حلقت العديد من الشركات على جناح الأفكار الثورية، بدءاً من الكاميرا الفورية “بولارويد” إلى الاقتصاد التشاركي كنموذج عمل شركة إير بي إن بي (Airbnb).

وهذا ما فعله الشيف ماسيمو بوتورا الذي أحدث تغييراً جذرياً في المذاق التقليدي في العام 1995 عندما افتتح مطعمه، أوستريا فرانشيسكانا (Osteria Francescana) في مدينة أودينا الإيطالية، وبدأ في تقديم الأطباق الإيطالية المعاد ابتكارها في ظل ثقافة تولي اهتماماً كبيراً بالتقاليد. ولم تكن جرأته محض نجاح عابر. ففي العام 2016 (أي بعد عقدين منذ صموده (البطولي) أمام غضب السكان المحليين)، أصبح المطعم وجهةً مفضلة تحمل ثلاث نجوم ميشلان، وحصل على المركز الأول في قائمة أفضل 50 مطعماً في العالم. وحصل مؤخراً على المركز الأول للمرة الثانية.

ما كان يبدو خطوة محفوفة بالمخاطر في ذلك الوقت هو التمرد على الوصفات المحبوبة التي توارثتها الأجيال، إلا أن تلك الخطوة استطاعت أن تجعل من بوتورا نجماً. وكان من الممكن لهذا النجاح أن يولد شعوراً بالرضا عن الوضع القائم ثم الفشل، كما يحدث في كثير من الأحيان في الشركات من مختلف المجالات. وبدلاً من ذلك، مهدّ النجاح في أوستريا فرانشيسكانا الطريق لمزيد من الابتكار. ليقدم هذا المطعم درسين مهمين لكافة المؤسسات حول العالم، ويرتكز الدرسان على الابتكار والرغبة في الحفاظ على الميزة الإبداعية.  

احرص دائماً على التطور!

إن المؤسسات المبتكرة لا تقلق بشأن الحفاظ على التميز بقدر قلقها على كيفية تحقيق تميز جديد. وينعكس ذلك على ما يحدث في أوستريا فرانشيسكانا من طهي الأطباق بمثالية، بالإضافة إلى قائمة الوصفات التي لا تنتهي مطلقاً بل وتطورها بمرور الوقت كما يتوقع بوتورا.

تأمل الطبق المميز “المراحل الخمسة المختلفة لجبنة البارميجيانو ريجيانو بخمسة أنواع مختلفة من الأشكال ودرجات الحرارة”. فقد جاءت الفكرة إلى بوتورا لأول مرة قبل 20 عاماً كتجربة لاستخدام خمسة أنواع مختلفة من الأشكال ودرجات الحرارة. وكان تصوره في البداية عبارة عن “ثلاث مراحل مختلفة” ثم أصبحت “أربع”، وفي الوقت المناسب أصبحت “خمس مراحل”. ويشتهر هذا الطبق بما تفعله التوابل في قالب البارميجيانو أو مدى تقادمها، حيث يتحول الجبن صاحب الأربعة والعشرين شهراً إلى شكل السوفليه الساخن وصاحب الثلاثين شهراً إلى الصلصة الحارة نوعاً ما، وصاحب الستة وثلاثين شهراً إلى رغوة مبردة، وصاحب الأربعين شهراً إلى رقائق، وأخيراً: صاحب الخمسين شهراً الذي يتحول إلى رغوة خفيفة يُطلق عليها فريق المطبخ “هواء“. وقد نجح بوتورا من خلال استكشاف الأساسيات الخاصة بعمل الجبن أن يقدم طبقاً ذا طابع ديناميكي متميز بقدر ما هو لذيذ.  

كافئ العمل الإبداعي لا العمل المتوقع

يحافظ بوتورا على جعل فريقه متيقظاً من خلال فتح أعينهم على قدراتهم الخاصة على التفكير الإبداعي – والمرح بالتأكيد. على سبيل المثال، يطلب بوتورا من فريقه أحياناً عمل أطباق على أساس مقطوعة موسيقية أو لوحة فنية أو قصيدة شعرية. بالإضافة إلى ما أخبرتني به الشيف المولودة في كندا، جيسيكا روسفال، عندما زارت المطعم “أنا هنا منذ شهرين، واعتدت على أسلوب بوتورا، حيث دخل إلى المطبخ يوماً ما وقال، حسناً أيها الطهاة، مشروع جديد لهذا اليوم: استمعوا إلى أغنية ’لو ريد’ الاستيقاظ على الجانب الوحشي  A Wake on the Wild Side، وليصنع كل واحد منكم طبقاً، وشعرت بأنني أقول يا إلهي، من أين أبدأ؟”.  

ولكن سرعان ما تحول الخوف الذي بدا على روسفال في الوهلة الأولى إلى إثارة. وقالت بحماس: “لقد ابتكرنا مجموعة متنوعة من الأطباق، فبعض الناس ركزوا على الإيقاع الأساسي للأغنية، وبعضهم على الكلمات والبعض الآخر على الفترة التي كتبت فيها الأغنية. وبذلك أصبح لدينا هذه المجموعة المتنوعة من الأطباق المختلفة التي ابتكرناها من لحظة الإلهام هذه بينما كان ماسيمو يستمع إلى الأغنية في سيارته”.

ينبغي إدراك أن الرضا الوظيفي يزداد عندما تجرب الابتكار في العمل إلى جانب الأداء العام. كما يؤدي هذا الابتكار أيضاَ إلى التحلي بمزيد من الثقة. وهو ما يظهر من بعض المشاركين في بحث أجراه عالما النفس برينت ماتينجلي من جامعة آشلاند وجاري لواندوسكي من جامعة مونماوث، حيث قرأ مجموعة من المشاركين قائمة حقائق شملت بعضها الأمور التي كانت غريبة إلى حد مبهج مثل عبارة (الفراشات تتذوق بأقدامها)، أما الأخرين فقد تم تقديم الحقائق لهم بشكل أكثر بساطة مثل عبارة (الفراشات تبدأ الحياة كيسروع). ووجد الباحثان أنّ أفراد المجموعة الأولى خرجوا من التمرين وهم يشعرون بمزيد من المعرفة وأكثر ثقة بالنفس، وعندما أسندت إليهم مهام جديدة عملوا عليها بجهد أكبر.

وفي حين تركز العديد من أماكن العمل التي خضعت لدراستي على إيجاد سبل التنسيق والتجانس بين الموظفين أثناء تأدية مهام وظائفهم، كان ينبغي إعطاء الأولوية للإبداع في الحقيقة. ويثبت ذلك ما وجدته في دراسة أجريت على 300 موظف جديد بدأوا وظائفهم في مجموعة كبيرة من الشركات في الولايات المتحدة في صناعات مختلفة، أنه كلما جرب الموظفون الإبداع خلال الأسابيع القليلة الأولى من عملهم (بفضل تعلم المهارات الجديدة والالتقاء بزملاء جدد أو الشعور بالتحدي في مهامهم)، كلما كانوا أكثر تحمساً ونشاطاً في عملهم وطوال مدة بقائهم في المؤسسة. على النقيض من ذلك، عندما تحدث موظفون عن إحساسهم تجاه وظائفهم بعبارة “نفس الروتين يومياً لا أكثر ولا أقل”، وجدنا أنهم كانوا أقل رضاً في عملهم وأكثر حماساً للانتقال إلى مكان عمل آخر.   

يُعد بوتورا قائداً ملهماً، حيث بدأ حياته المهنية في مجال الطهي بالخروج عن القواعد المعروفة في السياق – المطبخ الإيطالي – الذي يخضع لمجموعة صارمة من القواعد مثل: المعكرونة الطويلة مع صلصة المأكولات البحرية، والمعكرونة القصيرة مع اللحم. فمن غير المفترض أن يتم تغيير الوصفات التي خلّدها الزمن أو أن تكون محل نقاش. إلا أنه حقق من خلال إعادة ابتكار الأطباق الإيطالية التقليدية نجاحاً كبيراً. ليس ذلك فحسب، بل تمكن من الحفاظ على بيئة تشجع على هذا النمط من التمرد على مر السنين. ومن خلال طرح التحديات أمام فريق العمل ومطالبتهم بالنظر إلى الأطباق من منظور جديد، استطاع كل عامل أو عاملة بالمطعم أن يتقبل كل جديد ويوسع نطاق مهاراته. لذا، فإنّ قائمة الطعام لديهم تتطور دائماً مثل مواهبهم.  

عندما يصبح النمو هدف كل شخص في المؤسسة، فإن شعور الرضا عن الوضع القائم لن يجد الفرصة لترسيخ قواعده وستظهر الأفكار الثورية مراراً وتكراراً.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!