كيف أثرت كذبة اختفاء المسافات بفعل العولمة في التوسع التجاري العالمي؟

17 دقيقة
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

حينما استهلت قناة “ستار تي في” (Star TV) عملها في عام 1991، بدت وكأنها استثمار مؤكد النجاح. إذ كانت الخطة واضحة ومباشرة، حيث تقوم الشركة بتقديم البرامج التلفزيونية لجمهور آسيوي متعطش للوسائل الإعلامية. وكان من المقرر أن تستهدف القناة نسبة الـ 5% الأعلى في الهرم الاجتماعي والاقتصادي في قارة آسيا، وهي نخبة حديثة العهد بالثراء، والتي تقتصر قدرتها على تكفل شراء الخدمات فحسب، بل تمثل أيضاً سوقاً جاذبة للإعلان. وسهّل الأمر أن اللغة الإنجليزية كانت اللغة الثانية لمعظم المستهلكين المستهدفين، لذلك سيكون بوسع قناة “ستار تي في” استخدام برامج اللغة الإنجليزية الرخيصة والمتوفرة بسهولة، بدلاً من الاضطرار إلى استثمار مبالغ ضخمة في استحداث برامج محلية جديدة. علاوة على أن القناة كانت ستكسر قيود البُعد الجغرافي الذي كان حتى ذلك الحين يُبقي المذيعين التقليديين خارج قارة آسيا، وذلك بأنها ستستخدم الأقمار الصناعية في إرسال البرامج إلى منازل الجمهور. تبدو الخطة رائعة، وبالفعل قد أبهرت روبرت مردوخ، قطب الإعلام، خاصة مع وجود عنصر مغري آخر، وهو إمكانية الاستفادة من مكتبة أفلام شركته “توينتياث سينتشري فوكس” (Twentieth Century Fox) في السوق الآسيوية، حيث اشترت شركته “نيوز كوربوريشن” (News Corporation) حصة مؤسسي شركة “ستار” مقابل 825 مليون دولار بين عامَي 1993 و 1995.

لكنّ لم تأتي النتائج كما توقعها مردوخ. إذ أفادت التقارير أنّ قناة “ستار” خسرت 141 مليون دولار قبل الضرائب، على عائدات بلغت 111 مليون دولار في السنة المالية المنتهية في 30 يونيو/ حزيران عام 1999. وبلغت الخسائر في الأعوام المالية من 1996 إلى 1999 حوالي 500 مليون دولار، دون أن تشمل تلك الخسائر في المشاريع المشتركة مثل قناة “فينيكس تي في” (Phoenix TV) في الصين. لقد كانت قناة “ستار” كارثة كبرى، وعلى رغم ذلك، فهي ليست الوحيدة، وإنما تظهر قصص مماثلة طوال الوقت، مع مواصلة الشركات للتوسع العالمي. ويُعزى سبب اتجاه الشركات لموجة التوسع العالمي، إلى أنّها ببساطة، شأنها في ذلك شأن شركة “ستار”، تبالغ في تقدير جاذبية الأسواق الأجنبية. إذ تنبهر هذه الشركات بالحجم الهائل للأسواق غير المستغلَة بالخارج، ولكنها تغفل الصعوبات الكبيرة في تلك المناطق الجديدة، التي غالباً ما تكون مختلفة للغاية. وتكمن المشكلة في الأدوات التحليلية التي يعتمد عليها المدراء في إصدار الأحكام بشأن الاستثمارات على مستوى عالمي، وتقلل هذه الأدوات باستمرار من تكاليف ممارسة الأعمال التجارية على الصعيد العالمي. ومن أبرز هذه الأدوات هي “تحليل الحافظة القُطرية” (CPA)، وهو أسلوب عتيق، لكنه على رغم ذلك لا يزال يُستخدم على نطاق واسع، بغرض تحديد الأماكن التي ينبغي أن تنافس فيها الشركة. ويَنصَب تركيز تحليل الحافظة القُطرية على المبيعات المحتملة من خلال التركيز على الناتج المحلي الإجمالي للبلد، ومستويات ثروات المستهلكين، ونزعة الأشخاص للاستهلاك. ولكنه يتجاهل تكاليف ممارسة الأعمال التجارية في سوق جديدة والمخاطر المترتبة عليها.

وتنجُم معظم هذه التكاليف والمخاطر عن العقبات الناتجة عن المسافات. ولا أقصد بالمسافات هنا الفواصل الجغرافية فحسب، على الرغم من أهميتها. ولكن للمسافات أبعاداً ثقافية، أو إدارية، أو سياسية واقتصادية يمكن أن تتحكم في الأسواق الخارجية، فتجعلها أكثر أو أقل جاذبية بشكل ملموس. إذاً تمتلك هذه المسافات أثراً بشأن الاستثمار في الأسواق الخارجية، فما مقداره؟ أجرى خبيرا الاقتصاد جيفري فرانكل وأندرو روز دراسة حول مدى تأثير العوامل المختلفة على التدفقات التجارية للبلد. وأشارت تلك الدراسة إلى أنّ العوامل الاقتصادية التقليدية، مثل ثروة البلد ومساحته لا تزال مهمة، حيث تؤدي الزيادة بنسبة 1% في أي من هذه المقاييس إلى زيادة في ممارسة الأعمال التجارية بنسبة 0.7% إلى 0.8%. لكنْ تبيّن أنّ العوامل الأخرى المتعلقة بالمسافات تحظى بأهمية أكبر. إذ إنّ مقدار التبادل التجاري بين البلدان التي تفصل بينها مسافة 5,000 ميل يبلغ 20% فقط من حجم التبادل التجاري المتوقع أن يحدث إذا كانت المسافة التي تفصل بين البلدين نفسيهما هي 1,000 ميل. وبيّنت الدراسة أنّ المسافات الثقافية والإدارية تنجم عنها آثار أكبر. حيث من المرجح أن تمارس الشركة أعمالاً تجارية مع دولة كانت مستعمرة سابقة لبلد الشركة، على سبيل المثال، أكثر بعشرة أضعاف من دولة لا تربطها بها مثل هذه العلاقات. وتزيد العملة المشتركة ممارسة الأعمال التجارية بنسبة 340%. وتزيد العضوية المشتركة في كتلة تجارية إقليمية ممارسة الأعمال التجارية بنسبة 330%، وهلم جرا. (للاطلاع على ملخص عن النتائج التي توصل إليها فرانكل وروز، يرجى الاطلاع على الإطار بعنوان “قياس تأثير المسافة”)

كثُر الحديث في السنوات الأخيرة حول تلاشي المسافات. إذ قيل إنّ تكنولوجيا المعلومات، ولا سيّما الاتصالات على صعيد عالمي، قلصت العالم وحوّلته إلى مكان صغير ومتجانس نسبياً. ولكن عندما يتعلق الأمر بالأعمال، فهذا الأمر ليس افتراضاً خاطئاً فحسب، بل إنه افتراض خطير. إذ لا تزال المسافات أمراً في غاية الأهمية، ويجب على الشركات أن تضعها في الحسبان بشكل واضح وبصورة شاملة عندما تتخذ قرارات بشأن التوسع العالمي. ويتطلب ذلك التخفيف من التحليل التقليدي المعتمد على الحافظة المالية للبلدان، من خلال تقييم واضح لأبعاد المسافات الأربع، وأثرها المحتمل على الفرص المتوفرة في الأسواق الأجنبية.

الأبعاد الأربعة للمسافات

يمكن أن تتجلى المسافات بين بلدين وفق أربعة أبعاد أساسية، وهي: الأبعاد الثقافية، والإدارية، والجغرافية، والاقتصادية. يؤثر كل بُعد منهم على مختلف الشركات بطرق مختلفة. إذ تؤثر المسافات الجغرافية، على سبيل المثال، على تكاليف النقل والاتصالات. لذا، فهي ذات أهمية خاصة للشركات التي تتعامل مع المنتجات الثقيلة أو الضخمة، أو الشركات التي تتطلب عملياتها درجة عالية من التنسيق بين الأشخاص أو الأنشطة الموزعة في مناطق متباعدة. وفي المقابل، تؤثر المسافات الثقافية على تفضيلات المستهلكين بشأن المنتجات. ويعد هذا الأمر أحد الاعتبارات المهمة لأي شركة متخصصة في السلع الاستهلاكية أو لشركة إعلامية، ولكنه أقل أهمية بالنسبة إلى شركة للإسمنت أو الصلب.

وينطوي كل بُعد من أبعاد المسافة على العديد من العوامل المختلفة، بعضها واضح تماماً والبعض الآخر خفي إلى حد بعيد، وتوضح الصورة التالية بعنوان “إطار المسافات” لمحة عامة عن العوامل والسبل التي تؤثر بها على صناعات معينة، حيث يورد الجزء العلوي من الجدول الخصائص الرئيسة التي تُبرز الأبعاد الأربعة للمسافة. بينما يُظهر الجزء السفلي كيفية تأثيرها على المنتجات والصناعات المختلفة.

وسأراجع، في هذه المقالة، الأبعاد الأربعة الرئيسة للمسافات، بدءاً من البُعدين اللذين لا يحظيان بالعناية اللازمة، وهما المسافات الثقافية والمسافات الإدارية.

1-المسافات الثقافية

تحدد الخصائص الثقافية للبلد كيفية تفاعل الأشخاص مع بعضهم البعض، وكذلك مع الشركات والمؤسسات. فمن شأن الاختلافات في كل من المعتقدات الدينية والعرق والأعراف الاجتماعية واللغة أن تخلق مسافات بين البلدان. وفي الواقع، يمكن أن يكون لها أثر كبير على ممارسة الأعمال التجارية. إذ بافتراض التساوي في جميع العوامل الأخرى، ستكون التجارة بين البلدان التي تحظى بلغة مشتركة، على سبيل المثال، أكبر بثلاث مرات من التجارة بين البلدان التي لا تتحدث لغة مشتركة.

بعض الخصائص الثقافية، مثل اللغة، يسهل تصوّرها وفهمها، في حين أنّ البعض الآخر أكثر خفاءً. فمثلاً غالباً ما تكون الأعراف الاجتماعية، وهي نظام متجذر بعمق من المبادئ غير المعلنة والتي توجّه الأفراد في اختياراتهم وتفاعلاتهم اليومية، مخفية تقريباً، حتى للأشخاص الذين يلتزمون بها. لنأخذ، على سبيل المثال، التسامح طويل الأمد للصينيين مع انتهاك حقوق النشر. إذ كما أشار ويليام ألفورد في كتابه “سرقة كتاب يعد جريمة راقية”  (To Steal a Book Is an Elegant Offense) (مطبعة جامعة ستانفورد، 1995)، يعزو الكثير من الأشخاص هذا العُرف الاجتماعي إلى الماضي الشيوعي للصين. ويبيّن ألفورد أنّ هذا الأمر ينبع على الأرجح من مبدأ كونفوشيوس الذي يشجع على تكرار نتائج المساعي الفكرية السابقة: “أنا أنقل بدلاً من أن أبتكر، أنا أؤمن بالأسلاف وأحبهم”. وفي الواقع، مثّل انتهاك حقوق النشر مشكلة للناشرين الغربيين قبل فترة طويلة من الشيوعية. على سبيل المثال، اكتشفت شركة “ميريام ويبستر” (Merriam Webster) في العشرينيات من القرن الماضي، عندما كانت على وشك تقديم قاموس ثنائي اللغة في الصين، أنّ المطبعة التجارية في مدينة شانغهاي قد بدأت بالفعل في توزيع نسختها الخاصة من القاموس الجديد. وقاضَت شركة النشر الأميركية بدورها المطبعة لدى إحدى المحاكم الصينية. فما كان من المحكمة إلا أن فرضت غرامة صغيرة على استخدام ختم شركة “ميريام ويبستر”، لكنها لم تفعل شيئاً لوقف نشر المطبعة للقاموس. وكما يعلم العاملون خاصة في مجال صناعات السينما والموسيقى، إن هذا الأمر لم يتغير كثيراً. بيدَ إنّ هذا العُرف الاجتماعي يُربك الكثير من الغربيين.

وغالباً ما تخلق الخصائص الثقافية المسافات المقصودة خاصة في الأسواق التجارية، من خلال التأثير على الخيارات التي يتخذها المستهلكون بين المنتجات البديلة بسبب تفضيلاتهم لميزات محددة مرتبطة بثقافتهم. فعلى سبيل المثال، ترتبط الأذواق حيال الألوان، على سبيل المثال، ارتباطاً وثيقاً بالتحيّز الثقافي، فكلمة “ريد” (Red) تعني أيضاً في اللغة الروسية “جميلة”. وتتأثر الصناعات الاستهلاكية المعمرة بالاختلافات في أذواق المستهلكين على هذا المستوى. فمثلاً يفضّل اليابانيون أن تكون السيارات والأجهزة المنزلية صغيرة، ما يعكس عُرفاً اجتماعياً شائعاً في البلدان التي تولي أهمية كبيرة للمساحة.

بل هناك منتجات، في بعض الأحيان، تلمس وتراً أعمق، ما يؤدي إلى ظهور ارتباطات متعلقة بهوية المستهلك كعضو في مجتمع معين. وفي هذه الحالات، تؤثر المسافات الثقافية، على فئات كاملة من المنتجات. ولعل أبرز مثال هو تأثر صناعة المواد الغذائية بالخصائص الدينية للمجتمعات. إذ إنّ الهندوس، على سبيل المثال، لا يأكلون لحوم الأبقار لأنها ممنوعة بشكل صريح في ديانتهم. وعلى الرغم أنه من السهل تحديد المنتجات التي تثير استجابة قوية من هذا النوع، إلا أن بعض الدول تقدم بعض المفاجآت أحياناً، ففي اليابان، يحمل الأرز، الذي يعامله الأميركيون كسلعة، قدراً هائلاَ من الثقل الثقافي.

وبالعودة إلى كارثة قناة “ستار تي في”، فقد كان تجاهل المسافات الثقافية هو أحد أكبر الأخطاء التي ارتكبها القائمون عليها. إذ افترضت الشركة أنّ مجال العمل التلفزيوني غير حساس تجاه الثقافة، بافتراضها أنّ المشاهدين الآسيويين سيكونون سعداء بمشاهدة البرامج باللغة الإنجليزية. ولكن رفض المدراء أو لم يكونوا على دراية بالأدلة الماثلة في أوروبا، والتي تفيد بأنّ جماهير المشاهدين في البلدان الكبيرة بما يكفي لدعم إنشاء محتوى محلي لأجلها، تفضّل عموماً البرامج التلفزيونية ذات المحتوى المحلي. ولو أنّ قناة “ستار” أخذت المسافة الثقافية في الاعتبار، فربما كان من المتوقع أن تتطلب الصين والهند استثمارات كبيرة في التوطين. فالأمر هو أنّ الاستثمار التجاري التلفزيوني ليس كتجارة الإسمنت.

2-المسافات الإدارية أو السياسية

تؤثر الروابط التاريخية والسياسية التي تتشاركها البلدان على التجارة بينها بشكل كبير. فعلى سبيل المثال، فإنّ الروابط بين البلدان المستعمرِة ومستعمَراتها تعزز التجارة بنسبة 900%، وهو ما قد لا يكون مفاجئاً للغاية بالنظر إلى علاقات بريطانيا المستمرة مع مستعمَراتها السابقة من دول الكومنولث، وعلاقات فرنسا المستمرة مع منطقة الفرنك في غرب إفريقيا، وعلاقات إسبانيا المستمرة مع أميركا اللاتينية. وكذلك يمكن أن تؤدي ترتيبات التجارة التفضيلية والعملة المشتركة والوحدة السياسية أيضاً إلى زيادة التبادل التجاري بأكثر من 300% لكل منها. لن نجد دليلاً أقوى من تكامل الاتحاد الأوروبي، والذي يعد مثالاً رئيساً للجهود المتروية المبذولة لتقليص المسافات الإدارية والسياسية بين الشركاء التجاريين. ولكن هذه العوامل لا تكفي بالطبع لوجود علاقات تجارية جيدة، وإنما يجب أن تكون العلاقات ودية بين البلدين حتى يكون لها أثر إيجابي على التجارة. فمثلاً على الرغم من أنّ الهند وباكستان تشتركان في التاريخ الاستعماري، ناهيك عن الروابط الحدودية واللغوية بينهما، إلا إنّ العداوة المتبادلة بينهما تعني أنّ التجارة بينهما معدومة تقريباً.

ويمكن للبلدان ذاتها أيضاً خلق مسافات إدارية وسياسية من خلال القيام بإجراءات من جانب واحد. وفي الواقع، تشكل سياسات الحكومات، كل على حدة، أكثر الحواجز شيوعاً أمام المنافسة العابرة للحدود. وهناك نوعان من تلك الصعوبات، الأول  أن تنشأ الصعوبات، داخل البلد الأم للشركة. إذ بالنسبة إلى الشركات داخل الولايات المتحدة، على سبيل المثال، فإن الحظر المحلي المفروض على الرشوة، ووصف سياسات الصحة والسلامة والبيئة يمتلك تأثيراً مثبّطاً على أعمالها على الصعيد العالمي.

ولكن النوع الثاني هو الأكثر شيوعاً وهو أنّ حكومة البلد المستهدف هي التي تعزز الحواجز أمام المنافسة الأجنبية بفرض الرسوم الجمركية، والحصص التجارية، والقيود المفروضة على الاستثمار الأجنبي المباشر، والتفضيلات الممنوحة للمنافسين المحليين في شكل إعانات ومحاباة في اللوائح وعمليات الشراء. وفي الغالب تهدف هذه التدابير بشكل صريح إلى حماية الصناعات المحلية، ومن المرجح أن تُنفّذ إذا ما استوفى أحد القطاعات الصناعية المحلية معياراً واحداً أو أكثر من المعايير التالية:

استخدام عدد كبير من الأيدي العاملة.

إذ تتلقى الصناعات التي تمثل كتل التصويت الكبيرة، في كثير من الأحيان، دعم الدولة في شكل حماية الإعانات والواردات. ويُعد المزارعون في أوروبا مثالاً على ذلك.

يُنظر إليها كرمز وطني.

تمثّل بعض الصناعات أو الشركات رموزاً للحداثة والقدرة التنافسية للبلد لما تعكسه من مقدار الوطنية الذي تتحلى به. وهكذا تسببت المواجهة بين شركتَي “بوينغ” (Boeing) و”إيرباص” (Airbus) في الاستيلاء على سوق طائرات الركاب الكبيرة في تأجّج المشاعر على جانبَي المحيط الأطلسي وقد تؤدي إلى حرب تجارية أوسع. وكلما استثمرت الحكومة في قطاع صناعي، زاد احتمال جنوحها إلى اتخاذ تدابير الحماية، وأصبح من الصعب على المستثمر الأجنبي أن يحصل على نقطة انطلاق بها.

تكون أمراً حيوياً للأمن القومي.

تتدخل الحكومات لحماية القطاعات الصناعية التي تعد حيوية للأمن القومي، وخاصة في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة مثل الاتصالات السلكية واللاسلكية والفضاء. إذ قام مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، على سبيل المثال، بتأخير استحواذ شركة “دويتشه تليكوم” (Deutsche Telekom) على شركة “فويس ستريم” (Voicestream) لأسباب تتعلق بالأمن القومي.

تنتج السلع الأساسية.

تتخذ الحكومات أيضاً إجراءات لمنع الشركات الأجنبية من السيطرة على أسواق السلع الأساسية للحياة اليومية لمواطنيها. وتعد المواد الغذائية والوقود والكهرباء أمثلة واضحة على هذه السلع.

كم تبعد الصين فعلاً؟

كما اكتشفت قناة “ستار تي في”، فمن الصعب اقتحام السوق الصينية. ففي دراسة حديثة أجريت على ما يقرب من 100 شركة من الشركات متعددة الجنسيات، اعترفت 54% منها أن الأداء الكلي لأعمالها في الصين كان “أسوأ مما كان مخططاً له”، مقارنة بنسبة 25% فقط منها أفادت بأن أداءها كان “أفضل مما كان مخططاً له”. والسؤال هنا: لماذا كان معدل الفشل مرتفعاً جداً؟ تقدم الدراسة الاستقصائية إجابة متوقعة: إذ أفاد 62% من المشاركين بأنهم بالغوا في تقدير إمكانيات السوق لمنتجاتهم أو خدماتهم.

وقد كان من شأن إجراء تحليل سريع للبلد إلى جانب أبعاد المسافة أن يجنّب تلك الشركات الكثير من خيبة الأمل. فمن الناحية الثقافية، تعتبر الصين مختلفة للغاية جميع البلدان الأخرى تقريباً. أولاً، من الصعب على الأجانب أن يتعلموا العديد من لهجات اللغة الصينية، كما أن مهارات السكان المحليين في اللغات الأجنبية محدودة. ثانياً، تضع ثقافة الأعمال الصينية المتطورة التي تعتمد على العلاقات الشخصية، والتي غالباً ما تُلخَّص في مصطلح “شبكة العلاقات” (Guanxi)، حواجز أمام التبادل الاقتصادي مع الغربيين الذين يركزون على المعاملات بدلاً من العلاقات. بل يمكن القول إن المستهلكين الصينيين “متحيزون للصناعة الوطنية”؛ إذ تشير الأبحاث السوقية إلى أن تفضيل العلامات التجارية الأجنبية أقل بكثير عن العلامات التجارية المحلية مقارنة بما يبدو عليه الحال في الهند، على سبيل المثال. وفي الواقع، يؤدي مفهوم الصين العظمى دوراً غير متناسب في علاقات الصين الاقتصادية مع بقية بلدان العالم.

بل إن العوائق الإدارية تعتبر على الأرجح أكثر أهمية. حيث أشارت دراسة استقصائية أجريت على أعضاء الغرفة التجارية الأميركية في الصين إلى القيود المفروضة على الدخول إلى الأسواق والضرائب المرتفعة والرسوم الجمركية باعتبارها أكبر العوائق التي تحول دون تحقيق الربحية في الصين.

ولا يزال مستوى مشاركة الدولة في الاقتصاد مرتفعاً، في ضوء القيود الاقتصادية الشديدة التي تفرضها الشركات الخاسرة المملوكة للدولة والبنوك المملوكة للدولة المعسرة تقنياً. كما أن الفساد، أيضاً، مشكلة لا يستهان بها. ففي عام 2,000، صنفت منظمة الشفافية الدولية الصين في المرتبة 63 من أصل 90 دولة، بحصولها على الدرجة “1” مما يشير إلى أقل مستويات الفساد إدراكاً. وقد دفعت الاعتبارات مثل هذه العوامل المذكورة شركة “ستاندرد آند بورز” (Standard & Poor’s) إلى وضع الصين في المرتبة الخامسة من حيث المخاطر السياسية في عام 2,000، علماً بأن المرتبة الستة هي أسوأ مرتبة ممكنة.

لذا، فالصين تعتبر سوقاً ضخمة بالفعل، لكن هذا بعيد كل البعد عن كامل الحقيقة. فللمسافة أهميتها أيضاً، إلى جانب الكثير من الأبعاد الأخرى.

وهكذا، فقد كان تجاهل الحساسيات الإدارية والسياسية خطأً كبيراً آخر وقعت فيه قناة “ستار”. إذ إنّ الملكية الأجنبية لشركات البث – حتى في مجتمع مفتوح مثل الولايات المتحدة – دائماً ما تنطوي على أغراض سياسية بسبب قدرة التلفزيون على التأثير على الجمهور. علاوة على أنّه بعد فترة وجيزة من الاستحواذ على الشركة، أعلن روبرت مردوخ، في تسجيل له، أنّ القنوات الفضائية تمثل تهديداً لا لبس فيه للأنظمة الاستبدادية في كل مكان، لأنها سمحت للجمهور بتجاوز مصادر الأخبار التي تسيطر عليها الحكومة. وليس من المستغرب أنّ الحكومة الصينية فرضت حظراً على استقبال خدمات القنوات الفضائية الأجنبية بعد ذلك بوقت قصير. ورغم أن شركة “نيوز كوربوريشن” بدأت في رأب الصدع مع السلطات الصينية، لكنها لم تحقق تقدماً ملحوظاً في بلد يمثل حوالي 60% من العملاء المحتملين لقناة “ستار”. وكان ينبغي لمردوخ من بين جميع الناس أن يتوقع هذه النتيجة، بالنظر إلى خبرته في الولايات المتحدة التي كان مطلوباً منه فيها أن يصبح مواطناً من أجل شراء شركات التلفزيون التي تشكل الآن جوهر شبكة “فوكس”.

تنتج سلعة أو خدمة “مستحقة”.

تنتج بعض الصناعات، ولا سيما قطاع الرعاية الصحية، السلع أو الخدمات التي يعتقد الناس أنهم يستحقونها كحق من حقوق الإنسان الأساسية. وتميل الحكومات في هذه الصناعات إلى التدخل لوضع معايير الجودة ومراقبة الأسعار.

تستغل الموارد الطبيعية.

غالبًا ما يُنظر إلى الأصول العينية للبلد على أنها جزء من التراث الوطني. وبهذه النظرة يمكن بسهولة اعتبار الشركات الأجنبية لصوصاً. ولذا، يمثّل التأميم تهديداً دائماً للشركات الدولية متعددة الجنسيات العاملة في قطاعات النفط والتعدين.

تنطوي على التزامات ذات تكلفة غارقة عالية.

إنّ الصناعات التي تتطلب استثمارات غارقة متعلقة بالبُعد الجغرافي،  كمعامل تكرير النفط أو مصانع صهر الألومنيوم أو خطوط السكك الحديدية، على سبيل المثال، معرّضة بدرجة كبيرة للتدخل من جانب الحكومات المحلية. إذ يوسّع عدم إمكانية التراجع نطاق التعطيلات بمجرد القيام الاستثمار.

وأخيراً، هناك عامل في غاية الأهمية بالنسبة للاستثمار في الخارج، وهو المتعلق بالبنية التحتية المؤسسية، فإذا كانت بنية البلد المستهدف ضعيفة، فإن ذلك من شأنه كبح النشاط الاقتصادي العابر للحدود. وعادة ما تُحجم الشركات عن ممارسة الأعمال التجارية في البلدان المعروفة بالفساد أو الصراع الاجتماعي. حيث تشير بعض الأبحاث إلى أن هذه الظروف تقلل التجارة والاستثمار أكثر بكثير من أية سياسات أو قيود إدارية واضحة. ولكن عندما تكون البنية التحتية المؤسسية للبلد قوية كأن يمتلك نظاماً قانونياً يعمل بشكل جيد، فهو أكثر جاذبية للأجانب.

وهكذا فإن تجاهل الحساسيات الإدارية والسياسية كان خطأً كبيراً آخر وقعت فيه قناة “ستار”. إذ إنّ الملكية الأجنبية لشركات البث – حتى في مجتمع مفتوح مثل الولايات المتحدة – دائماً ما تنطوي على أغراض سياسية بسبب قدرة التلفزيون على التأثير على الجمهور. علاوة على إنّه بعد فترة وجيزة من الاستحواذ على الشركة، أعلن روبرت مردوخ، في تسجيل له، أنّ القنوات الفضائية تمثل تهديداً لا لبس فيه للأنظمة الاستبدادية في كل مكان، لأنها سمحت للجمهور بتجاوز مصادر الأخبار التي تسيطر عليها الحكومة. وليس من المستغرب أنّ الحكومة الصينية فرضت حظراً على استقبال خدمات القنوات الفضائية الأجنبية بعد ذلك بوقت قصير. وعلى الرغم أن شركة “نيوز كوربوريشن” بدأت في رأب الصدع مع السلطات الصينية، لكنها لم تحقق تقدماً ملحوظاً في بلد يمثل حوالي 60% من العملاء المحتملين لقناة “ستار”. وكان ينبغي لمردوخ من بين جميع الناس أن يتوقع هذه النتيجة، بالنظر إلى خبرته في الولايات المتحدة التي كان مطلوباً منه فيها أن يصبح مواطناً من أجل شراء شركات التلفزيون التي تشكل الآن جوهر شبكة “فوكس”.

3-المسافات الجغرافية

بشكل عام، كلما كنت بعيداً عن بلد ما، كان من الصعب ممارسة أعمال تجارية في هذا البلد. ولكن بيدَ أنّ المسافة الجغرافية ليست مجرد مسألة مدى بُعد البلد بالأميال أو الكيلومترات. إذ تتضمن خصائص أخرى يجب مراعاتها مثل المساحة الفعلية للبلد، ومتوسط ​​المسافات داخل البلد إلى الحدود، والوصول إلى الممرات المائية والمحيطات والتضاريس الطبيعية. كما يجب أيضاً مراعاة الخصائص الجغرافية التي يصنعها الإنسان، وعلى الأخص البنية التحتية للنقل والاتصالات في البلد.

وبشكل واضح فإنّ الخصائص الجغرافية تؤثر أيضاً على تكاليف النقل. إذ تتكبّد المنتجات منخفضة القيمة بالنسبة إلى الوزن أو ذات المعدلات الضخمة، مثل الصلب والإسمنت، تكاليف مرتفعة بشكل خاص مع زيادة المسافات الجغرافية. وبالمثل، تصبح تكاليف نقل المنتجات، التي تتسم بالهشاشة أو القابلة للتلف، كبيرة عبر المسافات الطويلة.

ليست المنتجات الملموسة فقط التي تتأثر بالمسافات الجغرافية، وإنما يطال ذلك التأثير السلع والخدمات غير الملموسة أيضاً. إذ تشير إحدى الدراسات الحديثة إلى أنّ تدفقات الأسهم العابرة للحدود بين بلدين تنخفض بشكل كبير مع ازدياد المسافة الجغرافية بينهما. ومن الواضح أنّ هذه الظاهرة لا يمكن تفسيرها بتكاليف النقل، إذ إنّ رأس المال، في نهاية المطاف، ليس سلعة مادية. وفي هذه الحالة فإنّ مستوى البنية التحتية للمعلومات الذي يقاس بشكل مباشر بحركة الاتصالات الهاتفية وعدد فروع البنوك متعددة الجنسيات يمثل الكثير من تأثير المسافة الفعلية على تدفقات الأسهم العابرة للحدود.

ومن المثير للاهتمام أنّ الشركات التي تجد الجغرافيا عائقاً أمام التجارة غالباً ما يُتوقع أن تتحول إلى الاستثمار المباشر في المصانع والمعدات المحلية كوسيلة بديلة للوصول إلى الأسواق المستهدفة في هذا البلد البعيد جغرافياً. ولكن الأبحاث الحالية تشير إلى أنّ هذا النهج قد يكون معيباً، حيث إنّ المسافات الجغرافية تمتلك تأثيراً مثبّطاً، بشكل عام، على تدفقات الاستثمار وكذلك على التدفقات التجارية. وباختصار، من المهم وضع كل من شبكات المعلومات والبنية التحتية للنقل في الاعتبار عند تقييم التأثيرات الجغرافية على النشاط الاقتصادي عبر الحدود.

4-المسافات الاقتصادية

إنّ ثروات المستهلكين أو مستويات دخولهم هي السمة الاقتصادية الأكثر أهمية التي تخلق المسافة بين البلدان، والتي تملك تأثيراً ملحوظاً على مستويات التجارة، وأنواع الشركاء الذين يمارس معهم البلد الأنشطة التجارية. وتشير الأبحاث إلى أنّ البلدان الغنية تشارك في نشاط اقتصادي عابر للحدود أكثر نسبياً، قياساً إلى حجمها الاقتصادي، مقارنة بالبلدان الأكثر فقراً. ويكون معظم هذا النشاط مع البلدان الغنية الأخرى، وفقاً للعلاقة الإيجابية بين نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي والتدفقات التجارية. وحتى تلك الدول الفقيرة تمارس الأنشطة التجارية مع الدول الغنية أكثر مما تفعل مع الدول الفقيرة.

وتخفي هذه الأنماط، بالطبع، الاختلافات في آثار أوجه التباين الاقتصادية، في تكلفة الموارد المالية والبشرية وغيرها من الموارد، وفي نوعيتها. لذلك ينبغي على الشركات، التي تعتمد على وفورات الخبرة والحجم والتوحيد القياسي، أن تركز بشكل أكبر على البلدان التي لديها ملامح اقتصادية مماثلة. ذلك لأنّ هذه البلدان تضطر إلى تكرار نموذج أعمالها الحالي لاستغلال ميزتها التنافسية، التي يصعب نزعها في بلد تختلف فيه مستويات دخل العملاء، وكذلك تكلفة الموارد وجودتها، اختلافاً كبيراً. فعلى سبيل المثال ستكون شركة “وول مارت” (Wal-Mart) في الهند مختلفة تماماً عن شركة “وول مارت” في الولايات المتحدة. لكنّ شركة “وول مارت” في كندا تكاد أن تكون نسخة كربونية منها.

ولكن في الصناعات الأخرى تأتي الميزة التنافسية من المراجحة الاقتصادية، وهي استغلال فروق التكلفة والسعر بين الأسواق. ومن المرجح أن تستهدف الشركات العاملة في الصناعات، التي تتنوع مكونات تكلفتها الرئيسة على نطاق واسع بين البلدان -مثل صناعات الملبوسات والأحذية، حيث تكون تكاليف العمالة ذات أهمية- ذات الملامح الاقتصادية المختلفة للاستثمار أو التجارة.

وسواء توسعت الشركات في الخارج لأغراض التكرار أو المراجحة، تكتشف جميع هذه الشركات أنّ أوجه التباين الكبيرة، سواء في سلاسل التوريد أو قنوات التوزيع، تشكل عائقاً كبيراً أمام الأعمال التجارية. إذ خلصت دراسة حديثة إلى أنّ هوامش التوزيع داخل الولايات المتحدة، وهي عبارة عن تكاليف النقل المحلي والبيع بالجملة والبيع بالتجزئة، تلعب دوراً أكبر​​ في إقامة الحواجز أمام الواردات إلى الولايات المتحدة، مقارنةً بتكاليف النقل الدولي والرسوم الجمركية مجتمعة.

كما يُضفي التعقيد والتغيّر بين البلدان، على نطاق أوسع، ميزة على القدرة على الاستجابة وسرعة الحركة، ما يجعل من الصعب على المنافسين العابرين للحدود، وخاصة المستنسخين، أن يضاهوا أداء المنافسين الذين يركزون على الصعيد المحلي بسبب التعقيد التشغيلي الإضافي. ففي قطاع الأجهزة المنزلية، على سبيل المثال، تحقق شركات مثل شركة “مايتاغ” (Maytag) التي تركز على عدد محدود من المناطق الجغرافية عوائد أفضل بكثير للمستثمرين من شركات مثل شركة “إليكترولوكس” (Electrolux) وشركة “ويرلبول” (Whirlpool)، التي حققت انتشارها الجغرافي على حساب البساطة والربحية. ويبين الجدول التالي السلع الأكثر والأقل حساسية ضمن المسافات:

المسافات الإدارية
اتفاقيات التجارة التفضيلية
المسافات الجغرافية
البُعد الفعلي
المسافات الاقتصادية
الاختلافات في الثروة
الأكثر حساسيةالأكثر حساسيةالأكثر حساسية
الذهب والسلع غير النقديةالتيار الكهربائيتنطوي المسافات الاقتصادية على تقليل التجارة
التيار الكهربائيالغاز والسلع الطبيعية والمصنّعةالمعادن غير الحديدية
القهوة والشاي والكاكاو والتوابلالورق والورق المقوّىالمخصّبات المصنّعة
ألياف المنسوجاتالحيوانات الحيةاللحوم ومستحضرات اللحوم
السكر ومستحضرات السكر والعسلالسكر ومستحضرات السكر والعسلالحديد والصلب
الورق والورق المقوّى
الأقل حساسيةالأقل حساسيةالأقل حساسية
الغاز والسلع الطبيعية والمصنّعةلُب الورق والورق المهدرتنطوي المسافات الاقتصادية على زيادة التجارة
لوازم السفر وحقائب اليد والأحذيةأجهزة التصوير الضوئي والسلع البصرية والساعاتالقهوة والشاي والكاكاو والتوابل
الصرف الصحي والسباكة وأجهزة التدفئة وتجهيزات الإضاءةأجهزة الاتصالات وتسجيل الصوتالزيوت والدهون الحيوانية
الأثاث وقِطع الأثاثالقهوة والشاي والكاكاو والتوابلالأجهزة ومعدات معالجة البيانات المكتبية
الذهب والسلع غير النقديةآلات توليد الطاقة ومعداتها
أجهزة التصوير الضوئي والسلع البصرية والساعات

دراسة حالة عن تأثير المسافات

حينما تأخذ الشركة الأبعاد الأربعة للمسافة في الاعتبار، فإن ذلك من شأنه أن يغيّر تقييمها للجاذبية النسبية للأسواق الأجنبية. وسأعطيكم مثالاً على إحدى الشركات التي غيّرت تقييمها لبعض الأسواق وفقاً لهذه الأبعاد. إنها شركة “تريكون ريستورانتس إنترناشيونال” (Tricon Restaurants International)، وهي ذراع التشغيل الدولي لشركة “تريكون”، وتدير سلاسل مطاعم الوجبات السريعة “بيتزا هت” (Pizza Hut) و”تاكو بيل” (Taco Bell) و”كيه إف سي” (KFC)، والتي انطلقت من شركة “بيبسيكو” (Pepsico) في عام 1997.

عندما أصبحت “تريكون” شركة مستقلة، كانت عمليات شركة “تريكون ريستورانتس إنترناشيونال” واسعة الانتشار، بمطاعمها المنتشرة في 27 دولة. لكنّ ربحية أسواقها كانت متباينة إلى حد كبير، فقد كان مصدر ثلثَي العائدات ونسبة عالية من الأرباح التي حققتها قادمة من سبعة أسواق فقط. وعلاوة على ذلك، فإنّ التدفق النقدي التشغيلي المحدود لشركة “تريكون ريستورانتس إنترناشيونال” والتزامات خدمة الديون الخاصة بشركة “تريكون”، لم يترك لشركة “تريكون ريستورانتس إنترناشيونال” سوى أقل من عُشر مقدار الأموال التي تملكها منافِستها شركة “ماكدونالدز” للاستثمار خارج الولايات المتحدة. ونتيجة لذلك، قرر رئيس شركة “تريكون ريستورانتس إنترناشيونال”، بيت باسي، في عام 1998، ترشيد عملياتها الدولية من خلال تركيز استثماراتها في الأسهم في عدد محدود من الأسواق.

ولكن في أي أسواق؟ وكيف حددت الشركة الأسواق المناسبة؟ تقدم الصورة التوضيحية تحليلاً أولياً لمحفظة الأسواق الدولية لقطاع مطاعم الوجبات السريعة، استناداً إلى البيانات التي تستخدمها شركة “تريكون ريستورانتس إنترناشيونال” في مناقشاتها الإستراتيجية. ويشير التحليل إلى أنّ أكبر أسواق الشركة من حيث حجم الفرص ستكون في الفقاعات الأكبر حجماً في وسط الرسم البياني وإلى يساره.

ولكن في الصورة التوضيحية الأخرى التي تضع أبعاد المسافات في الاعتبار، بيدَ أنّ الخريطة تغيّرت بشكل كبير. وبالنظر في السوق المكسيكية، فإنه باستخدام نهج تحليل الحافظة القُطرية، أي في الخريطة الأولى، تعد المكسيك، التي يبلغ إجمالي استهلاكها للوجبات السريعة 700 مليون دولار، سوقًا صغيرة نسبياً، حيث تحتل المرتبة 16 من بين 20 بلداً. وعندما يقترن ذلك بتقديرات ثروات المستهلكين ونصيب الفرد من الاستهلاك، فإنّ هذا الترتيب يعني أنه يجب على شركة “تريكون ريستورانتس إنترناشيونال” أن تتخلص من استثماراتها هناك. لكن الصورة التالية “تحليل الحافظة القُطرية المعدّل لمراعاة المسافات” تقول خلاف ذلك. إذ إنه عند تعديل أرقام استهلاك الوجبات السريعة لكل بلد حسب البُعد الجغرافي عن مدينة دالاس، وهي قاعدة شركة “تريكون ريستورانتس إنترناشيونال”، ينخفض استهلاك المكسيك أقل من أي بلد آخر، كما قد تتوقعون، نظراً لقرب المكسيك من مدينة دالاس. وبناءً على هذا التعديل، تقفز المكسيك إلى المركز السادس من حيث فرص السوق المتاحة.

أدى إجراء المزيد من التعديلات على الأرقام، لمراعاة الحدود البرية المشتركة والعضوية في اتفاقيات تجارية مع الولايات المتحدة، إلى الدفع بالمكسيك إلى المرتبة الثانية بعد كندا. لكنْ ليست كل التعديلات إيجابية، إذ إنّ التعديل لمراعاة اللغة المشتركة – وهي ليست سمة من سمات المكسيك – دفعت المكسيك إلى التعادل مع المملكة المتحدة في المرتبة الثانية. كما يمكن أيضاً إجراء تعديلات إضافية، لكنّ الرسالة العامة تبقى واضحة. وهي إنه عندما أخذ الشركة المسافات في الاعتبار، بدا حجم فرص السوق المتاحة في المكسيك مختلفاً تماماً. فإذا كانت شركة “تريكون ريستورانتس إنترناشيونال” استخدمت النهج الأول وأغفلت المسافات، لانتهى الأمر بمخططي الشركة بالتخلي عن سوق رئيسة. لكنهم بدلاً من ذلك، خلصوا، على حد تعبير باسي، إلى أنّ “المكسيك هي واحدة من أهم أولويتين أو ثلاث أولويات لشركة تريكون ريستورانتس إنترناشيونال”.

إنّ أخذ آثار المسافات على القطاعات الصناعية في الاعتبار ليست سوى خطوة أولى. إذ ينبغي أن يضع التحليل الكامل في الاعتبار كيف تعمل الخصائص الخاصة بالشركة على زيادة المسافات عن الأسواق الأجنبية أو على تقليلها. فالشركات التي لديها مجموعة كبيرة من المدراء العالميين، على سبيل المثال، ستكون أقل تأثّراً بالاختلافات الثقافية من الشركات التي ينتمي مدراؤها جميعهم إلى البلد الأصلي. وفي حالة شركة “تريكون ريستورانتس إنترناشيونال”، فقد جعل إيلاء الاعتبار للميزات الخاصة بالشركة المكسيك أكثر جاذبية. إذ إنّ لدى الشركة بالفعل أكثر من 80% من منافذها في المكسيك، كما امتلكت حصة قدرها 38% من السوق المحلية، قبل فترة طويلة من شركة “ماكدونالدز”.

وسواء كان التحليل الذي ستقوم به الشركة يقوم على مستوى الصناعة بأكملها أو على مستوى الشركة فقط، فالمضمون هو نفسه، إذ يجب أن يكون المدراء مدركين دائماً للمسافة بكل أبعادها. حيث يهدف إطار المسافة ذي الأبعاد الأربعة إلى مساعدة المدراء على التصدي لهذا التحدي. وعلى الرغم من أنها أداة ذاتية بالضرورة، إلا أنها تمثل مكملاً مهماً للأدوات التي تستخدمها معظم الشركات التي تسعى إلى بناء حافظات أسواقها القطرية أو ترشيدها. إذ يمكن أن تنطوي التكنولوجيا في الواقع على جعل العالم مكاناً أصغر، لكنها لا تلغي التكاليف الحقيقية للمسافة، التي غالباً ما تكون مرتفعة للغاية.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .