تابعنا على لينكد إن

يقول لاعب البيسبول فيرنون لو: “التجربة معلّم قاس لأنها تجعلك تخوض الاختبار أولاً، ومن ثم تقدم لك الدرس”. 

ربما كانت هذه الملاحظة قادرة على تفسير نتائج استطلاع رأي أُجري برعاية جمعية الجامعات والمعاهد الأميركية. إذ قال 64 في المئة من طلاب الجامعات إنهم معدّون جيداً للعمل ضمن فريق، وظنّ 66 في المئة أنهم يملكون مهارات كافية في التفكير الناقد، وقال 65 في المئة منهم أنهم بارعون في الاتصالات الكتابية. ولكن من بين أرباب العمل الذين قاموا بتعيين موظفين جدد من خريجي الجامعات، كان هناك أقل من 40 في المئة يتفقون مع تلك البيانات. لقد كان الطلاب يرون أنهم قطعوا شوطاً كبيراً على منحنى التعلم باتجاه النجاح في مكان العمل، عكس ما رآه أرباب العمل الذين قاموا بتوظيفهم في ما بعد.

فرط الثقة لدى المبتدئين

يركز بحثنا على فرط الثقة الذي نشعر به عندما نعالج تحديات جديدة ونتعلم منها. ويكون المبتدئ عرضة للشعور بتفاؤل وثقة مفرطين. وعملنا هذا مخصص لاستكشاف الشكل الحقيقي والإطار الزمني لهذه الثقة المفرطة.

تقول إحدى النظريات الشائعة أنّ المبتدئين يبدؤون بالعمل على مهمة أو وظيفة جديدة مع ثقة مفرطة وعدم وعي لعدم كفاءتهم، ومن دون إدراك أنهم لا يعلمون. وبالتالي تدفعهم أخطاؤهم وزلاتهم إلى إدراك نقاط ضعفهم.

ولكن عملنا يشير إلى العكس، إذ يمكن أن يكون المبتدئ واعياً تماماً وحذراً بشأن ما لا يعلمه. ثم يتطور ليصل إلى حالة عدم الوعي لعدم كفاءته بدلاً من البدء منها، حيث تؤدي خبرته الصغيرة إلى استبدال حذره بإحساس زائف بالكفاءة.

وركّز بحثنا تحديداً على المهمة الشائعة: وهي تعلم الاحتمالات، حيث يتعلم الإنسان كيفية قراءة الدلائل من البيئة للتنبؤ ببعض النتائج. مثلاً، يجب أن يعتمد الإنسان على عدة إشارات من البيئة للتنبؤ بالأسهم التي سترتفع في الشركة، أو بالمتقدم الذي سيكون عمله هو الأفضل أو المرض الذي يعاني منه المريض. قد تكون هذه المهمات صعبة وقد يخطئ أكبر الخبراء في التنبؤ فيها أحياناً. ولكن اتخاذ القرار يكون في الكثير من الظروف أمراً ضرورياً.

طلبنا من المشاركين في دراسة مخبرية تخيّل أنهم أطباء مقيمون في عالم يسود فيه “الزومبي” (الأموات الأحياء). وكنا واثقين أنّ هذا السيناريو جديد كلياً بالنسبة لجميع المشاركين، ما يتيح لهم البدء كمبتدئين جدد. وكانت وظيفتهم على مدى 60 اختباراً مكرراً هي مراجعة الأعراض التي يعاني منها كل مريض، إن كانت عيناه لامعتان مثلاً أو إن كان لديه دمّل أو التهاب دماغي، وتشخيص ما إن كان سليماً أو مصاباً بواحد من المرضين المحددين من أمراض الزومبي. وكان على المشاركين أن يتعلّموا، عن طريق التجربة والخطأ، الأعراض التي يمكنهم الاعتماد عليها للتعرف على الإصابة. وكما هو الحال في التشخيص الطبي الواقعي لحالة صحية (غير حالات الزومبي بالطبع)، قدمت الأعراض معلومات عن الإصابة ولكنها كانت دلائلاً معرّضة للخطأ. وكانت هناك أعراض مؤكدة ترجح أحد التشخيصين بنسبة أكبر من الثاني، ولكنها لم تكن موجودة دائماً. وهناك أعراض محتملة أخرى كانت مجرد تضليل. وقام كلّ مشارك بتشخيص المرضى وحده وتلقى التقييمات بعد كل تشخيص.

فقاعة المبتدئ

وجدنا أنّ المشاركين تعلّموا كيفية أداء مهامهم ببطء وبالتدريج، على الرغم من شعورهم بصعوبتها الشديدة. وتحسن أداؤهم تدريجياً مع كلّ مريض.

إلا أنّ الثقة سلكت مساراً مختلفاً تماماً. ففي كلتا الدراستين، بدأ المشاركون بتوقعات صحيحة لمدى صحة تشخيصاتهم. وبدأوا العمل مع اعتقاد أنهم محقون في 50 في المئة من الأوقات، وكان معدل الصحة الفعلي لهم 55 في المئة. ولكن بعد تشخيصهم لعدة مرضى، بدأت ثقتهم تزداد بصورة كبيرة جداً، متجاوزة كلّ معدلات الصحة التي حققوها فعلياً. وسرعان ما قدّر المشاركون صحة عملهم بنسبة 73 في المئة بينما لم تصل حتى إلى 60 في المئة فعلياً.

يبدو أنّ ألكساندر بوب كان محقاً عندما قال إنّ القليل من المعرفة أمر خطير. ففي دراستنا، كان القليل فقط من المعرفة كافياً لجعل المشاركين يشعرون أنهم قد تعلموا العمل كله. إذ أصبحت لديهم ثقة كبيرة بأنّ حكمهم سيكون صحيحاً على مدى كامل التجربة بعد قيامهم ببعض المحاولات، ودخلوا في حالة من الثقة المفرطة أسميناها “فقاعة المبتدئ”.

ما هو سبب هذه الزيادة الكبيرة في الثقة؟ لقد وجدنا في دراسة متابعة أنّ الثقة ازدادت لأن المشاركين بالغوا بتشكيل أفكار سريعة وواثقة عن كيفية القيام بمهمة التشخيص الطبي بناء على كمية ضئيلة جداً من البيانات. ولكن الكميات القليلة من البيانات غالباً ما تكون مليئة بالشوائب والإشارات المضللة. وعادة، ما يحتاج المرء لكميات كبيرة من البيانات ليتمكن من إبعاد فوضى العالم كي يكون قادراً أخيراً على رؤية الإشارة الهامة.

ومع ذلك، بيّن البحث الكلاسيكي أنّ الإنسان لا يدرك هذه الحقيقة، وأنه غالباً ما يفترض أنّ سلسلة صغيرة من البيانات تمثل العالم بصورة جيدة تماماً كما تفعل السلاسل الطويلة.

ولكن دراساتنا تشير إلى أنّ الإنسان يتعلم فعلاً في نهاية المطاف، إلى حدّ ما. فبعد أن شكّل المشاركون فقاقيعهم، توقفت الثقة المفرطة وبدأت بالانخفاض قليلاً. وسرعان ما تعلموا أنّ عليهم تصحيح نظرياتهم الأولية التي غالباً ما تكون خاطئة، وهذا ما قاموا به فعلاً. وبعد مرحلة التصحيح، بدأت الثقة بالارتفاع مجدداً ولكن لم تصل الصحة إلى ذات المستوى. ومن الجدير بالذكر أنه على الرغم من أننا لم نتوقع ذروة الثقة الثانية، إلا أنها كانت ظاهرة دائماً خلال جميع دراساتنا.

فقاعة أرض الواقع

تتبع أرض الواقع هذا النمط. وقد وجدت أبحاث أخرى أنّ أخطاء الأطباء الذين يتعلّمون إجراء جراحة على العمود الفقري لا تبدأ قبل تكرار العملية للمرة الخامسة عشر. وكذلك الأمر بالنسبة للطيارين الجدد الذين تكون الحوادث التي يتسببون بها قليلة، ولكنها تبدأ بالازدياد حتى تصل إلى ذروتها عندما يصلون إلى حوالي 800 ساعة طيران، وعندها تبدأ بالانخفاض مجدداً.

كما وجدنا علامات لفقاعة المبتدئ خارج المختبر. فبالنسبة لتعلم الاحتمالات، كانت البيانات تشير إلى أنّ أغلب الأشخاص دون سن الـ18 لا يملكون سوى معرفة بسيطة عن التمويل الشخصي. وبما أنّ معظم المدارس الإعدادية والثانوية لا تقوم بتدريس مادة التمويل الشخصي، فلا يتم تعلّمه إلا عن طريق التجربة والخطأ.

لقد وجدنا نتائج تجربتنا المخبرية تتكرر على مدى مراحل الحياة من خلال استطلاعات الرأي التي أجرتها هيئة تنظيم القطاع المالي حول القدرة المالية، حيث ضمّ كل استطلاع عينة تمثيلية على الصعيد الوطني تتألف من 25,000 مشارك خضع لاختبار سريع لمادة التمويل وأبلغ عن مدى معرفته بالتمويل الشخصي بحسب ظنه. وكما في المختبر تماماً، بينت استطلاعات الرأي أنّ ثقافة التمويل الشخصي الواقعية ازدادت ببطء وبالتدريج وعلى نحو مماثل عبر المجموعات العمرية.

إلا أنّ الثقة بالنفس قفزت بين مرحلة أواخر المراهقة وبداية مرحلة النضوج، ثم استقرت عند مستوى معين لدى المشاركين الأكبر وصولاً إلى الذين في أواخر مرحلة النضوج. ومن ثم بدأت بالارتفاع مجدداً. ويتّسق هذا النمط تماماً مع نمط بحثنا المخبري.

من الضروري ملاحظة أنّ هناك عدة قيود على عملنا. ففي تجاربنا، تلقى المشاركون تقييماً كاملاً بعد كل تجربة، بينما لا تتوفر تقييمات دائمة كهذه  في الحياة الواقعية. كما أنّ تجاربنا تتبعت تغيّر الثقة مع تعلّم الأشخاص مهمات جديدة كلياً. ولكن هناك الكثير من الأعمال التي يتعلمها الإنسان ويستطيع تطبيق معارفه السابقة عليها، ونحن لا نعلم كيف يمكن للثقة أن تتغير في هذه الظروف. كما أننا لسنا متأكدين مما يمكن أن يحدث للثقة المفرطة بعد 60 محاولة.

ومن هذا المنطلق، تشير دراساتنا إلى احتمال أن تكون صعوبة عمل المبتدئين مضاعفة. وبالطبع، يجب على المبتدئ أن يجاهد ليتعلم، ولكن عليه أيضاً أن يحترس من وهم أنه تعلّم بسرعة. ربما كان ألكساندر بوب قد اقترح أفضل علاج لفقاعة المبتدئ هذه عندما قال: “إن كانت الخبرة الشحيحة سبباً في تسمم الدماغ، فإن العلاج الوحيد لذلك يكون بخوض المزيد من التجارب، علّه يشفى من التسمم”.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

1 تعليق على "دراسة: اكتساب القليل من المعرفة عن أمر ما يمنحنا ثقة مفرطة بأنفسنا"

التنبيه لـ

تصنيف حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تصويتاً
Ahmad.Shitya
Member
Ahmad.Shitya
3 شهور 8 ساعات منذ

قالوا قديما العلم ثلاثة أشبار

wpDiscuz