التي أحدثاها.

لكن هناك جرس إنذار لوجهات التسوق المشهورة هذه. بالنسبة للذين يترددون على هذه المتاجر، فإن تجربة حروب ساحة الانتظار بالخارج والحركة المرورية العصيبة في ظل تكدس عربات التسوق بالداخل تجعلك تتساءل كيف يمكن لأي إنسان يعتقد أن ثمة مشكلة تتبلور في عصرنا هذا. وبالنسبة للذين لا يألفون منكم تلك الشركات، فإن الأساس المنطقي الرئيس لديها هو أن المتسوقين يشترون عضوية سنوية لـ "النادي" ويمكنهم حينئذ التمتع بخصومات على مجموعة كبيرة من البقالة والسلع المنزلية وغيرها من المنتجات. يجب أن تكون على استعداد للشراء بالجملة، ولكن إذا كنت كذلك، فالوفر الذي ستحققه سيكون مهولاً. فما الذي لا يروق لنا في هذه المنظومة؟

أشياء عديدة كما هو واضح.

أولاً، هذه المتاجر عبارة عن وجهات يقصدها الناس. وموقعها أغلب الظن في مناطق حضرية، ويسهل الوصول إليها من الطرق السريعة من طُرق الخدمة، وتلبي احتياجات التسوق للعائلات الأكبر حجماً عادةً التي تعيش في بيوت أكبر تنتشر في ضواحي المدينة. لكن الوصول إليها ليس ميسوراً كسوق الحي. لم يكن هذا عنصراً مهماً أثناء فترات الذروة؛ فقد كان المتسوقون على استعداد للقيادة لمسافة أطول، ولاسيما طالما أن متجرا كوستكو ونادي سام Sam’s Club يبيعان البنزين بأسعار مغرية، لشراء احتياجاتهم بالجملة واستغلال الخصومات.

لكننا الآن أمسينا في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وتشهد الخصائص السكانية تحولات بطرق ليست في صالح تلك المتاجر. فالمستهلكون الأصليون أصابهم الكبر، وقصد الجيل الأصغر سناً المركز الحضري حيث البيوت/الشقق أصغر حجماً ومناسبة لحجم عائلاتهم، ولم يعد الشراء بالجملة مغرياً بالنسبة لهم. إذا كانت لديك مساحة تخزين محدودة جداً، فالأرجح أنك لن تعمد إلى شراء درزينات من ورق المراحيض — وهو المنتج الأكثر مبيعاً بمتجر كوستكو — مرة واحدة. وعلى الأقل ثمة عنصر واحد من كل خصيصة سكانية، بدايةً من خريجي الجامعات وحتى الآباء الذين استقل عنهم أبناؤهم، بدأت تقيم وزناً لحياة "البساطة". فهي أقل إهداراً للموارد، سواء موارد الفرد أو العائلة، وكذلك موارد العالم ككل.

إن هذه التفضيلات المتطورة للأجيال المتعاقبة، أو حتى في الجيل نفسه في مراحل حياتية مختلفة، دقيقة جداً وغير محسوسة غير أنها قوية في نهاية المطاف. وهي واحدة من المحفزات الأساسية للابتكار وتعطيل نمط الحياة السائد؛ ثمة أولويات جديدة تظهر وتخلق احتياجات بانتظار أن تُلبى وتفتح الباب أمام مجالات جديدة ليست حافلة بالمنافسين بعد. لكن هذه التغيرات أيضاً تمثل تحدياً كبيراً للشركات الراسخة والراكنة إلى وضع لا يتطور بحيث يواكب تلك التغيرات. لقد كتبت مؤخراً عن طول عمر شركة ماكدونالدز، ولاسيما منتجها "بيج ماك"، التي شارفت على الخمسين عام. وبعدها بفترة وجيزة، صادفت بيانات مُنذرة بأفول نجم الشركة مفادها أن شخصاً واحداً فقط من بين 5 أشخاص من أبناء أوائل الثمانينيات وأوائل الألفية الثانية سبق أن جَرَّبَ شطيرة "بيج ماك" واحدة. وثمة مؤسسات أمريكية تتجاوز ماكدونالدز عمراً حتى أطاحت بها مؤسسات أخرى. ما من أحد في منأى عن ذلك.

إن مشكلة الخصائص السكانية التي تعانيها شركة كوستكو يمكن تذليلها؛ فالمناطق الحضرية لن تختفي بين ليلة وضحاها، مما يسمح بفسحة زمنية للتكيف، والواقع أنها يمكن أن تشهد انبعاثها كما حدث في حالة المراكزالحضرية التي كاد الناس يهجرونها في فترة من الفتات. لا يروق العيش "البسيط" للجميع، وخاصةً في الولايات المتحدة حيث يتجاوز متوسط حجم البيوت الجديدة ما كانت عليه البيوت عام 1973 بـ 1000 قدم مربع، أي قبل سنوات قليلة من بداية نشأة نموذج المتاجر الصغيرة. ومن الواضح أنه ما زالت هناك مساحات لتخزين كل ورق المراحيض هذا، ومن ثم فتلك البيوت بيئة لائقة للذين يبيعون ورق المراحيض بكميات كبيرة.

لكن هذا يفضي بنا إلى المشكلة الثانية التي تواجه متاجر البيع بالجملة الضخمة؛ ألا وهي أنها وجهة يقصدها الناس. وتظل العيوب بغض النظر عن موقع تلك الوجهة بالنسبة للمستهلكين. أتفضل التجول في مساحات شاسعة من أروقة مخزن باعث على الضجر لأغراض التسوق أم أن تطلب ما تريد من خدمة "أمازون برايم" Amazon Prime التي تقدمها شركة أمازون؟ فقد جلبت تلك الخدمة فرصة التسوق التي لم تكن متاحة من قبل سوى في أماكن مثل كوستكو إلى منزلك. وحتى لو كنت من سكان الحضر المخلصين، فإن الشراء من بيتك بما يكفله لك من راحة وأريحية مُفضل أغلب الظن على الجهود والتكاليف المتعددة الضرورية للتسوق في أي مكان بخلاف الإنترنت. ولقد توصلت شركة أمازون أيضاً إلى طريقة لمنافسة ميزة الشراء بالجملة التي تتمتع بها شركة كوستكو؛ ألا وهي خطة الاشتراك التي يمكنك الحصول بموجبها على عبوة جديدة (أصغر حجماً) من ورق المراحيض بشكل منتظم. حُلَّت مشكلتا التخزين والراحة.

ومع ذلك، نجد أن ثمة منافسة تتهدد حتى خدمة Amazon Prime تتمثل في شركات جديدة منافسة. فمن المتوقع أن تظهر شركة Boxed.com كشركة مزَعزِعة حيث تتيح نمط فرصة التسوق بالجملة عبر شبكة الإنترنت نفسه. ورغم أن تلك الشركة لديها حالياً مجموعة محدودة جداً من المنتجات، غير أنها في توسع مستمر ولا تفرض الشركة رسوم عضوية للتسوق. والشحن مجاني للمشتريات التي تتجاوز مبلغاً متواضعاً من المال له حد أدنى. وهناك شركات وليدة للتسوق عبر الإنترنت تقدم تنويعات للتسوق على هذه الفكرة. وفي مناخ يتعين فيه على شركات مثل أمازون حتى أن ينتابها القلق، كيف تتكيف المتاجر الفعلية على أرض الواقع مع السوق المتغيرة؟

إنها لا تتكيف بالمرة، الأمر الذي يسوقنا إلى المشكلة الثالثة الكبرى: بدأ المحللون يلاحظون أن أعداد العضويات الجديدة في تراجع مستمر — فرسوم العضوية مصدر لعائدات مهولة — ناهيك عن أن المبيعات كما هو واضح أقل قوة إذا تراجعت قاعدة العملاء. يبدو أن أكبر نقد ومصدر قلق هو أنه لا توجد خطة بديلة. بناءً على البيانات المتاحة، وفي ظل غياب التغير، هناك تحذيرات متزايدة للمستثمرين حول السلامة المستقبلية لنموذج عمل شركة كوستكو. إن المستثمرين الواعين للحقيقة يعجلون بتراجع الأعمال، ويفاقمون من سوء الأحوال حتى أسرع بكثير من التحول من التركيز السكانيّ الضاحيي إلى الحضري.

ثمة درس مستفاد هنا لنا جميعاً؛ ألا وهو أن الوقت اللازم لصياغة الخطة البديلة، بل والشروع في تنفيذها، هو سلفاً لاحتياجنا لها. إذا انتظرنا لحين تراجع النمو أو لحين وقوع الكساد أو حدوث التحول المستقبلي، فسنكون عرضة لخطر التخلف عن الركب. في منتصف عرض الفصل الأول من المسرحية، وقبل أن يُسدل الستار بفترة طويلة، يتعين علينا إعداد الملابس للفصل الثاني وتجهيز الأدوات المساعدة. انظر إلى الموسيقيين المشهورين تاريخياً على أنهم عجائب لن تتكرر. ربما أن النجاح العابر كان أفضل من الفشل الذريع، لكنه ليس النتيجة المذهلة التي نعقد الآمال على تحقيقها.
هذا المقال متاح للمشتركين. للاشتراك يمكنك الضغط هنا

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!