تابعنا على لينكد إن

أصبح من المعروف اليوم كيف تُستبعد النساء العاملات عن مناصب النفوذ والسلطة بعد أن وثّق العلماء والصحفيون على حد سواء هذا السلوك. وفي حين أنّ الأبحاث لم تُوجه بشكل محدد لمعالجة مواضع التحيّز الجندري، رأى البعض أن يتم التصدي للأمر عن طريق إحداث تغييرات في سياسة الموارد البشرية والتدريب وحملات التوعية وتشريعات تكافؤ الفرص وأكثر من ذلك.

لم يتم توجيه أي جزء من هذه الإجراءات المضادة إلى النساء أنفسهن. ومن إحدى الرسائل المدمرة بوجه خاص، والتي لم تلق أي رادع لسنوات عديدة، هي التي تقول أنّ الموظفات يفتقرن إلى عامل الثقة بالنفس الذي يتحلى به أقرانهن الذكور وهذا ما يجعل فرصتهنّ للنجاح ضئيلة. فلو أصبحت النساء أقل تردداً وسوّقن لأنفسهن بطريقة أفضل، لتلاشى هذا المنطق، وأصبح النجاح حليفهن. وعليه، يَنصح الكتّاب المعروفون في مجال الأعمال النساء “بتصوّر النجاح” و”تحمل المسؤولية” و”إعادة كتابة القواعد” و”التفكير بشكل مختلف”. كما هو معروف، في العام 2013، نشرت شيريل ساندبرج، المديرة التنفيذية للعمليات في فيسبوك والمليارديرة، كتاباً نصحت من خلاله النساء العاملات بأن “تتقدمنّ إلى الأمام”. في العام التالي، وفي صفحات كتاب “كود الثقة: علم وفن الثقة بالنفس – ما ينبغي أن تعرفه النساء” (The Confidence Code: The Science and Art of Self-Assurance – What Women Should Know)، كتبت المؤلفتان كاتى كاي وكلير شيبمان الآتي: “الرجال غير المؤهلين وغير المستعدين لأدوار القيادة لا يترددون في التفكير بإحراز التقدم. بينما نرى الكثير من النساء ذوات الكفاءات الأعلى والاستعداد الأكثر من تام ما يزلن في أماكنهن. وفجوة الثقة تُؤخذ كمنظار إضافي يمكن من خلاله تفحّص أسباب عدم تقدم النساء”.

يكمن وراء جميع هذه الرسائل، الاعتقاد بأنه على الرغم من أنّ فرص النجاح يمكن أن تحددها العوامل الخارجة عن سيطرة النساء ككل، إلا أنه يمكن للمرأة بمفردها اختراق تلك الحواجز إذا قامت باتخاذ خيارات معينة: كالتخلي عن زخارف الأنوثة وتعلم قواعد عالم العمل الذي يهيمن عليه الذكور وتأكيد نفسها وفقاً لذلك. في هذا الإطار، تكون الحواجز الهيكلية آنفة الذكر مجرد عقبات للقفز فوقها، والتي يجب أن تترافق مع تدريب ذهني مناسب.

حتى الآن، وربما يكون ذلك تحدياً للرأي الشائع، لا تُظهر الأبحاث الحديثة أي دليل على وجود أثر لضرورة اتصاف المرأة بالحياء. في مجالات التحكم بالإنجاز، لا تَعتبر النساء أنفسهن أدنى من نظرائهنّ الذكور في الجوانب المتعلقة بالقيادة. علاوة على ذلك، لا تجد الدراسات اختلافات ثابتة بين الجنسين من حيث الثقة بالنفس المبلغ عنها ذاتياً. وهذا يعني، أنّ النساء في مؤسسات اليوم ينظرن لأنفسهنّ على أنهنّ قادرات كما الرجال على النجاح في أداء أدوارهنّ المهنية.

في بحث مشترك مع مارغاريتا مايو من كلية آي إي لإدارة الأعمال وناتاليا كاريلايا من جامعة إنسياد، قمت باتخاذ زاوية مختلفة لتحليل عامل الثقة وعلاقته بالتأثير التنظيمي. وبغض النظر عن مدى شعور المرأة بالثقة، فقد ركزنا على ما وصفناه بـ”مظهر الثقة بالنفس” – بمعنى، إلى أي مدى يرى الآخرون أنّ المرأة واثقة من نفسها. باستخدام بيانات متعددة المصادر وعند فواصل زمنية من شركة تكنولوجيا يُسيطر عليها الذكور، وتُوظف أكثر من 4,000 شخص من أنحاء العالم، سعينا لتحديد إلى أي درجة يزيد مظهر الثقة بالنفس مقدار اكتساب الموظف لنفوذ له داخل الشركة.

وجدنا أنه حتى بين الموظفين ذوي الأداء العالي المتشابه، فإنّ مظهر الثقة بالنفس لم يُترجم إلى نفوذ متساو للرجال والنساء. وبالنسبة للنساء، كان النفوذ مرتبطاً بشكل وثيق بمفاهيم الدفء (إلى أي مدى يُظهرن الاهتمام والرعاية). علاوة على ذلك، لم يتطابق ما أبلغت عنه النساء ذاتياً بشأن الثقة مع مدى ظهورهنّ بأنهنّ واثقات للآخرين.

في حين أنّ صفة الثقة بالنفس محايدة من حيث النوع الجندري، فإنّ آثار مظهر الثقة بالنفس ليست كذلك. تختلف معادلة “الأداء والثقة تساوي القوة والنفوذ” باختلاف النوع الجندري. لا تستطيع النساء الناجحات أنْ “يتقدمن” على بنية لا يُمكن أن تدعم وجودهن من دون أن تنهار فرصهن (والخرافة) من حولهن.

إنّ الرسائل الشائعة الموجهة للمرأة حول كيف يجب أن تُغير سلوكها لتبدو واثقة من نفسها أكثر كمفتاح يضمن نجاحها، ليست رسائل خاطئة فقط، بل تعكس أيضاً كيف يتم وضع عبء إدارة مكان عمل متنوع جندرياً على الموظفات أنفسهن. فبينما يُسمح لزملائهن الذكور بالتركيز على أهدافهم الخاصة، فإنّ النساء اللواتي يُتوقع منهن رعاية الآخرين يتحملن عبئاً لا يتصف بالعدالة. هذا المعيار الاجتماعي (المزدوج) لا يظهر في أي توصيف وظيفي، لكنه في الواقع، مؤشر الأداء الرئيسي الذي يمنح الوصول والسلطة والتأثير للنساء الناجحات. وفي المقابل يخضع الرجال للتقييم بمعايير أدنى.

بالتالي، لا يكمن الحل في أن تتخلى النساء عن تطوير مهاراتهنّ التي تبني ثقتهنّ وتعزز أدائهنّ. بل يجب أن يتم تغيير النظم والممارسات التنظيمية بحيث تتم مكافأة النساء بشكل عادل. يمكن للشركات أن تتبنى سير الإجراءات والقواعد والضوابط التي تضمن تقييم جميع الموظفين وفقاً لذات المعايير. هناك العديد من الإجراءات التي يمكن أن تتخذها المؤسسات لهذا الغرض:

  • جعل متطلبات الوظيفة واضحة. يمكن لقسم الموارد البشرية على وجه الخصوص، أن يوثق بشكل منتظم جميع المهارات المطلوبة للنجاح (إلى جانب الخبرة الفنية) وتعميم مثل هذه القائمة على جميع الموظفين. فإذا كانت “الرعاية” مهارة مرغوبة – والتي قد تكون صحيّة لثقافة تنظيمية تعاونية – يجب أن تكون مؤشراً واضحاً يدعم تطور الموظف، ويدعم كل من التوظيف والتقييم للرجال والنساء على حد سواء. وعلاوة على ذلك، في القطاعات التي تكون فيها المرأة أقل تمثيلاً إلى حد كبير، يمكن أن يكون وجود معيار واضح لمهارات الرعاية مفيد في اجتذاب المرشحين الإناث وإعطائهن الأولوية على الموظفين الموجودين.
  • مراقبة الترقيات والتقدم الوظيفي. إنّ المغالطات حول مفهوم الجدارة في المؤسسات التي يسيطر عليها الرجال أصبحت موثّقة. كما أنّ إيلاء الاهتمام لسلوكيات التحيز الجندري الضمني في قرارات الترقية تُعد خطوة أولى مهمة للمؤسسات لتطوير ثقافات أكثر شمولية. على سبيل المثال، غالباً ومن دون أن يكون ذلك صريحاً، فإنّ تقييمات الأداء تحتوي على ما يقارب من ضعف النقاط حول ما إذا كانت النساء لطيفات ويتمتعن بمهارات الرعاية مقارنة بالرجال. تظهر نتائجنا أنه في حين يتجاوز الرجال الواثقون من أنفسهم هذا الأمر بسهولة أكبر، فإنّ النساء الواثقات لن يتمكن من ذلك إن لم يُظهرن مستوى أعلى من مهارات الرعاية. بناء على ذلك، يمكن أن يراقب قسم الموارد البشرية قرارات الترقية لتجنب أن ينتهي المطاف بتهميش النساء الموهوبات اللواتي لا تتوافق مهاراتهن مع مواصفات الدور الجندري.
  • تسليط الضوء على مجموعة أوسع من نماذج القدوة. إنّ الصورة النمطية للعاملين في مجال المهن التي يهيمن عليها الذكور، مثل علوم الكمبيوتر والهندسة، ضيقة للغاية وتعتمد على افتراضات شائعة: فالموظفون الناجحون في هذه المجالات لديهم مهارات تفاعلية ضعيفة، لكن هذا الأمر يُعد مثالياً لأنّ مهاراتهم الفنية هي فقط التي تجعل منهم أشخاصاً ناجحين. وقد لا يُستغرب أن يتم تصوير الشخصيات البارزة في مجال التكنولوجيا المتقدمة في أغلب الأحيان في الصحافة الشعبية على أنهم رجال أذكياء ويكرسون أنفسهم للعمل وغالباً ما ينقصهم مهارات التفاعل مع الآخرين. يُمكن للمؤسسات أن تحاول محاربة ذلك من خلال الارتقاء بنماذج قدوة أخرى، أي الذين يتمتعون بمهارات ومواهب أكثر والتي يمكن أن تلهم قوة عمل متنوعة.

على الرغم من عدم وجود أية دراسة يمكن أن تشير إلى فهم قاطع للتحيزات الجندرية التي تحصل في العمل، إلا أنّ نتائجنا تسلط الضوء على أهمية قيام المؤسسات بمراقبة كيف يُنظر إلى الرجال والنساء ذوي الأداء المرتفع؟ (من قبل أقرانهم ومن قبل المشرفين عليهم بشكل خاص) وكيف يتقدمون في مساراتهم الوظيفية؟ عندما تبذل المؤسسات جهوداً دؤوبة للكشف عن التحيز الجندري والأساليب التي تُديمها، عندها فقط تصبح قادرة على أن تكون على مقربة من نوعية أماكن العمل التي نؤمن بها، حيث تتم مكافأة مواهبنا ومهاراتنا بشكل عادل، بغض النظر عن النوع الجندري.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz