لو حصلت على دولار واحد مقابل كل شخص يقول لك أنه يتدرب على سباق ماراثون، أو يخطط للذهاب إلى مكان بعيد يُجري فيه تأمل صامت لمدة 10 أيام، أو ينوي تسلق جبل كليمنجارو، لأصبحت مليونيراً! لقد باتت الشركات تطلب منا العمل طوال اليوم ومن دون أيام عطلة أسبوعية ومن دون أن تدفع لنا لقاء تلك الساعات الإضافية، وباتت المبالغة المعيار السائد ليس فقط في حياتنا المهنية، ولكن أيضاً في حياتنا الشخصية، من السياسة والأبوة إلى الطعام واللياقة البدنية.

يعمل الآباء المبالغون في أداء المهام على الاستثمار بشكل مفرط في بناء أطفال تنافسيين، ويقضون ساعات مرهقة أكثر بالطيران بالمروحية مقارنة بآبائهم (مع بقاء الشعور المتواصل بالذنب). ويحاولون ممارسة الرياضة بحثاً عن التوازن المفقود في حياتهم، ويبالغون فيها لدرجة المشاركة في سباقات الماراثون. ويبدأ عشاق الطعام المبالغون يومهم بعصائر خضراء معقدة مصنوعة من البذور والنباتات الصحية الباهظة الثمن والمستوردة من بلدان نائية، في حين يتعرض جيل شباب الألفية، والذي يواجه المشتتات وأعراض الاكتئاب بشكل مستمر، لمقارنات مستمرة مع أقرانه عبر الإنترنت، ولا يستطيع منع نفسه من استخدام الهواتف المحمولة كأجهزة قياس أداء. من يستطيع لومهم؟ إذ أنّ آباءهم يتنافسون بدورهم على عدد من المتابعين، وفيما إذا كانوا قد نجحوا في أن يكونوا مؤثرين. وحتى محاولات إبطاء وتبني ذهن صاف باتت مرتبطة بأهداف طموحة، كما هو الحال مع صالة الألعاب الرياضية المجاورة التي قدمت "البروغا" (Bro-ga)، وهو شكل تنافسي من اليوغا للرجال.

وتعتبر لندن، مكان إقامتي، من أبرز الأمثلة حول المبالغة في كل شيء، فقد تحولت مسارات الدراجات الهوائية الرائعة التي أدخلها محافظو المدينة لجعل المدن أكثر إنسانية مع طرقاتها المليئة بالسيارات إلى "طرق سريعة للدرجات الهوائية"، حيث يقوم سائقو تلك الدراجات، بألبستهم الرياضية الضيقة، بمحاولة الانطلاق بأقصى سرعة لتحطيم أرقامهم القياسية السابقة في الوصول من المنزل إلى العمل، مع وضع أجهزة آيفون على أذرعهم لقياس مجموعة من المؤشرات الحيوية لا تحتاجها إلا المختبرات في العادة. لقد باتت السرعة هي عنوان أولئك المبالغون في كل شيء، حتى في النوم، حيث باتت تشمل كل جانب من جوانب حياتهم، من الصحة وصولاً إلى التعقل والحياة المديدة، وباتت في كل مكان ومجال

وفي العمل، أصبحت المبالغة وإدمان العمل (workalholism) أمراً يدعو للتباهي، حيث يتنافس الرؤساء التنفيذيون مع بعضهم البعض في ذلك، كما فعل الرئيسان التنفيذيان اللذان كانا يجلسان ورائي على متن طائرة الأسبوع الماضي، إذ كانا يتنافسان على عدد الأيام في السنة التي يطيران فيها (الأول كان 165 يوماً والثاني 214 يوماً). إذ أنّ من يعمل لأوقات طويلة هو الذي يتلقى الأجور الأعلى أكثر من أي شخص آخر، بعكس ما كان سائداً قبل قرون، حيث كان الفقراء من يكدحون بينما الأثرياء يستمتعون بالراحة. أما الآن، فبات الفقراء عاطلين عن العمل، في حين يعمل الأغنياء في ترحال. وتقوم الشركات بجعل المتدربين لديها يتنازلون طواعية عن حقوقهم بأجر إضافي أو إجازة، ما يجعل الساعات المتطرفة غير القانونية شرعية وقانونية.

أينما نظرت، وأياً كان الذي تفعله، فقد أصبح الأداء مبالغاً فيه، وغالباً ما يتم مراقبته بواسطة تطبيق تتبع أو بشكل تنافسي (أحياناً في صورة صديق ينافسك). ويُنظر إلى الاعتدال، مهما كان نوعه، على أنه هواية فحسب، وأمر يقوم به المتهرب الذي لا يلتزم بـ10,000 ساعة من الممارسة لإتقان شيء ما.

قررت، منذ فترة طويلة، الاستثمار في الاعتدال الشديد، حيث بدأت فعل كل شيء بنية إيجاد توازن بين نقيضين (بين عدم القيام بأي شيء مطلقاً، وبين المبالغة في القيام به). أريد أن أقوم بعمل معقول ضمن مجالات حياتي المختلفة وتحقيق أداء ممتاز في التوازن بينها جميعاً.

يقول كثيرون إنهم يريدون التوازن، لكننا لا نبالغ بما فيه الكفاية لتحقيقه، حيث نميل بشكل كبير أو لفترة طويلة لمجال واحد على حساب آخر. ويبدو التوازن في غالب الوقت أمراً صعب التحقيق، وبحاجة دوماً إلى التفاوض بشأنه والعمل على إجراء تغييرات صغيرة بشكل متواصل للوصول إليه.

كيف تضع التوازن موضع التنفيذ؟

يتوجب علينا أولاً أن نقوم بتحديده لأنفسنا. وأنا شخصياً أحب ما قاله أرسطو: "شيء ما يجب القيام به، وشخص ما يجب أن تحبه، وشيء ما يجب أن تأمل حدوثه". وأقوم بتقسيم هذا إلى أربعة أركان يجب أن أوازن فيما بينها: الدماغ (المعرفة، الصلة، الخبرة المهنية، التعلم مدى الحياة)؛ الحب (العلاقات، الأسرة، المجتمع، الرعاية)؛ التغيير (الانفتاح على الأسئلة الذاتية، بناء العلاقات، مهارات الانتقال)؛ والاختيار (المرونة المالية، التوفير، قوة الكسب).

يتوجب عليك أن تعمل على استخلاص مبدأ توجيهي خاص بك وتصميم قائمة خاصة بك حول ما تريده من الحياة، مع طرح السؤالين التاليين على نفسك:

  1. بمراجعة السنوات السبع الماضية لك. ما كانت نسبة الوقت الذي استثمرته في كل مجال مما سبق؟
  2. ما هو التوازن الذي تريد تحقيقه للسنوات السبع القادمة؟

سيكون لكل مرحلة من مراحل حياتك المختلفة أهدافاً وتوازنات مختلفة؛ ففي الثلاثينيات من عمري مثلاً، أمضيت وقتاً أطول في تربية الأطفال مقارنة بممارسة الرياضة. في حين أنه في أواخر الخمسينيات من عمري، عليّ القيام بأمور مختلفة. لست بحاجة إلى أن أصبح رياضي ألعاب قوى، بل عليّ بدلاً من ذلك القيام ببعض تمارين اليوغا كل أسبوع والسير مع كلبي يومياً. ويتوجب عليّ أن أتناول طعاماً جيداً، ولكن لا أبالغ في ذلك، وأعمل بجد ولكن لا أقوم بساعات عمل إضافية. وأحاول أن أحب بوعي وبشكل يومي، وأقوم بمساعدة الآخرين وقضاء الوقت في خدمة الأقل حظاً. هل يمكنني فعل المزيد؟ نعم، بلا شك وفي كل مجال.

هناك عشرات الملايين من الناس ممن يقومون بعمل أفضل مني في كل محور من هذه المحاور مقارنة بي، ولكن ليس عليّ أن أقارن نفسي بهم، لأنني لا أحاول منافستهم في الأساس نظراً لأنني خير من أعرف نفسي وقدراتي. أنا الأفضل في مجال الاعتدال، ولا أقوم (عادة) بالتفاخر بهذا، نظراً لأنه ليس جزءاً من عقلية الاعتدال أصلاً (ولطبيعتي الكندية المتواضعة أيضاً). ولكنني قضيت عمراً أشحذ ممارستي اليومية، وأمارس عادات "جيد بما فيه الكفاية". واليوم، أنا لست فاحش الثراء ولا فائق اللياقة البدنية ولا ساحق النجاح، ولكن لدي ما يكفي من كل شيء للنجاح في سباقي الشخصي والذي يتلخص في محاولتي للحصول على حياة متوازنة. ففي النهاية، ربما ما سبق يهمني فقط أنا وكلبي، والذي بدوره بات يحصل على الكثير من ساعات المشي الجيدة خارج المنزل. وبالنسبة لي، يكفيني هذا.  

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

error: المحتوى محمي !!