الجميع يرتكب أخطاء في العمل، ولكن بعض الأخطاء في الحكم على أمر ما تؤدي إلى عواقب وخيمة تصل إلى الطرد العلني أو الإجبار على تقديم الاستقالة. ولكن حتّى أولئك الذين يرتكبون أخطاء فادحة يحتاجون إلى البحث عن مصدر رزق. فكيف يمكن أن تتجاوز خطأ مهنياً فظيعاً في تقدير الأمور؟ يتوجب عليك أولاً أن تعرف أنّك لست وحدك. في ديسمبر/كانون أول من العام 2015 تحدثت صحيفة النيويورك تايمز عن حفل لجمع التبرعات حضره أهم وألمع الشخصيات من رجال الأعمال في وول ستريت، وذلك في قاعة الاحتفالات الكبرى في فندق هيلتون في نيويورك. وكان رئيس الحفل حينها مايكل ميلكن. لكن وقبل سبعة وعشرين عاماً من هذا الحفل، ظهر في الصحيفة ذاتها خبر آخر أقل مداهنة جاء فيه أنّ "قضية جنائية خطيرة انكشفت في وول ستريت" وأنّ مايكل ميلكن قد بنى ثروة هائلة من سندات مضروبة كبيرة المخاطر جنى منها أكثر من مليار دولار بين عام 1983 حتى عام 1987. وقال الادعاء العام حينها إنّ ميلكن خدع العملاء وأصحاب الأسهم وتلاعب بالسوق وتظاهر بأنّه سيتم الاستيلاء على الشركة. وحكم على ميلكن بعد سلسلة من المحاكمات بالسجن عشر سنوات ودفع غرامات بقيمة 1.1 مليار دولار أميركي (ولكنه في نهاية الأمر قضى سنتين وحسب في السجن، ودفع غرامات أقل بكثير مما فرض عليه بداية). ولكن صار محظوراً عليه أن يعمل في قطاع الأوراق المالية والسندات. وبعد خروجه من السجن ساهم ميلكن في تأسيس ما سمّي في البداية المعرفة كون (The Knowledge Universe) ما أصبح يدعى الآن كيندركير للتعليم (KinderCare Education) وهي أكبر مؤسسة ربحية لرعاية الأطفال في أميركا. لقد كان لميلكن خيارات أخرى كثيرة لإعادة بناء نفسه نظراً لما يتمتع به من ثروة طائلة. بالنتيجة، يمكن استقاء الدروس من الخطوات التي اتخذها هذا الرجل وغيره من الأشخاص الذين أنقذوا مسيرتهم المهنية، سواء بعد أن ارتكبوا مخالفة جنائية جدّية أو غير ذلك من الأخطاء الفادحة. اجعل قصتك تغطي على ماضيك لم يكن بإمكان ميلكن أن يغيّر التاريخ، لكنه كان قادراً على تشكيل قصته الجديدة ليغطي على ذلك التاريخ. لقد أصبح ميلكن المؤسس الشريك لمؤسسة ميلكن فاميلي الخيرية ورئيس مجلس الإدارة في معهد ميلكن. لقد صار معروفاً الآن بأنّه الشخص الذي يمول الأبحاث العلمية المختصة بمكافحة أمراض السرطان والميلانوما وغيرها من الأمراض الخطيرة. وهكذا حلّت صورة "ميلكن رجل الأعمال الخيرية" محل صورة "ميلكن صاحب السجل الإجرامي". ونحن لا نلمّح هنا إلى أنّ ميلكن يمثّل عن سوء قصد دور رجل الأعمال الخيرية، فهو وأفراد من عائلته لديهم معاناة شخصية مع مرض السرطان، وبوسعنا افتراض أنّ لدى الرجل شغفاً حقيقياً برعاية البحوث الطبية ودعمها. وكان ما فعله ناجعاً حين جعل قصة ما تحل محل الأخرى. ولنأخذ مثالاً آخر. أحد العملاء الذي عملت معهم، وهو نائب رئيس إحدى شركات الدواء الكبيرة، اتّهم مرّة بخرق القانون الأميركي لمحاولته تقديم رشوة لمسؤولين أجانب. كانت النتيجة أن فُصل هذا المدير من عمله دون جلبة كبيرة. وكما حصل مع ميلكن لم يكن بوسع هذا الرجل أن يحذف حقيقة أنّه فُصل من عمله وسبب هذه الحادثة من تاريخه. أخذ هذا العميل "إجازة أكاديمية" واستغل وقته في مساعدة الأطفال السوريين العالقين في جزيرة ليسبوس اليونانية، وأثناء إقامته هناك كتب مجموعة تدوينات عن تجاربه مع الأطفال، ثم أصبح ناشطاً يتحدث في المحافل العمومية أمام العالم الذي لم يعد يكترث بهؤلاء اللاجئين. وبعد سنة من انقضاء هذه الإجازة، تابع هذا الرجل مسيرته المهنية كاستشاري في قطاع شركات الصيدلة، ولم تمض سنة أخرى حتى وجد وظيفة لدى أحد عملائه. ليكن لديك وجود جديد على شبكة الإنترنت لا يكفي أن تبدع قصة جديدة، بل عليك أن تحرص على أن تكون هذه القصة قد حيّدت تلك القصة القديمة عنك. ستظهر على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي أخبار سلبية وتعليقات من أناس تعاملت معهم في الماضي، وسيعثر مدراء ومسؤولو التوظيف على هذه المعلومات لو بحثوا عنها. فإن بحثت عن اسمك في الإنترنت ولم تجد إلا معلومات سلبية، يتوجب عليك إذن، أن تجتهد لتغيّر هذه الصورة. ليكن لديك موقعك الخاص، وحاول أن تحدث ملفك الشخصي في موقع لينكد إن، وأنشئ مدوّنة للحديث عن اهتماماتك الجديدة. ولن تجد صعوبة في إنشاء موقع أو مدوّنة على الإنترنت بفضل الخيارات الجاهزة الموجودة، ومع بعض الوقت والجهد ستجد أنّ القصص السلبية لن تظهر في صفحة البحث الأولى وستتراجع لتكون في الصفحة الثانية أو الثالثة من محرك البحث. ماذا تقول لمديرك الجديد؟ يتساءل العديدون في هذه المواقف عن الطريقة الأمثل للحديث مع مدير محتمل عن حقيقة أنّهم فصلوا من عملهم. ينصح بات لينش، صاحب شركة فرونتير جروب للدعم الوظيفي بأن لا يقدّموا الكثير من التفاصيل عند مناقشة ما في مسيرة العمل. بل محاولة تتجنب التطرق إلى هذه المواضيع عند التواصل مع الآخرين أو في مقابلات العمل إن لم تكن مضطراً لذلك. هنالك في المقابل بعض الظروف التي لا يسعك فيها التغاضي عن القضية. قد يُطلب منك مثلاً أن تفسّر فجوة ما في سيرتك المهنية أو يطلع مسؤول التوظيف على هذه المعلومات من الإنترنت أو أحد المعرّفين، أو تجد نفسك تملأ طلب توظيف فيه سؤال عما إذا كنت قد حكمت بجناية أو جنحة ما. إيّاك أن تكذب، لأنك لو كُشفت فقد تكون عرضة للطرد المستحق من العمل، وسيكون عليك حينها أن تعالج أمرين كبيرين بدلاً من واحد. تجنب كذلك أن تضع اللوم على الآخرين. ربما ترى بصدق أنّ ما حصل كان يستحيل تفاديه أو أنّك لم تكن مذنباً، ولكن عليك أن تذكر أنّ الناس قد يساعدون الضحية ولكنهم نادراً ما يقدمون لهم فرصة للعمل. إذا اضطررت لمناقشة القضيّة ولابدّ، حاول إلقاء اللوم على نفسك واذكر ثلاثة أمور تعلمتها من التجربة التي مررت بها. يمكنك مثلاً أن تقول: "أنا أتحمّل المسؤولية كاملة. ولكني تعلمت ثلاثة أشياء من هذا الخطأ: أحتاج إلى سبع ساعات من النوم كي أتمكن من اتخاذ قرار سليم، لأني كنت في تلك الفترة أتخذ قراراتي بمعدل نوم 4 إلى 5 ساعات. والأمر الثاني، عليّ أن أدوّن القرار الذي أفكر به على قصاصة من الورق وأنتظر 24 ساعة بعد ذلك قبل أن أعطي القرار. لقد كان هاري ترومان رئيس الولايات المتحدة الأسبق يفعل ذلك واستفاد من ذلك كثيراً، وأنا أفعل ذلك الآن أيضاً. أما الأمر الثالث فإني أقوم الآن بمراجعة قراراتي وأنا أتخيل صورة والدي وأسأل نفسي: "هل سيكون والدك فخوراً بك لو اتخذت هذا القرار؟". إنّ قيامك بهذا سيظهر بشكل واضح أنك فكرت جيداً بالأخطاء التي ارتكبتها وأنك تغيّرت، وهكذا تساعد هذا المدير المحتمل على تقييم مستوى المخاطرة في حال قبول توظيفك. أما إن قدّمت له كلاماً مبهماً من قبيل: "لن أكرر هذا الخطأ أبداً" فلن يكون ذلك ضمانة كافية في نظره. تقول سوزان شريتون وهي مدربة في مجال التوظيف في سان فرانسيسكو ومؤلفة كتاب "العلامة التجارية الشخصية للدمى" (Personal Branding for Dummies): "لقد تبيّن لي أنّ الشخص لو كان لطيفاً ومستعداً لتحمل المسؤولية عن أخطائه، فإنّ الناس سيظهرون قدراً من التسامح أكبر مما قد نتخيل". ليس ضرورياً أن تتسبّب سقطتك بإنهاء مستقبل المهني تماماً. وحتّى لو كنت ترفض أن توظّف شخصاً ارتكب خطأ كالذي ارتكبته أنت، يتوجب عليك تذكّر أنّ العديد من الناس لا يمانعون أن يمنحوا غيرهم فرصة أخرى.

متابعة القراءة

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!