ماذا يحل بالأشخاص الذين لديهم ثقة مفرطة؟ هل يتم مكافأتهم وترقيتهم واحترامهم عادة، أم أنّ الثقة فيهم تكون معدومة والتعاون معهم أمر نادر؟ يتحدث بحثنا عن أنّ ما سبق قد يعتمد على كيفية التعبير عن تلك الثقة.

يعبّر الناس عادة عن الثقة لفظياً، إذ إننا عندما نطلق أحكامنا، نقدّم تعبيرات واثقة محددة وعددية كما في حالة قيامنا على سبيل المثال بتوقع احتمال حدث معين (مثلاً، أنا متأكد بنسبة 90%)، أو عندما نقدر أداءنا مقارنة بالآخرين (مثلاً، أنا ضمن أعلى 10%). وتقوم الدراسات الكثيرة حول الثقة المفرطة عادة بدراسة الثقة الزائدة من جانب التعبيرات اللفظية نظراً لأنها قابلة للمقارنة بوضوح أكبر بالأداء والنتائج الفعلية.

لكن لا يعتبر التعبير اللفظي عن الثقة الطريقة الوحيدة، أو حتى الأكثر شيوعاً لإبراز الثقة، فقد نستخدم أحياناً أشياء أخرى غير لفظية لإبراز تلك الثقة على غرار استخدامنا للغة الجسد أو نبرة الصوت. فعلى سبيل المثال، يميل الأشخاص الذين يشعرون بالثقة إلى التصرف بشكل مهيمن، حيث يتحدثون بجرأة وبصوت مرتفع وبسرعة ويبدؤون المحادثة بطرح رأيهم الخاص ويقومون أيضاً بإمالة رأسهم للتأكيد ويكون لديهم بشكل عام الحضور الواضح في الغرفة. ويُنظر إليهم على أنهم أصحاب نفوذ ويذعن الآخرون لهم. لكن أحياناً قد لا يتم التعرف على تعبيرات الثقة غير اللفظية هذه بسبب اختلاف السياق والثقافات والتي يختلف تفسيرها لما سبق.

ويمكن أن تكون لقناتي توصيل الثقة، اللفظية وغير اللفظية، كفاءة كبيرة في الحصول على اهتمام إيجابي والتأثير في المجموعات. فطبقاً لأحد الافتراضات (فرضية "افتراض المعايرة")، فإننا نفترض بشكل عام أنّ لدى الآخرين معرفة ذاتية بمدى ثقتهم، كما نفترض أنهم سيوصّلونها بشكل حقيقي إلينا (ويدعى هذا بالتحيز نحو الحقيقة)، ما لم تشر الظروف إلى غير ذلك. بالتالي، وعندما نصادف الثقة، نميل إلى أن نجدها مقنعة، ونتوقع أن يكون لها ما يبررها.

لكن في بعض الأحيان، نجد معلومات تشير إلى أنّ شخصاً ما كان فعلياً مفرط الثقة، الأمر الذي يجعلنا نعيد النظر في فكرتنا الأولية عنه. ربما قال إنه متأكد تماماً، أو ربما أظهرت لغة جسده الثقة، واتضح أنه كان على خطأ. وهنا، تختلف الأبحاث حيال عواقب الثقة المفرطة.

فبعض الأبحاث ذكرت أنّ الإفراط في الثقة أثناء المشاركة في نشاط جماعي لا يُضر بسمعة الشخص؛ فالأفراد الذين تصرفوا بثقة خلال أدائهم لمهامهم لكن جرى الاكتشاف لاحقاً بأن أداءهم أسوأ مما زعموا، لم يعانوا من انخفاض حاد في وضعهم الاجتماعي في المجموعة مقارنة بشخص كان متوازناً في ادعائه وأدائه. وخلص الباحثون إلى أنّ "فوائد الثقة المفرطة تفوق أي تبعات محتملة لها".

لكن وجد بحث آخر استخدم مقالات قصيرة وأشرطة فيديو لأشخاص كيف تلطخت سمعة الشهود ومقدمي طلبات العمل الذين صرّحوا عن مقدار ثقتهم لفظياً أمام المقيّمين حالما ظهرت معلومات إضافية تشير إلى أنهم كانوا مفرطي الثقة. وفي حالة هؤلاء الأفراد، كان يمكن إنقاذ مصداقيتهم لو أظهروا تواضعاً أكثر.

وفي سلسلة دراسات نُشرت مؤخراً في مجلة "الشخصية وعلم النفس الاجتماعي"، قمنا بالتعاون مع باحثين آخرين لتقصّي سبب رؤية بعض الباحثين للثقة المفرطة على أنها أمر سلبي، ورؤية البعض الآخر لها كأمر عادي. ولاحظنا هنا وجود نمط ساد تلك الأبحاث: ففي الأبحاث التي تمت بحضور المشاركين، كان التعبير عن الثقة غير لفظي؛ أما في الدراسات التي تمت باستخدام المقالات القصيرة أو أشرطة الفيديو، فكان لفظياً. بالتالي، أردنا معرفة إن كانت طريقة التعبير عن الثقة هي التي تحدد تبعات الثقة المفرطة.

وطلبنا في دراستنا الأولى من 444 مشاركاً عبر الإنترنت (منصة "إمتورك") في الولايات المتحدة اختيار مرشح من أصل اثنين للعمل معهم على مهمة. وكان أحد المرشحين شخصاً واثقاً في حين كان الآخر شخصاً حذراً. واختار أغلب المشاركين المرشح الواثق، بغض النظر عن طريقة توصيل ذاك المرشح لتلك الثقة: لفظياً أو تم استنتاجها من طريقة تعريف المرشحين بأنفسهم عبر الفيديو المسجل. بعد ذلك، أُعطي المشاركون معلومات عن أداء هذين المرشحين لمساعدتهم في الكشف عن الثقة المفرطة، حيث تم إخبارهم بأن كلا المرشحين يملكان الكفاءة ذاتها بغض النظر عن الثقة التي أبرزوها في تقديمهما لنفسيهما.  

وحالما عرف المشاركون ذلك، أحدثت الطريقة التي عبّر فيها كل مرشح عن ثقته فرقاً، إذ تعرّض ذاك الذي أعرب عنها لفظياً إلى خسارة كبيرة في سمعته وأفضليته مع اختيار الكثيرين للمرشح الآخر عليه. أما المرشح الذي أعرب عن ثقته بشكل غير لفظي، فقد حافظ على أفضليته.

وكررنا الدراسة ذاتها إنما مع مرشحين ذكور وإناث، ومع نوعين مختلفين من المهام (اختبار ذكاء عاطفي في المهمة الأولى، وتخمين أعمار غرباء عبر النظر إلى صورهم في الثانية). وعلى الرغم من ذلك، تحققت نتائج الدراسة الأولى ذاتها، إذ كانت الثقة دائماً مفيدة للمرشح في البداية، ولكن في حال لم يرتق أداؤه إلى مستوى التوقعات، كانت طريقة تعبيره عن ثقته العامل الحاسم في اختيار المشاركين لمعاونيهم.

وفي دراسة تالية، حصلنا على النتيجة ذاتها مع 256 مشاركاً في المرحلة الجامعية، منهم من التقى بالمرشحَين شخصياً وطرح عليهما الأسئلة ولاحظ سلوكهم غير اللفظي قبل اختيار مساعده؛ مع قيام المرشح الذي يعبّر عن ثقته لفظياً بتلاوة العبارات ذاتها المذكورة في الدراسة الأولى. وكانت النتائج التي رأيناها هنا أكثر بروزاً.

لماذا قد تحدد قناة التواصل مستوى التبعات الاجتماعية التي سيعانيها الشخص المفرط في ثقته بنفسه؟ من إحدى سمات السلوك غير اللفظي عدم ارتباطه الواضح بمزاعم محددة، كما هي الحال في التعبير اللفظي. بالتالي، قررنا محاولة سبر ذلك في دراسة إضافية.

طلبنا في دراسة من 462 مشتركاً عبر منصة إمتورك اختيار مساعد، كما في الدراسة الأولى. وبعدما ذكرنا أنّ أداء المرشح الواثق هو أقل مما يبدو عليه، شرحنا للمشاركين أنّ المرشح الواثق هذا نفى بوضوح أنه مفرط في الثقة حيال قدرته على أداء المهمة. ووجدنا هنا أنّ المشاركين تقبلوا ذاك الإنكار أكثر عندما عبّر المرشح في البداية عن ثقته بشكل غير لفظي مقارنة بالتعبير عنها لفظياً. وشكّل ما سبق مؤشراً قوياً على أنّ ذاك الإنكار المعقول يمكن أن يكون وراء أفضلية المرشحين الذين عبروا عن ثقتهم المفرطة بشكل غير لفظي.

ثم وجدنا في دراسة متابعة أخرى أدلة تشير إلى أنّ طريقة توصيل الثقة لعبت دوراً رئيساً فيما يتعلق بالإنكار المعقول. ففي هذه المرة، استخدمنا مثال القاضي-المستشار، وطلبنا من 302 مشاركاً جامعياً، يتخصص أغلبهم في مجال الأعمال، أن يتصرفوا مثل المدراء وأن يقوموا بتقييم مستشارين أعربوا إما عن ثقتهم أو حذرهم بشأن قراراتهم في فيديو مسجل مع مستويات إنكار معقول مختلفة، عبر قيامنا مثلاً بعرض مقطع فيديو لمرشح يعبّر عن ثقته مع كتم صوت الفيديو لإبراز سلوكه غير اللفظي (على سبيل المثال، إيماءة الرأس للتأكيد).

وتحققت النتائج ذاتها التي رأيناها في دراساتنا السابقة والتي تقول أن الثقة كانت مفيدة في البداية وذلك بغض النظر عن كيفية التعبير عنها. ولكن عندما وصلنا إلى الفترة التي كان فيها واضحاً أنّ الأداء لم يرقَ إلى التوقعات، أصبحت الثقة حينها عبئاً على المستشارين. لكن لم يفقد أولئك الذين عبروا عن ثقتهم بشكل غير لفظي (مع مستوى أعلى من الإنكار المعقول) ميزتهم الأولية.

وتفسّر هذه الدراسات أحد أسباب معاقبتنا لبعض الأشخاص لإفراطهم في الثقة وعدم قيامنا بالأمر ذاته مع آخرين. فمن الصعب محاسبة الناس على مبالغتهم في تقدير قدراتهم أو معارفهم عندما يعبرون عنها بطرق غير لفظية. ومن المهم لنا أن نتعرف على الإشارات التي تُبرز الثقة لكي نتجنب إعطاء أولئك الذين لديهم ثقة مفرطة نفوذاً أكثر مما ينبغي. وهذه الإشارات قد تكون أموراً مثل الاعتداد بالنفس والحديث بصوت مرتفع والهيمنة على المحادثة. كما يمكنك أيضاً التحقق من حالة زملائك عبر الطلب منهم بأن يكونوا محددّين في تقييم ثقتهم بنفسهم مع قيامك في الوقت نفسه بالتحقق من دقة ذلك التقييم مع مرور الوقت.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!