قبل سنوات كنت أضع آخر اللمسات على كتابي “تجرأ واحلم ثم نفّذ” (Dare, Dream, Do) عندما أرسلت إليّ صديقة رابطاً للمشاركة في مسابقة برعاية الإعلامية أوبرا وينفري. كانت الجائزة المخصّصة للفائز هي أن يحظى ببرنامجه الحواري الشخصي. شعرت على الفور بالحماس والخوف اللّذين أشعر بهما عادة عندما أدرك أن عليّ تحمّل مسؤولية أمر ما. فشرعت في الوقت نفسه أشرح لنفسي أسباب عدم مشاركتي المحتملة في هذه المسابقة: سيكون عليّ أخذ يوم إجازة من العمل والسفر من بوسطن إلى نيو جيرسي وملء استمارة طويلة والاستيقاظ قبل الفجر لأكون من بين أول 500 شخص في الطابور وتعريض نفسي للإذلال في موقف السيارات خلال انتظار دوري. عندما أخبرت صديقتي ليز بهذا كلّه، قدّمت ملاحظتها بلطف قائلة: “أجدك تتناقضين في كلامك، تكتبين كتاباً يحث الناس على الجرأة في الحلم لكنك لا تفعلين أنت ذلك”.

هذا ما كنت أحتاج إليه، أن أفخر بعدم استسلامي. لذا ذهبت إلى المشاركة في المسابقة. وأظنكم استنتجتم أنني لم أفز بالمسابقة ولم أحظ ببرنامجي الحواري الشخصي، بل إنني لم أجتز الدور الأول. بعد الجهد الذي بذلته للمشاركة في الاختبار والاستيقاظ مبكراً والتفكير فيما سأقوله أمام أعضاء اللجنة وانتقاء أنسب ملابسي بعناية فشلت. عندما قدمت كلمتي الترويجية أمام أعضاء لجنة المسابقة دفعني توتري إلى الاعتماد على الملاحظات التي سجّلتها، وكان تأثيري سطحياً وصوتي رتيباً، ولم يكن هناك شيء يلهم الناس الحلم والتغيير في مشاركتي التي استمرت 30 ثانية. فشعرت بعد ذلك بالإحباط وخيبة الأمل. لقد ارتديت الملابس وحضرت (ابتداء في الساعة 3 صباحاً) سعياً وراء حلمي لكن جانباً من شخصيتي تراجع عن المشاركة الفعّالة. أقنعت نفسي بالذهاب لكنني لم أستحضر روحي بأكملها في ذلك. لم أستسلم، لكنني لم أنجح في تحقيق مشاركة فعّالة.

لطالما كرّرت شعار “لا تستسلم أبدًا” فهذه الكلمات التي أطلقها رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل دعمتني لسنوات، إنها مبدأ أساسي في شعار عائلتنا، إلى درجة أنها كُتبت على لوحة وعُلّقت على جدار مدخل منزلنا. ولكنني بدأت أتساءل إن كان عدم الاستسلام كافياً. المثابرة ضرورية بالطبع لكنني أتساءل إن كانت العزيمة الحقيقية التي تجسدها عبارة “لا تستسلم أبداً” قد تحولت إلى تعبير ملطّف عن الرضا بالمحتوم: “لن أستسلم، ولكنني ما زلت في انتظار حظّي”.

في العام الماضي، على سبيل المثال، اتصلت بي شركة ناشئة سريعة النمو في بوسطن من أجل منصب في الإدارة العليا، لكنني لم أحظ في النهاية بهذه الوظيفة. قد تكون هناك أسباب مختلفة وراء الفشل في ذلك، لكنني تعلّمت منذ ذلك الحين أن عدم “المشاركة” الفعّالة كان عاملاً مسهماً في ذلك. لم يكن هناك في سلوكي ما يشير إلى أنني أرغب في تلك الوظيفة بشغف على غرار ما حدث في تجربة الأداء في مسابقة أوبرا، التي رغبت فيها بشدة إلى درجة دفعت غريزتي إلى إخفاء حجم هذه الرغبة.

جولز بيري التي اختيرت من بين رائدات الأعمال الأكثر تأثيراً في عام 2013 من قِبَل مجلة فورتشن، تجني اليوم ثمار صمودها. فهي المؤسِّسة المشارِكة والرئيسة التنفيذية لمنصة ذا جروميت (The Grommet) التجارية الإلكترونية التي تعمل في مجال ترويج المنتجات المبتكرة وغير المعروفة والتعريف بمسار مبتكريها. في سنة 2012 استثمرت شركة التجارة الإلكترونية اليابانية راكوتن (Rakuten) في شركة ذا جروميت، فحقّقت نمواً كبيرا منذ ذلك الحين، لكنّ طريقها لم يكن مفروشاً بالورود حيث ظلت منصّتها الإلكترونية تعمل بميزانية ضئيلة سنوات طويلة وفي حاجة ماسّة إلى الضخّ النقدي المتوافّر الذي تعتمد عليه، بعد أن عزفت شركات رؤوس الأموال المغامرة عن استثمار رأسمال كبير فيها خلال ركود عامي 2008 و2009. قدّمت بيري العديد من التضحيات الشخصية للإبقاء على حلمها: لم تأخذ أيّ إجازة طوال 3 سنوات ولم تستطع زيارة والدتها التي كانت تصارع مرض السرطان في ديترويت، واضطر ابنها إلى الحصول على مساعدة مالية طارئة للبقاء في الجامعة. لم تستسلم جولز قط بل حرصت على المشاركة الكاملة في عمل الشركة يوماً بعد يوم.

بعد إلقاء نظرة على بعض الأبحاث اقتنعتُ أن وودي آلين كان على حقّ عندما قال إن 80% من النجاح مجرد مشاركة. ووفقاً لأستاذ علم النفس بجامعة كاليفورنيا ديفيس، كيث سيمونتن، فإن احتمالية كتابة عالِم مقالة علمية رائدة (تُحدَّد المقالة العلمية الرائدة بناءً على عدد المرات التي يُستشهد بها في أبحاث أخرى) ترتبط مباشرة بعدد المقالات العلمية التي كتبها هذا العالم وليس بمدى ذكائه.

وتتبّع أستاذ إدارة الأعمال الاستراتيجية في جامعة ويلاميت، روب ويلتبانك عائدات المشاريع التي موّلها صندوق أنجل أوريجون (Angel Oregon Fund) ولم يجد فارقاً ملموساً بين عائدات مشاريع الفائزين وتلك التي حققتها مشاريع المتنافسين في مسابقات العروض التقديمية المختلفة على مدار 10 سنوات.

نحلم جميعاً بالفوز ولكنّ المهم هو المشاركة ولو لم نتمكن من التحكّم في النتيجة. تقول الكاتبة والمحاضرة سارة بان بريثناش: “عندما تستخدم التوقعات لقياس نجاح حلمك، فإنك تثقل روحك بأعباء زائدة، وقد تتطلب الأحلام قفزة إيمانية، لكنها تجعل الروح تسمو”. فلا داعي إلى الندم إذاً عندما نبذل قصارى جهودنا ونشارك بفعالية. من حسن الحظ أننا نحصل على الكثير من الفرص وقد حصلت مؤخراً على إحداها. ظهرت فرصة أخرى ووجدت نفسي مؤهلة جيداً لها، وعلمت مؤخراً أنني دخلت قائمة المرشحين القصيرة من أوسع الأبواب لأنني عبّرت عن “رغبتي” الشديدة في نيل هذه الفرصة.

الحلم هو جوهر التغيير. وسواء أردنا زعزعة قطاع معين أو تغيير وضعنا الشخصي الراهن لتحقيق تلك القفزة الهائلة من منحنى تعلّم إلى الذي يليه فإن علينا أن نحلم. والخبر السار في هذا السياق هو أن الآلية السببية لتحقيق أحلامنا ستظل باستمرار، دائماً وأبداً هي المشاركة، لأننا كلما شاركنا زادت فرص تحقيق أحلامنا.