إذا دخلت الولايات المتحدة حرباً تجارية ضد الاتحاد الأوروبي فستخسر حليفاً في الضغط على الصين

5 دقائق
الحرب التجارية الصينية الأميركية
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ما الذي تعرفه عن الحرب التجارية الصينية الأميركية تحديداً؟ لا يدع إعلان الاتحاد الأوروبي بأنه يستعد للرد إذا فرضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسوماً جمركية على السيارات المصنوعة في دول الاتحاد الأوروبي -مجالاً للشك أن التعاون بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في التجارة العالمية سيضعف لبعض الوقت إذا دخلت الرسوم الجمركية حيز التنفيذ. وبجانب الضرر الذي يمكن أن تسببه الحرب التجارية الصينية الأميركية وهذا الصراع للوظائف والصناعة والمستهلكين في الولايات المتحدة؛ فإنه سيعرض التعاون الضروري بين حليفين في مواجهة رأسمالية الدولة الصينية -السبب الأساسي لجزء كبير من النزاع التجاري الحالي- للخطر. وعندما زار جان كلود يونكر -رئيس المفوضية الأوروبية- واشنطن في 25 يوليو/تموز 2018، كان يجب على الإدارة الأميركية أن تستغل هذه الزيارة للتوصل إلى أساليب للتراجع عن هذه الهاوية.

الحرب التجارية الصينية الأميركية

تتمثل الأداة الأساسية للسياسة الصناعية في الصين في دعم الشركات المملوكة للدولة للصناعات الرئيسية، مثل: الروبوتات والحواسيب المتطورة والمركبات الكهربائية. وتحظى الشركات المملوكة للدولة بأفضلية الحصول على الأراضي والتمويل والاتصالات والهيدروكربونات والكهرباء، وتتمتع بضرائب أقل، وإجراءات انتقائية لمكافحة الاحتكار؛ من أجل حمايتها من المنافسين في القطاع الخاص. كما أن العوائق التجارية تمنع المنافسة، على سبيل المثال: يجب على شركات صناعة السيارات الكهربائية الصينية استخدام البطاريات المصنوعة في الصين، ولا يمكنها شراؤها من المصادر اليابانية والكورية.

تضمن اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ -الذي انسحبت منه الولايات المتحدة في يناير/كانون الثاني 2017- قيوداً صارمة على دعم الشركات المملوكة للدولة، والتي -للمفارقة- صاغها المفاوضون الأميركيون. ورغم النزاعات التجارية الأخيرة، يعمل كل من الاتحاد الأوروبي واليابان والولايات المتحدة بهدوء لصياغة اتفاقية أخرى تتضمن بنوداً لتقييد الدعم الصيني. وأضافوا إجراءات من شأنها أن تحرم عضواً من التعبير داخل منظمة التجارة العالمية، بحرمانه من الاطلاع على وثائق المنظمة وحقوقه في حضور الاجتماعات والتصويت، مع الافتراض بأن الإعانات التي لم يُفصح عنها تؤذي الشركات الأجنبية، ومن ثم تسهل الانتقام، وتبسط إجراءاته عندما تدعم الإعانات الإنتاج الزائد. ولأن العائد الناتج عن هذا الإجراء المشترك سيكون كبيراً؛ لذا يجب أن يكون إبرام هذه الاتفاقية أولوية أميركية، لكن التهديد بفرض الرسوم الجمركية على السيارات، والوعيد بالانتقام، سيزيد صعوبة نجاح هذه الجهود.

نمو الشركات المملوكة للدولة: عندما قبلت منظمة التجارة العالمية عام 2001 عضوية الصين فيها، كان الغرب يأمل أن تتجه الصين إلى اقتصاد مدفوع بالسوق. بدلاً من ذلك، وتحديداً بعد الأزمة المالية عام 2008، توسعت الصين في التخطيط المركزي، وكانت 100 ألف شركة مملوكة للدولة هي المحرك الأساسي لهذا التوسع. تنتج الشركات المملوكة للدولة 33% من الناتج المحلي الإجمالي للصين، وتمثل 20% من وظائفها، وتسيطر الحكومة المركزية على ثلث هذه الشركات.

ويتمثل الدعم الأكثر تحدياً في مبلغ 330 مليار دولار أميركي مخصص لمبادرة تُعرف بـ “صنع في الصين 2025”. ويستهدف هذا البرنامج الصناعات الرئيسية في المستقبل، ويحدد حصة السوق المحلية التي يجب تحقيقها، على سبيل المثال: المركبات الكهربائية (70%)، وبطاريات ومحركات المركبات الكهربائية (80%)، والحواسيب عالية الأداء (60%)، وأشباه الموصلات (35%)، والروبوتات الصناعية (50%)، والهواتف النقّالة (70%). وستخلق مثل هذه الحصص السوقية منصة للمؤسسات العالمية العملاقة. علاوة على ذلك، تُعد مبادرة صنع في الصين 2025 هي الأولى من ثلاث مراحل، إذ إن الهدف في 2035 هو “دخول الصفوف الأمامية للقوى الصناعية من المرتبة الثانية”، والهدف في 2045 هو “دخول المرتبة الأولى مع الأنظمة الصناعية والتقنية الرائدة في العالم”.

وتستند هذه الإعانات إلى سنوات من دعم الدولة الصينية للصناعات الأساسية مثل البنوك والنفط والمرافق والاتصالات والبناء. في السنوات الأخيرة، شملت واردات الولايات المتحدة من السلع المصنوعة في الصين -بواسطة شركات استفادت من إعانات قيمتها 7.3 مليار دولار أميركي- الألواح الشمسية، والكيماويات والأنابيب وأسلاك الفولاذ والعجلات وأبراج الرياح وأدوات المطبخ.

مخاطر على النظام التجاري العالمي: بجانب التهديد الذي تشكله هذه السياسة الصناعية على المصالح الاقتصادية الغربية؛ فإنها تمثل أيضاً تحدياً نظامياً للنظام الاقتصادي العالمي القائم على مبدأ المنافسة المستندة إلى السوق، ويقوض الثقة في قواعد منظمة التجارة العالمية التي تتضمن مبادئ مثل: تشجيع المنافسة العادلة، من خلال معاملة الشركات الأجنبية العاملة في بلد ما مثل الشركات الوطنية -التي تستفيد منها جميع الدول التجارية استفادة هائلة. تجعل هذه السياسة الوصول إلى حل محايد لهذه النزاعات بموجب قواعد منظمة التجارة العالمية أكثر صعوبة.

بالإضافة إلى ذلك، تشكل سياسة الصين تهديداً للفرص التجارية في دولٍ تتنافس فيها الشركات الأميركية والصينية على الأعمال. كما أن هذه الإعانات ستضغط على سلاسل الإمداد العالمية، بما في ذلك إنتاج السلع عالية التقنية اللازمة للأمن القومي.

الحاجة إلى القيود والشفافية: أسفرت خمس سنوات من المفاوضات الأميركية حول الشراكة عبر المحيط الهادئ مع كل من اليابان وأستراليا والمكسيك وكندا وشيلي وبيرو وماليزيا وفيتنام ودول أخرى (تمثل جميع هذه الدول 40% من إجمالي الناتج المحلي العالمي) –أسفرت عن اتفاق على منطقة تجارة حرة إقليمية، يتضمن فرض أشد القيود على الشركات المملوكة للدولة في أي اتفاق تجاري. وأوجبت هذه القواعد الجديدة الكشف عن جميع الشركات المملوكة للدولة على موقع إلكتروني عام، بما في ذلك نسبة الأسهم التي تملكها الحكومة، ومناصب المسؤولين الحكوميين الذين يعملون في مجالس إدارات هذه الشركات، أو يعملون موظفين فيها، والإيرادات السنوية، وتفاصيل أي سياسة أو برنامج يقدم إعانات لها. ومنحت هذه القواعد أيضاً الحق في الحصول على إجابات عن أسئلة محددة حول الشركات المملوكة للدولة.

ودون هذه الشفافية، سيكون من الصعب للغاية الحصول على الأدلة اللازمة لإظهار أن الإعانات أضرت بالشركات الخارجية. وتُعد برامج الإعانات الحكومية في الصين أبعد ما تكون عن الشفافية، إذ إنها محمية بميزانيات وتوجيهات حكومية غير معلنة، وبقانون يسمح بمعاملة المعلومات التجارية كأسرار دولة.

انسحبت الولايات المتحدة من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ في يناير/كانون الثاني 2017، وأكملت الدول الإحدى عشرة الأخرى الاتفاقية، التي تُسمى الآن اتفاقية الشراكة الشاملة والتقدمية عبر المحيط الهادئ. وسيحصل كل عضو في هذه الاتفاقية على مزايا كبيرة للوصول إلى الأسواق على حساب الشركات الأميركية، فضلاً عن القيود المفروضة على الشركات المملوكة للدولة في فيتنام وماليزيا والمكسيك، حيث تلعب أيضاً دوراً اقتصادياً كبيراً.

وإذا كان الانسحاب الأولي لإدارة ترامب من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ يهدف إلى تقليل العجز التجاري الأميركي مع آسيا؛ فإن تقليل إمكانية الوصول إلى الأسواق وقدرة الشركات الأميركية على منافسة الشركات المملوكة للدولة لن يساعد على الأرجح. وأشار ترامب إلى أن الولايات المتحدة قد تسعى إلى إعادة الانضمام لاتفاقية الشراكة الشاملة والتقدمية عبر المحيط الهادئ، في حال كانت هناك اتفاقية أفضل كثيراً من الاتفاقية التي أبرمها الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما. لكن التوازن الدقيق في المصالح يعني أنه من غير المرجح أن تمنح الدول الإحدى عشرة الولايات المتحدة اتفاقية أفضل من التي جرى التفاوض عليها من قبل.

جهود جديدة لكبح الشركات المملوكة للدولة: وقع الاتحاد الأوروبي واليابان اتفاقية تجارة حرة تتضمن قواعد مماثلة لاتفاقية الشراكة الشاملة والتقدمية عبر المحيط الهادئ فيما يتعلق بالشركات المملوكة للدولة. وفي ديسمبر/كانون الأول 2017، أصدر وزراء التجارة في دول الاتحاد الأوروبي واليابان والولايات المتحدة بياناً مشتركاً حول الاتفاق على العمل معاً في منظمة التجارة العالمية لمكافحة الإعانات المضرة بالسوق. وفي يناير/كانون الثاني الماضي، قال المفوض التجاري في الاتحاد الأوروبي: “توجد بعض المخاوف الخطيرة بشأن الصين التي تدعم الشركات المملوكة للدولة دعماً كبيراً -وهناك يمكننا العمل مع الولايات المتحدة”.

ونتيجة لهذه المخاوف المشتركة، اتفقت الولايات المتحدة مع الاتحاد الأوروبي واليابان على اتخاذ إجراء مشترك حيال الإعانات الحكومية في الصين. وتتضمن الأفكار المطروحة على الطاولة عقوبات إدارية بسبب عدم الكشف عن هذه الإعانات، مثل خسارة إمكانية الوصول إلى وثائق منظمة التجارة العالمية واجتماعاتها وتصويتاتها، وافتراض أن الإعانات غير المعلنة تضر الشركات الأجنبية؛ ومن ثم تسهل الانتقام، وسبل الانتصاف الموجة ضد الإعانات لخلقها أو لحفاظها على قدرة تتعارض مع الاعتبارات التجارية. ومن المقرر عقد اجتماعات أخرى خلال شهري أغسطس/آب وسبتمبر/أيلول 2018، لكن من الصعب تخيل الوصول إلى نتيجة إيجابية في حال اندلاع حرب تجارية على السيارات.

ومن المرجح أن تتضمن نتائج الحرب التجارية الصينية الأميركية ضرر الرسوم الجمركية الجديدة على تجارة السيارات بالاقتصاد الأميركي كثيراً، وقد تكون أكثر ضررا من الأهداف المرجوة: إذ يقدّر معهد بيترسون للاقتصاد الدولي أنه إذا رد الاتحاد الأوروبي على الرسوم الجمركية المفروضة على السيارات كما هو متوقع؛ فإن الإنتاج في صناعة السيارات الأميركية سينخفض بنسبة 4%، وأن 5% من القوى العاملة الأميركية في صناعات السيارات وقطع غيارها والتي سيجري تسريحها. ومن المرجح أيضاً أن تمثل هذه الرسوم ضربة قاضية لتعاون الحلفاء في مواجهة الإعانات المالية التي تقدمها الصين للشركات المملوكة للدولة؛ وهو السبب الأساسي للنزاعات التجارية الحالية، وستكون تلك خسارة فادحة.

اقرأ أيضاً:

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!