facebook
twitter
whatsapp
email
linkedin
messenger

ساهمت التحديات الحديثة التي تواجهها الجامعات حول العالم في بروز توجه عالمي جديد يدعو إلى البحث عن التميز المؤسسي وتطوير الهوية المؤسسية وصناعة الريادة التخصصية المحفزة للتنافسية، لاسيما مع الضغوط المستمرة التي تواجهها المؤسسات التعليمية والمرتبطة بكفاءة الإنفاق، والقدرة على إدارة الموارد بفاعلية لدعم أسواق العمل وجعل النتائئج أكثر جودة.

إعلان: لا تدع حائط الدفع يفصلك عن أهم المهارات والخبرات الإدارية. استفد اليوم من الاشتراك الترحيبي بدءاً من 30 ريال/درهم (8 دولار).

وفي ضوء التطور المستمر لأدوار الجامعات، وازدياد تنافسية سوق التعليم العالي إقليمياً وعالمياً، لاسيما مع صعود لاعبين جدد في المسار التعليمي مثل منصات التعليم مفتوحة المصدر، ستجد الجامعات نفسها أمام حتمية مراجعة استراتيجية نموذج عملها، وتكمن مفاتيح هذه المرحلة في ثلاثة أسئلة حرجة وفق الدراسة التي أعدتها مؤسسة "غالوب" (Gallup) وشركة "إنسايد هاير أي دي" (Inside Higher Ed) لرؤساء الجامعات الأميركية وهي: ما الغرض من وجود الجامعة؟ وبماذا يجب أن تعرف الجامعة؟ وما هي ثقافة الجامعة؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب تشخيصاً دقيقاً لكينونة الجامعات وعوامل تميزها الداخلية والخارجية، ولهذا سنحاول الإجابة عن السؤال الثاني، من أجل تطوير استراتيجيات التمايز بين الجامعات العربية على وجه الخصوص. إذ لم ينل قطاع التعليم العالي الحظ الوافر من التخطيط الذي يُفضي إلى تجزئة السوق، وقد ساهمت القيادة غير الرسمية للجامعات الأوائل في هذا التجاهل غير المقصود للتجزئة وسط ملاحقة تلقائية غير موجهة من بقية الجامعات، ما أدى إلى ترسيخ أكبر للنمطية على حساب التجزئة في هذا القطاع.

المقارنات المرجعية في الجامعات

لقد سوغت العديد من الجامعات تبعيتها لجامعات أخرى عبر اللجوء إلى ممارسات المقارنات المرجعية المرسخة أحياناً للتكرار والتقليد، دون التنبه الحقيقي لمحددات وشروط هذا الاستخدام، وهذا الأمر سيجعل الجامعات رهينة المحاكاة والتقليد في خططها وبرامجها، والأخطر من ذلك هو منعها من اكتشاف جوهر تميزها.

وفقاً لدراسة أعدتها شركة "مالك" (Malik) العالمية المتخصصة في تقديم حلول شاملة في الإدارة والقيادة والحوكمة، يعتبر سلوك المؤسسة تجاه منافسيها العامل الأهم في دراسات المقارنات المرجعية، ما يعني أن الجامعات الناشئة معنية فقط بمراقبة السلوك التنافسي لنظيراتها من الجامعات.

كما أن هذه القاعدة يجب أن تحتكم إليها المجموعات الأخرى من الجامعات على اختلاف تصنيفاتها، فالأصل في المقارنات المرجعية، هو مراقبة سلوك المؤسسة المقارن بها وفهم آلية إدارتها، وليس التلبس بردائها، الأمر الذي يحفز كل جامعة على معرفة جوانب تميزها، دون الحاجة للتموضع في خانة التلقي واستيراد برامج وخطط قد لا تمتلك أدوات تفعليها وتحقيقها.

وقبل شرح ضرورة تمايز الجامعات ومدى الحاجة إلى ذلك، من المهم تعريف الأداة التي تساعد الجامعات على تحقيق هذا التمايز، وهي الهوية المؤسسية، حيث عرفها كتاب "تعليم القيم والتعلم مدى الحياة" (Values Education and Lifelong Learning) على أنها عملية مدروسة يتم من خلالها تحديد مصادر المعنى الوجودي للمؤسسة التعليمية. فالهوية المؤسسية هي أداة الجامعات لحفظ ضروريات التمايز واستدامتها، عبر التركيز الذي يعظم منفعة كل تفاعل يصدر عنها، وتخصيص وربط رسالتها الرئيسية بمجموعات محددة من المستفيدين، وتراكم وتعميق الخبرات في مجالات تميز خاصة، إضافة إلى تحفيز مواردها وتوجيهها وفق أولويات التركيز الاستراتيجي، ما يزيد من فرص تحقيق معدلات متقدمة من التوازن المالي والكفاءة التشغيلية للجامعات.

تطوير الهوية المؤسسية في الجامعات العربية 

في عالمنا العربي، لم تظهر معظم الجامعات نزعة قوية وميل واضح نحو تطوير هوياتها المؤسسية الخاصة، مع وجود استثناء مرتبط بالجامعات المتخصصة منذ النشأة كجامعات العلوم وجامعات التقنية وجامعات الطاقة والجامعات ذات البعد الديني، والتفسير لذلك هو تخوف الجامعات من الانسلاخ عن شمولية اختصاصاتها أو التخلي عن الحرية الأكاديمية، لكن التركيز لا يعني التخلي عن الشمولية، بل التركيز وسيلة لجعل الشمولية متمايزة بحد ذاتها، لا شمولية عائمة غير موجهة.

وتتجلى هذه الإدارة بشكل واضح في تجربة "جامعة الملك فيصل" التي أعلنت عن هويتها المؤسسية في الربع الأخير من عام 2019، جاعلة من المساهمة في تحقيق الأمن الغذائي والاستدامة البيئية للمملكة العربية السعودية خياراً استراتيجياً لها. إذ أكدت "جامعة الملك فيصل" في دليل هويتها المؤسسية على ثلاثة أبعاد رئيسة لبناء تلك الهوية وهي: تطوير وتحسين المنتج النباتي، وتطوير وتحسين المنتج الحيواني، واستدامة الموارد الطبيعية، من خلال خدمة تسعة مجالات رئيسية للأمن الغذائي والاستدامة البيئية تشمل البيئة والمياه والزراعة والصحة والتقنية والإدارة والطاقة والنقل والتخزين والتصنيع وما نعتقد أنه متميز حقاً في هذا النموذج، هو وجود دور واضح لجميع كليات الجامعة في تحقيق تطلعات هذه الهوية دون إقصاء لأي مكون، وبما يحقق حالة من التكامل المؤسسي وتداخلية التخصصات. فعلى سبيل المثال، نرى أن لكلية العلوم مساهمة في إنتاج الطاقة من خام الطحالب، بما ينسجم مع جهود المملكة الموجهة لتأسيس صناعة واعدة للطحالب وتطبيقاتها، لاسيما ما يختص بإنتاج الوقود الحيوي. وفي كلية الآداب تتضح المشاركة الفعالة لبرامجها في مجالات السياحة البيئية، فيما يتصل بمساعي "وزارة السياحة" السعودية المركزة نحو تصميم وتنفيذ برامج التدريب البيئي للمرشدين والعاملين في قطاع السياحة وتدريب مشغلي السياحة في مجالات السلامة والأمن والحماية البيئية. وفي كليتي الطب والعلوم الطبية التطبيقية يتجه التركيز للأمراض المنقولة عبر الغذاء التي تصفها "منظمة الصحة العالمية" على أنها "عادة معدية أو سامة بطبيعتها وتسببها جراثيم أو فيروسات أو طفيليات أو مواد كيميائية تدخل الجسم عن طريق الأغذية أو المياه الملوثة".

وبالنسبة لكلية الأعمال يتزايد الاهتمام بإدارة سلاسل الإمداد الغذائية بما يتواءم مع متطلبات "برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية"، أحد برامج "رؤية المملكة 2030" التنفيذية وفي كلية الهندسة تنال التقنيات الخاصة بهندسة الري عناية خاصة تتضح جلياً من خلال مساهمة الجامعة في سد احتياجات "المؤسسة العامة للري" في مجالات استخدام التقنيات الحديثة للقياسات المائية وإصلاح الأراضي المتأثرة بالأملاح.

أما في كلية علوم الحاسب الآلي وتقنية المعلومات، ينصب الجهد نحو استخدامات التقنية وتطبيقاتها المختلفة في مجابهة التحديات المتجددة للزراعة، حيث يترجم هذا الجهد مؤخراً من خلال التكامل مع جهود "وزارة البيئة المياه والزراعة" التي وضعت تقنيات الزراعة العمودية على رأس أجندتها لتطوير الزراعة والمحافظة على المياه. أما في كلية الصيدلة يتركز العمل على التركيبات الدوائية المستخلصة من النباتات الصحراوية التي يكثر انتشارها في المملكة.

وفي صميم الهوية المؤسسية، تسخّر "جامعة الملك فيصل" إمكانات العديد من الكليات والمراكز مثل : كلية العلوم الزراعية والأغذية وكلية الطب البيطري، و"مركز التميز البحثي للنخيل والتمور"، و"مركز أبحاث الثروة السمكية" لخدمة شراكتها الاستراتيجية مع "وزارة البيئة والمياه والزراعة" من أجل تحقيق الأهداف الوطنية للمملكة العربية السعودية في هذا القطاع مثل: تحسين الممارسات الزراعية وهندسة النظم الزراعية واستخدامات الطاقة البديلة وتنمية واستدامة الموارد الطبيعية.

يعكس هذا التنوع المتكامل حالة الإدارة الفعالة لشمولية الجامعة، بما يحفز غيرها من الجامعات للتفكير جدياً في إزاحة أي عقبات قد تعيق استمراريتها أو تحد من تميزها.

مرتكزات تطوير الهوية المؤسسية للجامعات

بالوقوف على تجربة "جامعة الملك فيصل" في تطوير هويتها المؤسسية، يتوارد للذهن مجموعة من المرتكزات التي تزيد من فرص نجاح عملية التحول المصاحبة لتطوير الهوية المؤسسية:

* الحذر من الوقوع في فخ الانجراف خلف التيار السائد عند تحديد ملامح الهوية المؤسسية للجامعات. إذ قد تجد الجامعات نفسها أمام حالة إغواء تدفعها نحو تبني خيارات تمثل اختراقات معرفية متقدمة أو تخصصات صاعدة كأساس لهويتها المؤسسية، دون أن يتوفر لديها حالة مثلى من الاستعداد الداخلي لتفعيل مقررات ومضامين هذه الخيارات.

* ضرورة وجود مرجعيات وطنية تمثل أساساً ومنطلقاً للجامعات لتحديد هويتها المؤسسية، حيث توفر هذه المرجعيات فرصاً مهمة للجامعات لحشد التأييد وإتاحة فرص التمويل والشراكات لخدمة أهدافها المؤسسية. ومن الأمثلة البارزة لتلك المرجعيات: البرامج والاستراتيجيات الوطنية التي تقرها الحكومات. ففي "جامعة الملك فيصل"، مثلت لنا الاستراتيجيات الوطنية للأمن الغذائي الصادرة عن "مجلس الوزراء السعودي"، وبرنامجي "التحول الوطني"، و"تطوير الصناعات الوطنية والخدمات اللوجستية" المنبثقين عن "رؤية المملكة 2030″، مرجعاً استراتيجياً لمواءمة مستهدفات هوية الجامعة مع المستهدفات الوطنية ذات الصلة بهذا الشأن.

* استحضار التاريخ والجغرافيا للمدن والحواضر التي تحتضن الجامعات وربطهما بمفاهيم التنمية المتوازنة والاحتياجات المناطقية لهذه المدن عند تحديد الهوية المؤسسية. فللتاريخ والجغرافيا دلالات ورمزيات في غاية الأهمية، لا يجب أن تُلغى من حسابات التخطيط الاستراتيجي للجامعات، حيث كان لجغرافية وتضاريس وتاريخ الأحساء، المحافظة التي تحتضن "جامعة الملك فيصل" وتقع في شرق المملكة، لاسيما ما يتصل بأنها أكبر واحة نخيل في العالم وما يتوفر بها من عيون مائية، ومستوطنات بشرية، انعكاسات مباشرة على تبني الجامعة للأمن الغذائي والاستدامة البيئية كخيار استراتيجي لها.

* ترسيخ البعد الدولي والانفتاح على فرص التعلم ونقل ومشاركة الخبرات العالمية أثناء تحديد الملامح الأساسية للهوية المؤسسية. إن اتصال الجامعات عالمياً من خلال هويتها المؤسسية يتيح لها فرص إدخال تصورات جديدة لبرامجها التنفيذية المتعلقة بهويتها، كما يضمن لها انفتاحاً أكبر على خبراء ومؤسسات قادرين على العمل معها في المشاريع المشتركة، والعبرة الأساسية هنا تتمثل في عدم المجازفة في تبني خيارات تساهم في عزلة الجامعات عن الفضاءات الدولية عند تحديد هوياتها المؤسسية.

* تعزيز حالة التجاذب مع الصناعة وبناء الهويات المؤسسية التي تساهم في سد احتياجات الصناعة من البحث والتطوير تحديداً أو تلك التي تساهم في تطوير صناعات وأسواق جديدة. فلا قيمة من تركيز استراتيجي لا يتيح للجامعات التحدث بلغة الصناعة وفهم متطلباتها والاستجابة لها.

واليوم من خلال مساهمة "جامعة الملك فيصل" في تحقيق الأمن الغذائي والاستدامة البيئية للمملكة العربية السعودية، نجد أنفسنا نقترب من الانخراط في مشاريع مشتركة، ما يؤدي إلى تطوير الهوية المؤسسية للجامعة، والمساهمة في سلسلة القيمة للشركات العاملة في الصناعات المتعلقة بالتقنيات الزراعية والإنتاج النباتي والحيواني والصناعات المرتبطة بالطاقة المتجددة.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2021

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!